-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل هو زمن الإنسان التائه؟

هل هو زمن الإنسان التائه؟

حين نتأمل الواقع الحالي الذي نعيش تفاصيله لحظة بعد لحظة، ندرك أن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاطا بكمّ هائل من الوسائل التي تُفترض أنها خُلقت لتقريب المسافات، غير أنها تحوّلت بطريقة غريبة إلى سد يفصل الفرد عن ذاته، إذ يظهر لنا أن أكبر تناقض في زمننا هذا يكمن في أن العالم أصبح على اتصال كامل بينما يعيش الأفراد حالة متزايدة من الانقطاع الداخلي، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة حين نقارن سخاء التكنولوجيا في توفير القرب مع ضمور القدرة على الشعور بالآخر في الحياة اليومية.

من بين الأمثلة الأكثر وضوحا على هذا الانقطاع ما نراه كل صباح في الحافلات والمقاهي والجامعات وحتى في المساجد كمكان للعبادة، حين يجلس الناس متلاصقين جسديا فيما تسكنهم عزلة رقمية خانقة، إذ يتحرك الإصبع فوق الشاشة بطريقة غريزية بينما تغيب العين عن تفاصيل الوجوه الحقيقية التي تشاركهم المكان، فيتحول الصمت الجماعي إلى جدار غير مرئي يمنع نشوء أبسط أشكال التواصل الإنساني الذي كان في الماضي يحدث تلقائيا من دون مجهود، فيومها كانت الابتسامة العابرة أو السؤال العفوي أو التحية جزءًا من النسيج الاجتماعي.

وفي مثال آخر يمكن ملاحظته في البيوت المعاصرة، نجد أن الكثير من الأسر تعيش حالة من الوحدة المشتركة، إذ يجتمع أفراد العائلة في غرفة واحدة من دون أن يتقاسموا الجوهر الإنساني للحضور، حيث ينشغل كل واحد منهم بعالمه الرقمي الخاص، فيختفي الحوار الذي كان في السابق يشكل جسرا لخلق علاقة متينة، ويظهر نوع من التشتت الداخلي الذي يسحب الأفراد إلى عالم يبدو غنيا بالمعلومات بينما هو فقير في التجارب الحية وفي تطوير العلاقات الاجتماعية.

كما نشاهد في أماكن العمل ظاهرة لا تقل أهمية، وهي أن الموظف يعيش ضغطا غير مرئي ناتج عن المقارنة الدائمة بما يحققه الآخرون، إذ تلتقطه خوارزميات المنصات الرقمية والاجتماعية وتقدّم له صورا مصقولة عن نجاحات زملائه، فيتسلل إليه شعور مبهم بالنقص ويبدأ بمحاسبة نفسه بدرجة قاسية، يصل معها إلى قناعة أن إنجازه لا قيمة له لأنه لا يلمع بما يكفي في الفضاء الرقمي الذي يفرض معاييره على الوعي من دون استئذان، فيتحول العمل من مصدر للكرامة إلى مصدر للقلق، وتغدو المقارنة أشبه بحبل يلتف حول الرقبة النفسية للفرد.

وتزداد الصورة وضوحا حين نراقب سلوك الناس أثناء الأزمات، لأن الإنسان المعاصر حين يواجه مشكلة شخصية أو مالية أو اجتماعية يميل إلى الاحتماء بالشاشة، فيبحث عن كلمات مختصرة ومشاعر جاهزة في تعليقات الآخرين، بينما يبتعد شيئا فشيئا عن دائرة الحوار الحقيقي التي تحتاج وقتا وصبرا وإصغاء، فيختصر ألمه في جملة سريعة ثم يتركها للفضاء الرقمي الذي يبتلعها في ثوان، ويظن أنه تحرر من العبء، غير أن الجرح يبقى مفتوحا في الداخل ينتظر من يعالجه في العمق لا من يمرّ فوقه مرور الكرام.

ومن زاوية سوسيولوجية أعمق يمكن القول إن هذا الانقطاع الداخلي يعكس خللا في البنية الحداثية نفسها، لأن المجتمع الذي يدفع الأفراد إلى الركض الدائم نحو الإنجاز يجعلهم يفقدون القدرة على تذوق الحياة في تفاصيلها البسيطة، حيث يصبح الزمن مجرد جدول متراص من المهام، ويتحوّل الإنسان إلى كائن تشغله قائمة طويلة من الالتزامات التي لا تنتهي، فيبتعد عن ذاته بطريقة تدريجية إلى أن يصبح غريبا عنها، كأنه يرى حياته تعرض في الأسواق للبيع، لا هو بقادر على استردادها أو شرائها.

ولذلك فإن معالجة هذه القضية في مقال فكري موجّه للغير ليست مجرد تمرين نظري، وإنما هي محاولة للفت انتباه الناس إلى حقيقة بسيطة ولكنها تُهمل كثيرا، وهي أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون متصلا بكل شيء، وإنما يحتاج إلى أن يكون متصلا بذاته أولا، لأن اللحظة التي يستعيد فيها الفرد صوته الداخلي هي اللحظة التي يبدأ فيها في فهم العالم من حوله بطريقة أكثر هدوءا ونضجا، ويكتشف أن السعادة ليست في الوفرة وإنما في القدرة على التوقف وتأمل ما يحدث داخل الروح وفي ما يملك من نعم لا تعد ولا تحصى.

إن هذه الجمل التي سطرت في هذا المقال قد لا تغيّر العالم الواسع الذي يمضي نحو مزيد من التعقيد، غير أنه قد تساعد قارئا واحدا على إعادة ترتيب أولوياته، وقد تذكّره بأن الإنسان لا يقاس بقدرته على متابعة كل ما يحدث حوله أو امتلاك كل ما ينقصه، وإنما تذكّره بقدرته على أن يكون حاضرا مع نفسه ومع من يحبهم من دون أن تسمح للأصوات الزائدة بأن تبتلع صمته الداخلي، لأن هذا الصمت هو المساحة التي ينمو فيها الوعي وتستعيد الروح توازنها، ويبدأ العقل في نموه الفلسفي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!