-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل يجب حذف المادة 43 من قانون الوظيف العمومي الجزائري؟

محمد قحش
  • 28556
  • 0
هل يجب حذف المادة 43 من قانون الوظيف العمومي الجزائري؟

تعد الازدواجية الوظيفية من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية البارزة التي ارتبطت بضعف القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الأجور الحقيقية للموظفين. فهي تعكس من جهة سعي الأفراد إلى تحسين أوضاعهم المالية عبر البحث عن مصادر دخل إضافية، لكنها من جهة أخرى تثير إشكالات معقدة أمام الدولة، لاسيما ما يتصل بانتشار الاقتصاد الموازي، وتراجع فعالية السياسات العمومية الرامية إلى ضبط السوق وتعزيز النمو الاقتصادي الرسمي.

يقصد بالازدواجية الوظيفية حالة الجمع بين وظيفتين أو أكثر، حيث يزاول الفرد وظيفة أساسية (غالبا في القطاع الحكومي) إلى جانب نشاط ربحي ثانوي غير مصرح به أو غير مهيكل. أما الاقتصاد الموازي أو ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي، فيشمل مجموع الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج رقابة وإشراف الدولة، سواء من حيث التصريح بالنشاط، أو دفع الضرائب، أو الالتزام بالقوانين المنظمة، وهو ما يمثل في الجزائر ما يقارب 30% من الناتج الداخلي الخام.

تعد العلاقة بين الظاهرتين علاقة جدلية؛ إذ إن غياب الأطر القانونية والتنظيمية يجعل الازدواجية الوظيفية عاملا مغذيا للاقتصاد الموازي، بينما في حال تأطيرها بشكل قانوني ومؤسساتي، يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإدماج هذه الأنشطة ضمن الاقتصاد الرسمي، مما يعزز الشفافية الاقتصادية ويرفع من مردودية السياسات العمومية.

في هذا الإطار، يسعى هذا المقال إلى تحليل الإطار القانوني المنظم لظاهرة الازدواجية الوظيفية في الجزائر، مع التركيز على المادة 43 من قانون الوظيفة العمومية الصادر سنة 2006. كما يهدف إلى إجراء مقارنة بين التجربة الجزائرية وبعض التجارب الدولية، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، في محاولة لاستشراف إمكانية جعل هذه الظاهرة أداة لدعم الاقتصاد الوطني وتقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي.

قدرة الازدواجية الوظيفية على تقليص الاقتصاد الموازي :

تطرح الازدواجية الوظيفية إشكالية مزدوجة بين إمكانية إدماج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية ضمن الإطار القانوني، وبين احتمال تغذية الاقتصاد الموازي إذا ظلت غير مؤطرة. فإذا ما سمح للموظف بممارسة نشاط اقتصادي ثان في إطار قانوني منظم وخاضع للرقابة الضريبية، فإن ذلك قد يساهم في دمج شريحة واسعة من الأنشطة في الاقتصاد الرسمي، ويشجع على ترسيخ ثقافة العمل الحر ضمن منظومة مؤسسية، بدل بقائها في دائرة الممارسات غير المصرح بها. كما يتيح للموظف تحسين وضعه المالي في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ويوفر له نوعا من الاستقلالية المالية، ويحفزه على الإبداع والطموح.

غير أن الواقع يبين أن الكثير من الموظفين يلجأون إلى ممارسة أنشطة موازية خارج الرقابة، مثل التجارة غير الرسمية، تحويل العملات الأجنبية، أو تقديم خدمات النقل والورشات الحرفية. هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى زيادة حجم الاقتصاد غير المهيكل، بل تضعف أيضا من إنتاجية الموظف وتخلق منافسة غير متكافئة مع أصحاب الأنشطة المصرح بها.

وعليه، فإن عدم تأطير الازدواجية الوظيفية قانونيا من شأنه أن يوسع من حجم الاقتصاد الموازي. لذلك، يستحسن وضع إطار قانوني مرن يسمح بممارسة النشاط الثاني لكن بشروط واضحة، منها الخضوع للنظام الضريبي والرقابة الإدارية، مع تقديم حوافز مثل التخفيضات الضريبية، القروض الصغيرة، والتسهيلات الإدارية، من شأن ذلك أن يشجع على التحول التدريجي للأنشطة الموازية نحو الاقتصاد الرسمي.

إن إدماج الازدواجية الوظيفية ضمن سياسة اقتصادية واضحة قد يسهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي، تقليص البطالة المقنعة، وتحسين كفاءة القوى العاملة، إضافة إلى زيادة الإيرادات الضريبية الناتجة عن التصريح بالدخول الإضافية، وهو ما يعزز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة ودعم الاستقرار الاجتماعي.

الإطار القانوني للازدواجية الوظيفية في الجزائر :

بحسب التشريع الجزائري و حسب المادة 43 من القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية رقم 06-03 للعام 2006،  الموظف العمومي (في القطاع العام)، ملزم بتكريس “كامل نشاطه المهني” لأداء مهامه الرسمية، ويمنع من ممارسة أي نشاط ربحي آخر خارج إطار وظيفته، باستثناء بعض الحالات الخاصة التي حددها المشرع، والتي تستوجب الحصول على ترخيص مسبق وموافقة صريحة من السلطة المختصة، وتشمل هذه الأنشطة: التدريس، البحث العلمي، إنتاج أعمال فكرية أو أدبية أو فنية.

أما الجمع بين وظيفتين رسميتين بدوام كامل، سواء داخل نفس القطاع أو في هيئات ومؤسسات مختلفة، فيعتبر ممنوعا منعا باتا. وقد صنف المشرع هذا الفعل ضمن الأخطاء المهنية من الدرجة الرابعة وعقوبته جاءت في المادة 163 من نفس القانون، ينجم عنه عقوبة التنزيل في الرتبة أو التسريح النهائي من المنصب.

الإطار القانوني للازدواجية الوظيفية في الولايات المتحدة الأمريكية :

في الولايات المتحدة الأمريكية، في القطاع العام أي الموظفون الحكوميون والفيدراليون يخضعون لقواعد ” تضارب المصالح” يمنع عليهم ممارسة أي نشاط تجاري أو وظيفة ثانية قد تؤثر على إستقلاليتهم أو قراراتهم كموظفين عموميين، لكن يسمح لهم العمل في وظائف أخرى جزئية خارج أوقات الدوام الحكومي إذا لم تؤثر على ساعات عملهم الحكومية أو تخلق تضارب مصالح مع وموافقة الوكالة (مثل التدريس أو الكتابة أو بعض الأعمال الحرة). أما القطاع الخاص لا يوجد قانون فيدرالي يمنع الجمع بين وظيفتين. كثير من الأمريكيين يعملون في وظيفتين أو أكثر، بعض العقود تمنع الموظف من العمل عند منافسين أو في نشاط قد يؤثر على الأداء، لكنه لا يمنع من العمل لدى صاحب عمل آخر. ويمنع منعا باثا العمل في عمل ثاني بدون تصريح  لسلطة الضرائب و إجبار حتى شركات النقل مثل “أووبر”  وغيرها بالتصريح الكامل لكل السائقين.

الإطار القانوني للازدواجية الوظيفية للإتحاد الأوروبي:

تسمح معظم الدول الأوروبية بالازدواجية الوظيفية، لكن وفق ضوابط قانونية وإجرائية صارمة، حيث تضع قيودا لتنظيمها حتى لا تؤثر على أداء المؤظف في عمله الأساسي، إحترام شروط عقد العمل ومنع تضارب المصالح، ويجب احترام فترات الراحة اليومية والأسبوعية.

ألمانيا مثلا مسموح بها، لكن يجب إبلاغ صاحب العمل الأساسي، يجب ألا تؤثر الوظيفة الثانية على الصحة (الإرهاق الجسدي والنفسي للفرد)، أو على أداء الوظيفة الأساسية ( أي التأثير السلبي على جودة العمل في الوظيفة الأساسية)، أما فرنسا لا تمنع الإزدواجية الوظيفية بشكل مطلق، لكنها تنظمها بصرامة لحماية حقوق العاملين وضمان عدم الإخلال بواجبات الوظيفة الأولى كالمنافسة أو تعارض المصالح و قد تتطلب إذنا من جهة العمل، وهناك العديد من الدول تمنح تخفيضات ضريبية أو إعفاءات جزئية للعمل الإضافي بهدف تشجيع المرونة في سوق العمل.

واقع الازدواجية الوظيفية في الجزائر … المخاطر والفرص:

وحسب الإحصائيات المتوفرة Algeria-Invest-2025 هناك في الواقع ما لا يقل عن 20 إلى 30% من إجمالي 2.1 مليون موظف حكومي في الجزائر يمارسون نشاطات مربحة، خارج أو حتى أثناء وقت الدوام، أي ممارسة تلك النشاطات بشكل مواز وخارج التأطير القانوني وهو الوضع الذي يوسع من رقعة الاقتصاد الموازي. فالفراغ القانوني وغياب الصرامة اللازمة في أجهزة الرقابة أدى إلى الارتياح وعدم الخوف لدى الموظف لممارسة نشاط مربح، كالنقل الحضري أو صالات الحلاقة أو الطبخ أو الفلاحة أو بياعي الأرصفة أو سوق العملة الأجنبية…وغيرها.

وهناك نسبة 20 بالمئة من فئة كبيرة  حوالي 3 ملايين من المتقاعدين في الجزائر، يمارسون نشاطات مربحة أيضا، إلا أن بعض القطاعات الحكومية تصدر تعليمات خاصة تمنعهم من الاستفادة من رخص ممارسة أنشطة فيها بحجة تقاضيهم معاشاتهم، فيلجأون إلى عدم الإفصاح بأعمالهم لمصلحة الضرائب أو فتح سجلات تجارية.

إلى جانب الآلاف من الطلبة في جميع الأطوار التعليمية يدفعون اموالا طائلة للدروس الخصوصية للأساتذة غير مصرح بها في مصالح الضرائب وقد تكون اموالا تستفيد بها الخزينة العمومية.

لذلك فإن السماح “بازدواجية الوظيفة” وإلغاء أو تعديل المادة 43 من قانون الوظيفة العمومية سيدعم الاقتصاد الوطني بقوة، ويسهم في تقليص أو القضاء على الاقتصاد الموازي، الذي يثقل كاهل الدولة، ويكلف الحكومة خسائر طائلة، ويحرم الخزينة العمومية للدولة من مداخيل جبائية كبيرة كان من الممكن أن تجنيها،  والذي يصل حجمة حاليا إلى قرابة 60 إلى 70% من إجمالي الاقتصاد، بأكثر من 60 مليار دولار، أي نحو 30% من الناتج الداخلي الخام. فرؤوس الأموال المتدفقة من الإقتصاد الموازي يمكن أن يساهم في دفع عجلة الاستثمار الوطني.

فتنظيم “الإزدواجية الوظيفة” وضبطها بشروط واجراءات حتى لا تجعل منها ممارسات تخل بالسير الحسن للوظيفة الأصلية، أي يجب ألا تؤثر الوظيفة الثانية سلبا  على العمل الأساسي الأول، خاصة ، ألا تكون الوظيفة الثانية عند منافس مباشر أو تشكل انتهاكا لشرط السرية، ووجوب  حصول الموظف على إذن وموافقة رسمية من الإدارة التي يعمل بها، وأن يكون النشاط الثاني خارج وقت الدوام الرسمي وخارج نطاق مكان العمل، وأن لا يسمح له باستعمال أي من الممتلكات الحكومية في أداء ذلك النشاط، وألا يؤثر النشاط الثاني على واجبات وقدرات الموظف في نطاق عمله الأصلي، وأن لا يرتبط النشاط الثاني بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمهامه المكلف بها في الإدارة العمومية التي ينتمي إليها، و أن لا تكون طبيعة النشاط الثاني ذات علاقة تجارية أو مالية مع الإدارة العمومية التي يشتغل بها، أي بصورة عامة أن لا تتعارض المصالح بين الوظفتين، و قد يستثنى منه المسؤولين و المدراء في القطاع العام.

يجب أن تلتزم بالقوانين المتعلقة بالحد الأدنى للراحة بين ساعات العمل، ودفع الضرائب عن كل دخل تحصل عليه.

إصلاح المادة 43 في الجزائر:

إن إبقاء المنع المطلق للإزدواجية الوظيفية يؤدي عمليا إلى توسع الاقتصاد الموازي وخسائر جبائية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويا. ومن ثمة، يقترح حذف أو  تعديل المادة 43 من قانون الوظيف العمومي لتصبح أكثر مرونة، على أن تقرن بضوابط قانونية وأخلاقية،  وتمثل خطوة استراتيجية لإدماج شريحة واسعة من الأنشطة الموازية في الاقتصاد الرسمي، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار قانوني متوازن يضمن حقوق الموظف ويحمي المصلحة العامة. فالتجارب الدولية تثبت أن السماح بازدواجية مقننة يساهم في تحقيق مكاسب مزدوجة: تحسين الوضع الاجتماعي للموظف وتعزيز الإيرادات العمومية، وهو ما تحتاجه الجزائر لتقليص حجم اقتصادها الموازي الذي يثقل كاهل الدولة ويعيق التنمية المستدامة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!