هل نحن مجرد فولكلور؟
لا تخلو أحاديث المسؤولين عن الثقافة والفن في بلداننا، بما في ذلك الجزائر، من الإشادة بالفولكلور واعتباره أحد القسمات التي ينبغي أن تتشكل منها الهوية الوطنية، ونجدهم يلمّحون حينا ويجهرون أحيانا كثيرة أن المادة السحرية للسياحة هي هذا الفلكلور الذي يشد فضول الأوروبي من أنفه ليأتي إلينا ليرى كم نحن غرائبيون، وكم نحن لا نزال دائما كما كنّا في العصور القديمة بخلاف ذلك الأوروبي الذي ضيّع نفسه القديمة وفقد السذاجة والحدس والسلوك الغرائبيين بعد أن اكتشف التقنية وسيطر على الطبيعة.
في كتابه “الإيديولوجية العربية المعاصرة” يسلط الدكتور عبد الله العروي الضوء على بعض مظاهر التخلف التي تعاني منها بلداننا في مرحلة الاستقلال منها ظاهرة التماهي المثبت مع الفولكلور البدائي أدبا، وموسيقى، وغناء ويعتبرها من العقبات التي تعرقل دخولنا مرحلة التحديث والتطور.
قبل هذا التحذير من الدكتور عبد الله العروي، نبّه المفكر فرانز فانون إلى خطر الحنين إلى ثقافة الماضي البالية، معتبرا هذا النمط من الحنين نكوصا سلبيا للوعي الوطني، وبهذا الخصوص كتب قائلا: “المثقف بدلا من أن يمضي باحثا عن ذلك الجوهر، تراه يفتن بهذه المزق المنحطة التي كان ينبغي أن يدفعه تجمّدها إلى الإنكار والتجاوز والابتكار“. ويضيف: “الثقافة هي في جوهرها نقيض العادات الجامدة التي ليست إلا حطام الثقافة، فإن أردت أن تلتصق بالتقاليد أو أن تحيي التقاليد البالية، كنتَ تعاكس تيار التاريخ، بل كنت تعاكس شعبك“.
سوف تتضح لنا الصورة أكثر عندما نتأمل المناقشات السجالية التي دارت ولا تزال تدور بين الباحثين في الفلكلور وبين المنظرين له حيث نجد من بينهم من يعرفه بأنه “بقايا القديم وثقافة ما قبل التمدين” أو أنه ليس سوى تلك “الموروثات الثقافية في بيئة المدينة الحديثة“. أما التيار الذي يحدد ماهية الفولكلور على أنه الثقافة الشعبية، فيوضح بأنه “المظاهر الثقافية للناس العامة في الثقافات المتحضرة“، وهناك من يقيّم الفولكلور بأنه معرفة شعبية، تمييزا لها عن المعرفة العلمية.
على أساس ما تقدم نتفهم وجهة نظر الدكتور العروي التي يلخصها في هذا الموقف “كل عمل فولكلوري أكان موسيقيا، أو تشكيليا أو أدبيا، إنما يرث عن الذي يظهر فيه صفة التخلف، بل يمكن القول إنه يستمد منها ما يلصق به من قيمة، أما العمل التعبيري فهو بالعكس يهدف إلى جبر النقص من خلال التعبير ذاته، أي يشحذ الوعي الفردي والجماعي“.
في هذا السياق يرى العروي أن مظاهر السياحة الفولكلورية التي تجد التشجيع المفرط من طرف السلطات في بلداننا لا تقدم للأجانب سوى “القسمات البدائية المتخلفة من مجتمعاتنا، وهي الصور التي يتسلون بها. إنها تؤكد لهم بأنهم أمام عالم غير متمدن، يمدهم بالغرائبيات ويطمئنهم بأنهم ليسوا من ذلك العالم البعيد الذي انفصلوا عنه منذ دخول الغرب في عصر التنوير“.
لاحظ الدكتور العروي أيضا أنه “في المغرب مثلا، أثناء الحماية الفرنسية، كانت مدينة مراكش التي يعتبرها سياح العالم بمثابة متحف مفتوح موضوع اشمئزاز عند الوطنيين الشبان، كانوا لا يفتأون يهاجمون ما يرونه فيها من مظاهر التخلف والانحطاط تلك التي يودّ قادة الاستعمار أن يروها لاصقة على وجه الدوام بوجه المغرب“.
كما يسجل العروي ملاحظة مهمة أخرى وتتمثل في أن تشجيع مظاهر الفولكلور في مجتمعاتنا يتم من طرف الشرائح البورجوازية الوطنية التي تقسّم الفضاء الوطني إلى عالم عصري يمثلهم ويُبرز وجودهم المتفوق على مستوى السلطة المادية والسياسية والثقافية، والاجتماعية، والذوق الفني، وإلى عالم فولكلوري موغل في البدائية، يجب أن يكون هناك ليشهد على ضرورة أن يخضع لهم المنتمون إليه، وأن يصبحوا أمامهم مجرد صور تضحكهم وتسلي فضولهم، وهكذا يخلص العروي إلى القول بأن “الثقافة الجديدة البرجوازية –يمكن أن ننعتها بالمستوردة– هي التي تكون الأرضية لظهور الفنون الشعبية كفلكلور، إذا لم تكن من قبل سوى رواسب أثرية خلّفها وراءه مجتمعٌ فقدَ حيويته، لم ينشط من جديد، لم يجر فيه دم الحياة، لم يكسب مغزى مستحدثا إلاّ باندراجه في البنية الجديدة المتولدة عن مساكنة الغرب“.
لاشك أن وجهة النظر هذه التي تقدم نقدا قويا لعناصر التخلف المستشري في البنية الثقافية الفولكلورية البدائية عندنا، سوف تجد معارضين كثيرين خاصة عند أولئك الذين يريدون، باسم البحث عن الهوية في الماضي أو العثور عليها تحت أنقاض محاكاته، إبقاء مواطنينا ومواطناتنا مثبتين في عصور الخرافة، والبهلوانيات، والشعوذة، والشطح غير العقلاني، وبهذا الصدد قال المفكر زكي نجيب محمود في كتابه “تجديد الفكر العربي“: “لا يجوز اليوم للتقاليد أن تكون حكما بين الصواب والخطأ، فالتقليد هو محاكاة الكائن لما كان، ولو جرت هذه المحاكاة لجاء غدنا كأمسنا” ثم يضيف قائلا: “أما ونحن نتحوّل فمحال لغدنا أن يحاكي أمسنا“.
إن موقف زكي محمود متطابق مع موقف فرانز فانون السابق عليه زمانيا: “ليس يكفي أن نلحق بركب الشعب في ذلك الماضي الذي لم يبق له وجود، بل ينبغي أن نلحق بركب الشعب في هذه الحركة المقاتلة التي شرع يقوم بها، والتي ستفضي فجأة إلى إعادة النظر في كل شيء“.
هوامش:
* لاشك أن وجهة النظر هذه التي تقدم نقدا قويا لعناصر التخلف المستشري في البنية الثقافية الفولكلورية البدائية عندنا، سوف تجد معارضين كثيرين خاصة عند أولئك الذين يريدون، باسم البحث عن الهوية في الماضي أو العثور عليها تحت أنقاض محاكاته، إبقاء مواطنينا ومواطناتنا مثبتين في عصور الخرافة، والبهلوانيات، والشعوذة، والشطح غير العقلاني.