-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

والصلح خير

والصلح خير

يقرّ القرآن الكريم، على أن لا نافع بعد الاقتتال أو الخصام أو الفتنة سوى الصلح، فهو الخير، حتى ولو أدى الخصام في بدايته إلى سقوط أرواح، لأن إعادة الميت إلى الحياة مستحيلة، وطول عمر الخصام، قد يؤدي إلى سقوط مزيدٍ من القتلى ومزيد من الشقاق، لأجل ذلك جاءت زيارة الوفد الشعبي بقيادة الأعيان؛ الممثل الحقيقي لأبناء الأربعاء ناث إيراثن في ولاية تيزي وزو، إلى عائلة الشهيد جمال، كمبادرة راقية سيشهد التاريخُ لها كما شهد على الجريمة النكراء، فبقدر ما تجرّع الناس الألم والغضب لهول الجريمة المقترَفة في حق جمال، بقدر ما بعث فيهم والد جمال، الأمل، وهو يستقبل الخيّرين من أبناء ناث إيراثن.

المشكلة في الجزائر هي أنّ أهل الشرّ تجرّأوا فيها، وتحدّوا الخيّرين قبل أن يتحدوا الدولة والقانون، وقد تكون جريمة قتل جمال التنكيل بجثمانه وحرقه آخرَ حلقة من الجرائم العلنية المقترَفة في الجزائر.

لقد تعوّد الناس في الغالب أن يكتشفوا الجرائم السرية بعد حين، وتبذل مصالح الأمن جهدا كبيرا لتوقيف المجرمين، ولكننا هذه المرة تابعنا جريمة على المباشر، شارك فيها العشرات من الذين كانوا يتفنَّنون في الجرم وكأنهم في عرض مسرحي، ويتبخترون في مشيتهم وفي حرقهم للشهيد جمال، ويجدون دعما علنيا من رفاقهم، وآخر من صمت “الخيّرين”، الذين يتحمَّلون جزءا ولو صغيرا من المسؤولية. والمؤسف أن الجهر بالجريمة صار أمرا شائعا في الكثير من المجالات، خاصة في الفساد المالي، إلى درجة أن برلمانيين كانوا يفتخرون بكونهم اشتروا مقاعدهم بأموالِهم، وليس بتزكية الناخبين، أمام صمت الناس، ثم انتشرت “الجائحة” إلى أن عيّشتنا هذه المصيبة بتفاصيلها المرّة.

تؤكد كل التقاليد والأعراف النابعة من عمق الجزائر على طيبة هذا الشعب وروحه الاجتماعية وميله الشديد نحو السلم والصلح، ونتأكد في كل جريمة بأن الشر مثل الفيروسات المجهرية القادمة من بعيد، في محاولة منها للعيش على حساب الخلايا الحميدة، فقد عاش سكان جرجرة كما عاش سكان الأوراس منذ مئات السنين على تغليب الحكمة في أيِّ فتنةٍ تندلع، وكانوا يدفنوها برجالاتهم وحكمائهم، ولم تشهد المنطقة أبدا معارك الانتقام والثأر كما هو الحال في الكثير من المجتمعات في المشرق وفي أوروبا، وما قام به وفد ناث إيراثن ودفعهم للدية المعنوية قبل المادية، وقبول أهل الضحية جمال لخطوة طالبي الصلح، يؤكد البذرة الخيّرة في قلب كل جزائري والتي كانت آخر قطرة أطفأت فتنة كانت شرارتها قد اندلعت.

يحلم الجزائريون في أن تتحوّل نار جرجرة إلى نور، فيدخل المجرمون إلى جحورهم ولا يخرجون، ويبكم عرّابو الفتنة ولا ينطقون، وينتصر أهل الخير في كل مكان، وتصبح لهم الكلمة العليا بعد القانون، وبإمكان الأربعاء ناث إيراثن أن تصبح رمزا للحرية والسلم كما حال مدينة هيروشيما حاليا، لأن ثورات السعادة والحب والفرح، تولد دائما من رحم الأحزان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!