-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل يفعلها ترامب؟

حسين لقرع
  • 225
  • 0
هل يفعلها ترامب؟

لنجاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حينما يقول إنّه يستطيع احتلال جزيرة “خرج” الإيرانية بـ”سهولة شديدة” والاستيلاء على 90 بالمائة من نفطها، فاحتلالُ الجزيرة الصغيرة يمكن أن يحدث لاسيما إذا سبق الغزو البري قصف جوّي مركّز للدفاعات الإيرانية بالجزيرة والساحل الإيراني.

لكنّ السؤال الأهمّ بعد ذلك هو: هل يستطيع الجنودُ الأمريكيون البقاء في الجزيرة وكأنهم في نزهة سياحية وتأمين تدفّق النفط الإيراني مجانا على أمريكا كما يحدث في فنزويلا منذ خطف رئيسها مادورو في 3 جانفي 2026 إلى الآن؟

إذا اعتقد ترامب ذلك، فهو يسطّح الأشياء ويبسّطها ويفكّر بشكل غير واقعي وغير منطقي، أمّا أيّ محلل موضوعي ومنصف في هذا العالم، فلا يمكن أن يقول ذلك؛ إذ يمكن للجنود الأمريكيين احتلالُ الجزيرة في ظرف قصير كما فعلوا من قبل في أفغانستان والعراق لكنّهم لم يستطيعوا إخضاعهما وانسحبوا منها مذمومين مدحورين في نهاية المطاف، وذلك ما سيحدث في جزيرة “خرج” حتما إذا لم تتّعظ أمريكا من دروسها السابقة وقامت باحتلالها. لقد احتلّت أفغانستان في أكتوبر 2001 بعد ثلاثة أسابيع فقط من القصف الجوي الجهنمي، والعراق في أوائل 2003 بعد ثلاثة أسابيع أيضا من القصف الجوي، لكنّ جنودها واجهوا الجحيم بعدها في كلا البلدين، وفقد الآلافُ منهم أرواحهم هناك، وأقعِد عشراتُ الآلاف وباتوا ينتقلون على كراس متحركة إلى اليوم، وخسرت أمريكا نحو 6 آلاف مليار دولار، وانسحبت ذليلة مهزومة من العراق في 2011 ومن أفغانستان في 2021، وتشكّلت في العراق اليوم فصائل مسلحة متحالفة مع إيران تقصف القواعد الأمريكية في بلدها يوميا وتسوم الجنود الأمريكيين هناك سوء العذاب، وعادت طالبان إلى الحكم في أفغانستان بعد كسر شوكة الأمريكيين وإجبارهم على الانسحاب من دون قيد أو شرط، فماذا ربحت القوة الأعظم في العالم غير خسارة أرواح جنودها وأموالها وهيبتها العالمية؟

لذلك لا يراودنا أدنى شكّ في أنّ أمريكا ستواجه المصير ذاته، بل أشدّ منه وأنكى، في جزيرة “خرج” الإيرانية إذا تهوّر ترامب وأمر بغزوها فعلا، فستستدرجه إيران وتتركه يحتلّها بـ”سهولة شديدة” كما يتخيّل، ولكنّ الجحيم سيبدأ بعدها بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي ستتهاطل على الجزيرة التي لا تبعد عن البرّ الإيراني سوى بـ26 كيلومترا فقط، فالجغرافيا هنا تخدم إيران وليس الاحتلال الأمريكي.. إذا كان الجنودُ الأمريكيون في قواعد الخليج يهربون ويختبئون من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية في الفنادق وربّما في أماكن أخرى توفّرها لهم الإمارات ودولٌ أخرى، فأين يمكن أن يختبئ هؤلاء في جزيرة “خرج” الصغيرة؟

إذا كانت أمريكا قد أحجمت عن إرسال سفنها الحربية إلى مضيق هرمز لفتحه بالقوة، لأنها تعلم يقينا أنّ الزوارق السريعة والصواريخ والمسيّرات الإيرانية ستغرقها حتما، وليس لها أيّ أمل في ربح المعركة، فكيف سيربح جنودها معركة جزيرة “خرج” وهم في مرمى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية ليلا نهارا؟ وكيف يستطيع هؤلاء تأمين إخراج ناقلات النفط الأمريكية وهي معبّأة بالنفط الإيراني المسروق من الجزيرة، ومن أين ستمر؟

في المحصّلة، لا نعتقد أنّ أمريكا تستطيع الحصول على قطرة نفط إيرانية مجانا كما تفعل في فنزويلا، نعم.. تستطيع إحراق حقولها ومنشآتها النفطية، فلديها قوة جوية جبّارة قادرة على فعل ذلك انتقاما لهزيمتها في الميدان، وحقدا على إيران التي صمدت أزيد من شهر في الحرب غير المتكافئة ومنعتها من تحقيق أهدافها، ورفضت الاستسلام لاملاءاتها، وأطلقت 6 آلاف صاروخ ومسيّرة على قواعدها في المنطقة وعلى الكيان في فلسطين المحتلة، ووسّعت دائرة الحرب، وأغلقت مضيق هرمز، وألهبت أسعار الطاقة في العالم… لكن أمريكا لن تحصل على قطرة نفط واحدة من الجزيرة. كما نعتقد أنه لا أحد من هؤلاء الجنود سينجو بحياته أو يستطيع الفرار، وستحدث هزيمة عسكرية ماحقة للولايات المتحدة تفوق في أثرها هزيمتها المنكرة في فيتنام في السبعينيات من القرن الماضي، وتؤدّي إلى تراجع نفوذها بشكل كبير في العالم. وقد علّمنا التاريخُ أنّ الإمبراطوريات الكبرى تنهار حينما يمتلك الغرور والعجرفة وجنون العظمة أباطرتها فيستهينون بقدرات خصومهم ويعتقدون أنهم يستطيعون أن يفعلوا في العالم ما يشاؤون ويسيطروا عليه بالقوّة، فيتخذون قرارات متهوّرة تُفضي في النهاية إلى سقوط إمبراطورياتهم، ويكون السقوط مدويا وتاريخيا يُدرّس للأجيال قرونا طويلة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!