وجها لوجه مع البدايات
فور مغادرة الطائرة للأراضي الفرنسية ودخولها فضاء بحر المانش الذي يسمى أيضا بالقنال الانكليزي صرت أحدَق من النافذة بتركيز شديد، وما هي إلا دقائق معدودة فإذا بي أرى صفوف المنازل ذات القرميد الغارق في الاحمرار هنا وهناك وإذا بأجنحة تلك الطائرة تتفتح وتمعن في الانفتاح، ومن ثم شرعت في النزول رويدا رويدا.
فركت يدي ونظرت خلفي بطريقة لاشعورية لأتأكد أنني قد تركت ورائي قيود النظام الحاكم في الجزائر، وأنه لن يكون بمقدور العقيد مصطفى بن عودة وأمانته الدائمة بحزب جبهة التحرير الوطني، وأعوان المخابرات الجزائرية ملاحقتي وإلحاق الضرر المادي أو النفسي بي مرَة أخرى، ولكن هذا الاطمئنان النيئ سرعان ما سقط عليه وابل من الرماد عندما تذكرت أن الدخول إلى بريطانيا ليس في قبضة يدي بعد كما أنه ليس سهلا أبدا. هنا اقشعر بدني كله وبدأت اتنفس بعمق حينا وبشكل متقطع أحيانا أخرى، وأفكر مليَا في إمكانية أن يعيدني أعوان شرطة الحدود بالمطار البريطاني إلى الجزائر إذا لم أعجبهم، أو إذا لاحظوا شيئا ما يبعث على الريبة في سلوكي أثناء إجراء التحقيق الاعتيادي الذي يجرى عادة مع أغلب المسافرين في مطارات العالم. حاولت مرارا أن أرسم ملامح الحظ السعيد بدلا من الاستغراق في سديم المخاوف. نزلت الطائرة بهدوء على أرضية المطار ومن جوفها خرجنا جميعا وسرنا زرافات ووحدانا نحو بوابات الجمارك وإذا بنا أمام لحظة الحقيقة. جاء دوري لأقدم جواز سفري وكان حظي أن يعالج أمري شرطي كان يبدو لي وسيما وصارما. ونحن وجها لوجه سألني عن غايتي من زيارة لندن /بريطانيا وبإنكليزية مرتبكة ولكن برباطة جأش قلت له بأنني مولع بالشعر الرومانتيكي الانكليزي وبمسرح شكسبير وأريد أن أزور منطقة البحيرات بشمال انكلترا لأتعرف على المنزل الذي ولد وترعرع فيه الشاعر وليام ووردزورث وذلك بقرية كوكرماوث. ابتسم لي ثمُ حدق في صورتي المثبتة في جواز سفري ومن ثم في وجهي وفهمت أنه بصدد إجراء مقارنة بين الصورة وبين الحقيقة. اغتنمت الفرصة ورحت أقرأ بصوت مترنم على مسامعه مقطعا من قصيدة هذا الشاعر العبقري وهي التي القصيدة التي تعلمتها على أيدي معلمتي الانكليزية التي درست على يديها بالمعهد البريطاني بالجزائر العاصمة في عامي1981 و1982 مبادئ لغة الإمبراطورية التي كانت الشمس لاتغرب عنها. أورد الآن الترجمة العربية لهذا المقطع الشعري الجميل والمترع بالحكمة والشهير في تقاليد الشعر العالمي وخاصة في العالم الغربي:
حينما أبصر في السماء قوس قزح
يقفز قلبي.
هكذا كانت الأمور عندما بدأت حياتي
وهكذا هي الآن وأنا رجل
وهكذا تكون عندما أكبر،
أو دعني أموت!
إنَ الطفل هو أبو الانسان…
حرك ذلك الشرطي يديه على نحو مسرحي وقال لي بصوت واثق: ” أهلا بك فأنت جئت من بلاد بومدين”، وكان يعني بطبيعة الحال الرئيس الراحل هواري بومدين. أحسست بالفخر أنه كان لي في يوم من الايام رئيس يعرفه ويذكره الآن أبناء الغرب، ومن جهة أخرى فرحت كثيرا عندما سلم لي جواز سفري ومن ثم َأشار لي بالدخول إلى أرض انكلترا. في تلك اللحظات التي تبدأ فيه حظوظ جديدة تشع كنجوم قطبية في أفق الحياة أسرعت الخطى باتجاه الفضاء لأستنشق أكسجين السعادة واخرج من مسام جلدي الخوف والتعب والآلام وخيبات الاستقلال.
عندما غادرت أروقة مطار هيثرو الشهير لأتجه إلى وسط مدينة لندن التي تبعد عنه بأربعين كلم تقريبا ركبت قطار الأنفاق ذي الخصوصية الانكليزية، ورحت أحدق في وجوه الناس الغرباء الآتين من أصقاع المعمورة.لقد استطعت أن أميز بين هؤلاء وبين البريطانيين وغيرهم من أبناء أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية عن طريق تأمل الفروق في لون البشرة ونطق كلمات اللغة الانكليزية وبعض السمات الجسدية الأخرى.شعرت ببرودة الوحدة تعصف بأشجاري الطرية وتكتسح كريات دمي خاصة وأنني لم أكن أعرف أي واحد منهم ولم يكن أحدهم يعرفني أو يعرف شيئا عن حياتي، وفي تلك اللحظات أدركت أن أكثر من عشرين عاما التي كرستها لكتابة الشعر والمقالات ذات الطابع الأدبي والصحفي باللغة العربية لم تعد تنفعني هنا ولم تبن لي جسورا تصلني بأحد في هذه الجزيرة التي تحيط بها البحار والمحيطات والغيوم من كل جهة. في الجزائر كنا نطمئن أنفسنا على مدى سنوات طويلة أن العالمية الأدبية تبدأ من قرانا ولكن الحقيقة هي ليست كذلك مئة بالمئة وتماما حيث أن الآخر في الجغرافيا الكونية هو الذي يصوغ بمعيتنا ملامح هذه العالمية ثمَ نشترك معا في منحها مبرر وجودها فينا وفيه معا. إنه صحيح أن البدايات تقتضي أن تبدأ من بخار أرضك ومن شهيق جبال طفولتك، ولكن تلك البدايات وتلك الجبال ستبقى منعزلة ومنكمشة بداخل حدود الوطن إذا لم يكن هناك جسر ما يصلها ويوصلها ببخار أراضي الشعوب الأخرى وبسلاسل التواريخ الأخرى، سواء كانت مفردة أو كانت تنتمي لعنقود من الجماعات البشرية في هذه الحضارة أو في تلك الحضارة الأخرى. إن الشاعر الإنجليزي الأصل والأمريكي الجنسية توماس سترنز إليوت يقول في قصيدته “كوكر الشرقية”: “في بداية نهايتي. في تتابع تقوم البيوت وتسقط، وتتهاوى، وتوسّع، وتنقّل، وتقوض، وترمم، أو يحل مكانها حقل مكشوف، أو مصنع، أو طريق عام”. وفي نفس القصيدة يقول إليوت مرة أخرى وهو يقلَب الزمن والوجود البشري : “في نهاية بدايتي. يتساقط الآن عبر الحقل المكشوف، تاركا الزقاق العميق المسيج بالأغصان مظلما عند العصر، حيث تستند إلى حافة ريثما تمر عربة، ويُصرّ الزقاق العميق على اتجاه القرية المنوَمة في الحرَ الكهربائي. أنا هنا أو هناك، أو في مكان آخر. في بدايتي”.
إن قضية البدايات كما يقول إدوارد سعيد لا تقوم هنا أو هناك منفردة ومنعزلة، بل فإنها مرتبطة بالكل المعقد أي بالعلاقات المتشابكة. وهكذا فإن بدايتي الجديدة في بريطانيا التي هي ملجئي ومنفاي لن يكون لها معنى إذا لم تكن المنطلقالجديدلي، والدرب الذي أسير فيه باتجاه تاريخ بلادي، وحاضرها ومستقبلها. من هنا أبدأ الرحلة إلى نفسي وإليها، وأفتح الباب لسردياتهما الصغرى والكبرى.