هل الدستور.. من أسرار الدولة؟!
جرى العرف والممارسة السوية في أي عملية تغييرية بإشراك الجميع بدون استثناء لأي مدونة تهتم بالشأن العام، حتى نضمن لها على الأقل النجاح والاستمرارية والقبول.
ويبدو أن هذه القاعدة غير سارية المفعول بالجزائر، فيومياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأحياناً عبر مراسلات يُطلب مني رأيي القانوني في الدستور، والاستشارة، وطبيعة الدستور المرتقب وعادةً ما أجيب بالنفي، لعدم علمي أصلاً بالوثيقة، أو المقترحات، فالبعض قد يفسرها هروباً من تحمل المسؤولية، والبعض الآخر متفهّم.. وهلمّ جرّاً!
لذلك المنطق القانوني والعقلانية، أو بالأحرى حب الوطن، يقتضي إصدار المشروع، وجعله منتشراً في أوسع نطاق، وعدم حصره على لجنة تقنية غير معروفة الهوية، أو المرمى والهدف أو جعله من أسرار الدولة، أو من المفاجآت الكبرى فكل هذه الاحتمالات غير خادمة للدستور، بل تجعل منه دستور أزمة، وليست دستور الاستقرار، فكل الدساتير التي نشأت على طريقة الكتمان والسرعة كان مآلها الفشل وعدم الاستمرارية.. ولذلك معذرة لكل هؤلاء، فالحكم على شيء قبل ولادته، يجافي المنطق، ولذلك فليتفهم الجميع هذه النقطة.
والعجيب أن أحزابنا تحاول أن تتكهن وتنصح، وتتفقه في المجال الدستوري، أي أن تخلق الحدث، علماً أنها للأسف بعيدة كل البعد عن الحدث..
فالدستور أو الوثيقة الدستورية لا تبنى بالسرية، أو بتطبيق المشورة، أو التكهنات، أو هذه تربح وهذه تخسر، بقدر ما تبنى على الرزانة والملموس، وتوسيع المشورة والاحتكام لأهل الاختصاص..
ولكن يبدو أننا سنكرر نفس تجارب 1963، 1989، والتعديلات المتعاقبة، وليعلم الجميع أن عدم الاستقرار الدستوري بالجزائر، ليس مؤشراً على الثراء والتنوع الفقهي، بقدر ما هو مؤشر على عدم الاستقرار المؤسساتي، فتغيير الدستور حسب غياب الأشخاص ومقاسهم، وليس حسب رغبات المجتمع وطموحاته، وإنني قد لا أجافي الحقيقة، أو أشوه المعطيات بقدر ما هي قرائن متواجدة عبر مختلف الدساتير المتعاقبة..
فالدستور ليس من أسرار الدولة، بقدر ما هو وثيقة توافقية تحتاج للجميع بمختلف مساراتهم وألوانهم وانتماءاتهم..
كما أن الدستور ليس صناعة نخبة أو لجنة، بقدر ما هو نتاج لآمال وآلام مجتمع معين، لكن، يبدو أن هذه المعادلة لم تفهم بعد من طرف “الأوصياء” على النحو الصحيح، بل اعتبروا أن الجزائري غير راشد بعد لصناعة دستور يليق بتحديات القرن الحادي والعشرين، فمعذرة للعديد على إلتزام الصمت، وما نريد إلا الإصلاح ولما يزيد نسميه بوزيد.