-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل مازالت المرأة تؤمن بمقولة الحدايد للشدايد؟

فاروق كداش
  • 139
  • 0
هل مازالت المرأة تؤمن بمقولة الحدايد للشدايد؟

الذهب في الثقافة الجزائرية ليس مجرد حلي، بل اقترن دائما بالأمان. كان الكرافاش بولحية صديقا وقت الضيق، والسبيعيات هن الأخوات المعول عليهن حين تأتي السنوات العجاف. فهل بعد عقود لا تزال مقولة الحدايد للشدايد سارية المفعول؟ وهل مازالت المرأة تعتبره الادخار الصامت؟ الشروق العربي تمحص وتستقصي بحثا عن حقيقة جديدة فرضتها الظروف الراهنة.

مقولة متداولة بين الأمهات والجدّات، ويعنين بالحدايد الذهب والمجوهرات. والشدايد معناها واضح وضوح الشمس. هي ليست عبارة عن حكمة عابرة، بل خلاصة تجربة اجتماعية واقتصادية عايشتها أجيال كاملة، في ظل غياب البدائل الحديثة للادخار.

الذهب الأصفر لليوم الأسود

في العقود الماضية، كانت الجزائرية تقبل على شراء الذهب، كلما صار في جعبتها مبلغ من المال، وكانت الأم تدخر الذهب لبناتها حتى يصلن سن الزواج، فيجدن في صندوق مجوهراتهن ما يتباهين به وقت الميسرة، ويلجأن إليه وقت الشدة في حالات المرض والسفر والبناء وتزويج البنات وشراء عقارات ودفع ديون، وفك رهن، وغيرها من محن الحياة. حقيقة، كان الذهب معيارا للثراء. فمن ترتدي في معصمها في حفل زفاف أو خطوبة أساور بطول سور الصين العظيم، يحسب لها ولزوجها ألف حساب.

لكن، لماذا اعتبر الجزائريون الذهب بوليصة تأمين مدى الحياة. الذهب، بخلاف المال، لا يُصرف بسهولة، ولا يفقد قيمته بسرعة، بل بالعكس تزيد قيمته، ولا تنقص إلا في حالات نادرة، بالإضافة إلى كونه يمكن تسييله عند الحاجة، دون تعقيدات بنكية وإجراءات إدارية تطول، بينما حين يستدعى الذهب، فاعلم أن الأمر شديد الاستعجال.

الحدايد بعيدا عن الشدايد

مع تغيّر الزمن، شهدت نظرة المرأة للذهب نوعًا من التحوّل. فاليوم، لم يعد الذهب الوسيلة الوحيدة للادخار، في ظل انتشار الحسابات البنكية، وأيضا فرص الاستثمار الصغيرة التي منحت المرأة بعض البحبوحة المالية، ناهيك عن دخولها سوق العمل بقوة:

الحسابات البنكية

ورغم ذلك، لم يفقد الذهب مكانته بالكامل، بل تغيّرت وظيفته. فقد أصبح يشترى أكثر للزينة، خاصة أن المجوهرات الثقيلة صارت أقل إقبالا مقارنة بالمجوهرات المرهفة، الإيطالية منها والفرنسية المرصعة بالماس والزمرد، مع الاحتفاظ بإمكانية بيعه عند الضرورة. وهذه الضرورة لم تعد الخطة الأساسية للعْقوبة، كما يقال، بل خطة ب ثانوية، مع وجود قائمة طويلة من الاختيارات الأخرى..

رغم كل هذا التطور والتحول، لا تزال النساء يشترين الذهب للشدايد. فالكثيرات يردن الجمع بين المتعة والفائدة، وما الشيء الأكثر متعة من عقد ثقيل يملأ رقبتها أنوثة وجاها.

18 قيراطا من الحب

بالإضافة إلى قيمته المالية، الذهب في الموروث الثقافي والشعبي له قيمة عاطفية كبيرة، فهو الإرث المتناقل بين الأجيال، هو خاتم الشوفة وطقم الخطوبة أو البارور الأسطورية، هو خاتم الزواج وأساور الجدة والأم، هو محزمة اللويز التي أفنت سيدات العائلة حياتهن لاستكمال عددها لويزة لويزة، هو وعود المحبة وعهود الصداقة والأخوة.

سألنا عينة من النساء: هل مازلن يؤمن بمقولة الحدايد للشدايد؟ فكانت إجابتهن حديثا عن الحدايد في وقت الشدايد. تقول نوال: “اقتناء الذهب في العائلة بالإضافة إلى كونه إرثا نتناقله بين الأجيال، ضمان ملموس وقت الشدة”. وتطرق قائلة: “الذهب لأوقات الشدة مثل له صداه في الواقع، فأنا مثلا تعرضت لأزمة مالية خانقة، بعد أن فقد زوجي وظيفته فجأة، فبعت بعض ذهبي وفرجت كربة زوجي، فعوضني الله بأن فتح عليه أبواب الزرق مجددا، وعوضني بأضعاف أضعاف الذهب الذي بعته”.

يا حدايد أين الشدايد؟

السيدة وهيبة ليست مقتنعة تماما، ولديها رأي مختلف: “لقد كانت هذه المقولة راسخة متوارثة بين أفراد العائلة، وكزوجة صالحة، اضطررت إلى بيع الكثير من مجوهراتي الثمينة، لمساعدة زوجي في استكمال بناء بيتنا، وبعد جهد جهيد، أتممنا مشروع البناء. لكنه، في النهاية، رماني في الشارع، وتزوج مرة ثانية”.

مونيا، تحمد الله على هذه المقولة، وتحكي لنا تجربتها: “لقد أفنت أمي عمرها في شراء الذهب لكل بناتها. وكما يقال، صيغتنا من ساسنا لراسنا”. وتردف: “لكن، في فترة ما، مرضت مرضا شديدا، وكان لزاما عليها أن تجري عملية جراحية مكلفة في الخارج. ولولا الذهب الذي ادخرته لنا ما استطعنا تأمين تكاليف العملية. والحمد لله، أمي شفيت تماما. ونحن ننعم بوجودها بيننا”.

للسيدة سميرة رأي متشائم بعض الشيء، فهي ترى أن أسعار الذهب دفعت النساء إلى التخلي عن فكرة الحدايد للشدايد، “صارت المرأة لا تلبس الذهب خارج بيتها، ولو قطعا صغيرة، لكثرة السرقة والاعتداءات”. وتضيف: “اليوم، المرأة هي من تشتري الذهب لنفسها، لا والدتها أو زوجها. وصار هذا الأخير يعول على صندوق مجوهرات زوجته، الذي لم يشتر لها منه سوى البارور وخاتم الزواج، إما للبناء أو سداد الديون، وغيرها من أزماته المالية اليومية”.

يمكن القول إن المرأة اليوم لم تتخلَّ عن فكرة الحدايد للشدايد، لكنها أعادت صياغتها. الذهب اليوم لم يعد الملاذ الوحيد، بل صار خيارا من خيارات عديدة، ضمن منظومة أوسع من الوعي المالي. ورغم تغير الأزمنة والأمكنة، ظل الذهب شاهدا على قدرة المرأة على التكيف مع واقعها، دون أن تنسى ماضيها وتراثها وإرثها العائلي. وباختصار شديد، دون نسيان هويتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!