وزراء في فمّ المدفع!
انقسم هذه الأيام، الوزراء، إلى ثلاثة أنواع: نوع ضاعف من سرعة العمل والظهور، ونوع آخر يبحث عن من يخرجه من عنق الزجاجة بسبب غرق قطاعه في الاحتجاجات، ونوع ثالث من أعضاء الحكومة، يكاد يكون حضورهم كغيابهم وتحرّكهم كسكونهم، وفي أحسن الأحوال فإن مشيتهم من مشية السلحفاة في مرتفع بالطريق السيّار، ولذلك فهم في فمّ المدفع!
الحكومة التي “طردت” أو سرّحت بإحسان قبل نحو الستة أشهر بلخادم وأويحيى والعديد من الوزراء “العمداء”، لفتت انتباه الرأي العام والمراقبين والسياسيين، فالوزير الأول الذي قال: “نحن رجال ميدان وليس مكاتب”، نجحت في اتخاذ “قرارات حاسمة” حتى في غياب رئيس الجمهورية، وهو ما لم يحدث تقريبا مع الحكومات السابقة التي كانت متهمة حتى من طرف أعضائها بأنها جامدة وراكدة ولا تصنع القرار!
في قراءة متأنـّية لنشاطات وتصريحات و”قرارات” حكومة عبد المالك سلال، يتضح أن هذا الأخير استفاد بالفعل من “صلاحيات واسعة” كوزير أول، تمكـّن من خلالها من النزول إلى الميدان في زيارات عمل وتفقد وتفتيش، في سيناريو لم يكن متاحا لمن سبقه على رأس “حكومات الرئيس” المتعاقبة!
قرار إلغاء الفوائد على قروض “لونساج” و”الكناك”، المُعلن على لسان سلال، أكسب الحكومة “تضامنا شبابيا”، حتى وإن كان برأي سياسيين منافسين قرارا سياسيا بأهداف شعبوية، لكن هذا التسييس لا يهمّ آلاف المستفيدين من مشاريع تشغيل الشباب، طالما أنه في خدمتهم ولفائدتهم !
نعم، هناك وزراء يُسيلون هذه الأيام بالعرق البارد، ومنهم من “شيان” وفقد الكيلوغرامات من وزنه، نتيجة ضغط مهمة ورهان “إتمام المشاريع” وإنقاذ البرامج المعطلة والمنوّمة، بينما هناك من أصحاب المعالي وكأنه غير معني باختبار الحكومة التي تدفع له أجره الشهري!
ليس خافيا أن بعض القطاعات الوزارية غرقت في لعبة الوعود المؤجلة، وهي بذلك تتسبّب مباشرة في فرملة برامج ومشاريع تابعة من حيث التسيير لوزارات أخرى، وهنا ينبغي الإشارة كذلك، إلى أن وزراء يشتكون من ولاة تحوّلوا إلى “دودانات” في طريق تسريع وتيرة الإنجاز وتحرير الاستثمارات ومنهم من أصبح مبررا للاحتجاجات واليأس!
مرض آخر لا يقلّ خطورة، من حيث العدوى وسرعة الانتشار، هو “تبعية” بعض الوزراء لحاشيتهم سواء داخل الوزارة أو خارجها، وتبعية بعض الوزراء لأحزابهم ومقايضة قيادتهم، وهذه مصيبة أخرى تربط الأداء الوزاري بسلاسل الحسابات التي لا علاقة لها بفنون تسيير الأزمات والإبداع في اختراع الحلول والبدائل الجاهزة شريطة أن لا تكون “فاست فود” يُتخم آكله!
من البديهي أن يجلب الاستوزار لصاحبه المتاعب والمصاعب والمصائب، ومن الطبيعي أن يسيل لـُعاب هؤلاء وأولئك على حقائب الوزارات كلما عاد الحديث عن تعديل حكومي، لكن غير الصحّي هو أن يعتقد البعض من المستوزرين أو الراغبين والطامعين في الاستوزار، بأن الحقيبة الوزارية هي أحيانا وسيلة تبرر الغاية، وأحيانا أخرى غاية تبرّر الوسيلة!
من الضروري فتح دفاتر كلّ المتعاقبين والمتداولين على الحقائب الوزارية، ليس بهدف الانتقام وتصفية حسابات قديمة وأخرى جديدة، ولكن لملء كشوف النقاط، ومن أجل الجزاء والحساب والعقاب والمكافأة، علما أن هناك وزراء ورثوا من سابقيهم قطاعات مفلسة وخايبة و”رايبة”، فيما وزراء آخرون ورثوها “طايبة” فكان الحصاد وفيرا!