هل يكفي اعتراف الحكومة باختلالات الاقتصاد الوطني؟
ينتظر أن يرد الوزير الأول، اليوم، على ملاحظات أعضاء مجلس الأمة بخصوص مخطط عمل الحكومة. ويتوقع أن يؤكد المسؤول التنفيذي الأول للبلاد ما قاله تحت قبة البرلمان في رده على مناقشات النواب الإثنين الماضي.
-
-
وكان السيد الوزير الأول ـ بتلك المناسبة ـ أبدى عزم حكومته على خفض فاتورة الاستيراد التي بلغت العام المنصرم رقما قياسيا قدر بأربعين مليار دولار. وفي نفس السياق أشار الى جملة من الاختلالات تميز الأداء الاقتصادي للدولة مما يعني اعترافا بأخطاء في تسيير الشأن التنموي للبلاد هي التي ساهمت في الاختلالات المذكورة. فماهي تلك الأخطاء التي حالت دون أن تتمكن الجزائر من تحقيق نتائج في مستوى إمكاناتها؟ وكيف تسربت مثل تلك الأخطاء الى الممارسة الاقتصادية للدولة وبعضها طال حتى مستوى القرار؟
-
-
ضبابية النموذج الاقتصادي
-
-
منذ العام 1982 تاريخ بداية تفكيك المؤسسات الوطنية بدأ الاقتصاد الجزائري رحلة البحث عن نموذج ملائم للتنمية خلفا لنموذج الصناعات المصنعة المبني على الاستثمارات الكبرى للدولة. وعلى خلفية الأزمة التي أصابت عمق مالية الدولة العام 1986 بسبب انهيار أسعار النفط تبنّت البلاد آلية السوق دون توضيح لماهية النموذج الاقتصادي الجديد. وبدل التفكير في أساسيات الفكرة الاقتصادية التي عليها توجيه السياسات ومن ثمة البرامج، غرقت الحكومات المتعاقبة في إدارة سوق غير ناضجة لاستيعاب أبجديات الليبرالية بسبب غياب الشروط المواتية لهذا النمط من الأسواق وعلى رأس تلك الشروط جاهزية القطاع الخاص ونضج السوق المالية وتوفر الرؤية الاقتصادية لمجالات التنافسية. ومن هناك بدأ التراكم في تناقضات الاقتصاد الوطني بين إكراهات “إقتصاد السوق” من جهة والتدخل الواسع الذي مازالت الحكومة تمارسه من خلال الموازنة العامة. والنتيجة: اختيارات اقتصادية غير محسومة، نشاطات محتكرة، مؤسسات عائلية تائهة بين فرص النشاط، شفافية ناقصة في المعلومات، مركزية بيروقراطية ثقيلة وسوق تتداخل فيها بعض عناصر المدرسة “الكينزية” ممثلة في الإنفاق الحكومي وبعض ملامح “الليبرالية” ممثلة في “إقتصاد سوق” محتشم يشبهه البعض باقتصاد “البازار”. ولهذا برزت على السطح تساؤلات مشروعة عن ماهية الفكرة التي تقود اقتصاد البلد، وهل هي فكرة مدروسة تستند الى أساسيات نظرية، أم أن الأمر لا يتعدى تدابير تنفيذية الغرض منها الاستجابة لخطاب سياسي محدد.
-
هذه الضبابية في تعريف نموذج النمو بفرضياته المناسبة لواقع اجتماعي وثقافي محدد هي نفسها العامل الذي مازال يقلل من جدوى المبادرة وانسياب رأس المال المنتج ومازال أيضا يحد من ميل المتعامل الاقتصادي إلى المخاطرة في اقتصاد يتسم باختيارات مترددة وتشريعات اقتصادية غير مستقرة.
-
-
فضيلة الاعتراف بالخطإ
-
-
يحق لكل مستهلك أو منتج ولكل عون اقتصادي ـ وطنيا كان أو أجنبيا ـ أن يرفع شكواه من اختلالات يلاحظها في مجال إدارة الثروة وممارسة النشاط، وحق كهذا لا يلزمه بالضرورة أن يغير شيئا من الواقع في ظل نظام اجتماعي وسياسي يتصف بديمقراطية اقتصادية ناشئة. ولكن عندما تقتنع الحكومة بأخطاء تكون قد ارتكبت في حق التنمية الوطنية فلا مجال أمامها إذن سوى معالجة الخلل ليس كتدبير أخلاقي بحكم “المسؤولية” ولكن كإجراء فني يحقق النجاعة.
-
وهكذا وعندما تعترف الحكومة بضخامة فاتورة الواردات وتعد بالحد منها فعليها، إذن الكشف عن المستفيد الأول من تعطيل المنتوج الوطني وتوجيه السوق نحو الاستيراد على حساب مخزون البلاد من النقد الأجنبي وعليها أيضا أن تكشف عن التدابير التي ستتخذها لتحقيق ذلك وعن النسبة المستهدف تخفيضها في الآجال المحددة. وعندما تدعو الحكومة رأس المال الوطني لمنافسة الشركات الأجنبية في مجالات النشاط عليها إذن الحسم في ملف الاستراتيجية الصناعية وتأهيل الشركات الوطنية على سلم المنافسة. وعندما تأمر الحكومة البنوك بوقف خطوط القرض لتموين الاستهلاك، عليها إذن أن تبرر مثل هذا الأمر في سياق مراجعة سياسة الدولة في تحديد مفهوم “البنك”. وعندما تدعو الحكومة القطاعات المختلفة الى ضبط ميزانياتها على سلم التقشف في الصرف وأولوية المشاريع فإن عليها إذن وضع حد لصيغ التحايل في إدارة الميزانية ومراجعة نظام المحاسبة ساري التطبيق. وعندما تلمح الحكومة الى إمكانية مراجعة قانون في مستوى “قانون النقد والقرض” مرة أخرى في فترة زمنية لم تتعد 6 سنوات، فإن عليها إذن استكمال مراجعة منظوماتنا التشريعية لتطال الفساد والغش والاختلاس وهدر المال العام. وعندما تنتقد الحكومة إقتصاد “البازار” عليها أيضا التمييز بين شركات الاستيراد وشركات الإنتاج على سلم المزايا بل وعليها إطلاق حواجز إدارية مدروسة حتى لا تتحول حدود البلاد إلى بوابات لكل منتوجات الدنيا بدءاً من أفخم أنواع السيارات الى أبسط ماركات الدواء الى قطع الغيار المقلدة الى شرائح الهاتف المحمول الى لعب الأطفال الى أقلام الرصاص. وعندما تعترض الحكومة على ملاحظات الخبراء بشأن نتائج الاقتصاد الوطني، عليها إذن تأسيس نظام حر وتنافسي للمعلومة الاقتصادية تتعاون فيه الهيئات العمومية مع مؤسسات القطاع الخاص بمستوى الشراكة، حينها فقط يمكننا الحيث عن إحصائيات دقيقة وعملية.
-
وهكذا، وعندما تجمع الوقائع على أن اختلالات كثيرة ترهق منظومتنا الاقتصادية يكون مطلوبا من الجميع تحمل مسؤوليته في إعادة تشكيل البناء التنفيذي والقانوني بمعيار الشفافية والمساءلة والمحاسبة وجودة الأداء قبل رسم الأهداف التي تبدو دائما لامعة وكبيرة.