-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وسائل التواصل الاجتماعي: حرية تعبير أم وسائل تدمير؟

وسائل التواصل الاجتماعي: حرية تعبير أم وسائل تدمير؟

إنّ التّطور المذهل الذي عرفته البشرية خلال الأربعين سنة الماضية في ميدان تكنولوجيا الاتصال يستدعي منّا وقفة تقييمية في ظل الواقع المعيشي اليوم، واستغلال هذا التطور المعرفي في التنمية والتطوير والتحديث كما هو في الهدم والترهيل والاستيلاء والإفساد.

هذا التطور المذهل في تكنولوجيا الإيصال والتواصل أصبح ذا أثر مباشر وسريع على صناعة الرأي، والذي قد يكون صناعة موجّهة لرأيٍ ليس بالضرورة خادما للتجمعات وتماسكها وتطورها.
ثم إنّه وبغضِّ النّظر عن أهداف مستعملي هذه الوسائل، يتدثّر ويحتمي أغلبهم بأهم مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان وهو الحق في التعبير عن قناعته وحقّه في نشرها والإقناع بها، حتى وصل الأمر إلى أن شعر بعض ممّن ينتسبون إلى قطاع الإعلام أنّهم فوق القانون وأنّهم محميون من أي متابعة عدلية حتى ولو كانت تصرفاتهم تمس خصوصيات الناس بل وتزرع بذور التفرقة الاجتماعية وتهدد التماسك الاجتماعي ومن ثَمَّ الاستقرار والأمن الاجتماعي ليمتد أثر ذلك إلى المسِّ بسيادة الأوطان ووحدتها.

استُعمِلت هذه التقنية مرْكبا لعديمي النسب السياسي، والمأجورين منهم بالخصوص لممارسة عمالتهم في نشر الفساد والإفساد. كما أنّها استُغِلت للاسترزاق الرخيص فباع بعضُهم ذمّته ودينه وعِرضه مقابل دراهم معدودة أو إقامة آمنة محدودة. لبس بعضهم لبوس الإصلاح، في حين راح البعض الآخر يستبيح الأعراض والحُرمات وحتى الانبطاح.

أعرفُ أنّ هذا الموضوع ذو حساسية مفرطة، وحرية التعبير حق مثلها مثل كل الحريات الأساسية المتعلقة بالإنسان، ولكنها كباقي الحريات تقتضي المسؤولية، فلا حرية من دون مسؤولية. والحريات والحقوق  تنضبط بحدود ولا تخرج من دائرة الحريات إلى الفوضى أو إلى الاستبداد والاحتكار والانفراد.
وتطالبُ المجتمعات السياسية الحديثة بالحدّ من حصانة المنتخَبين حتى لا تُستَغل في أهداف خارج الإطار الذي من أجله انتخبهم الناس، وهو أمرٌ تسعى إليه أعرق الديمقراطيات في العالم، فهل يُعقل أن نُنادي بهذا في حياتنا السياسية في الوقت الذي نجعل من المهنة أو المنصب -خاصة تلك المتعلقة بصناعة الرأي- تتمتع بحصانة من المُساءلة والمتابعة أكثر من تلك التي يتمتع بها من يحوز ثقة الناخبين؟
ورغم ذلك وجب أيضا أن لا تكون ذريعة المصلحة العامة والمسؤولية حجّة في يد صاحب القرار للتّحكم في توجيه الحريات والحقوق لخدمته وخدمة سلطانه وبرنامجه وأن يقمع معارضيه ويمنعهم من حقوقهم في التعبير عن آرائهم المُخالِفة كما يمنع عيون المجتمع المراقِبة من صحافة وساسة ونشطاء من ممارسة حق الرّقابة والمتابعة والنقد والتعبير عن وجهة النظر المُخالفة.
والحقيقة أنّ التطور المدهش لتكنولوجيا الاتصال الحديثة قدّم للإنسانية خدمات كبرى في ميادين كثيرة بل في كل ميادين التنمية الشاملة كالصحة والصناعة والنقل والفلاحة والدفاع والتربية والبحث العلمي…. وأصبحت هذه التكنولوجيا عنوان هذا القرن ومعيار القوة في العلاقات الدولية، وبتطورها أصبح اقتصاد المعرفة يحتل مركز الرّيادة في التّطور الاقتصادي العالمي، كما كان أثرها مثمرا وخادما للعلاقات البشرية بين الأفراد والمجتمعات والأُسر والعائلات والتنظيمات المنتشرة والمتباعدة في كل أصقاع الأرض.
غير أنّ هذه الإيجابيات الكبرى والإنجازات المبهرة قد صاحَبَها مع الأسف استغلالٌ ماكر غالبا ورخيص أحيانا منحرف سياسيا وهادم إجمالا.
واستُعمِلت هذه التقنية مرْكبا لعديمي النسب السياسي، والمأجورين منهم بالخصوص لممارسة عمالتهم في نشر الفساد والإفساد. كما أنّها استُغِلت للاسترزاق الرخيص فباع بعضُهم ذمّته ودينه وعِرضه مقابل دراهم معدودة أو إقامة آمنة محدودة. لبس بعضهم لبوس الإصلاح، في حين راح البعض الآخر يستبيح الأعراض والحُرمات وحتى الانبطاح.
يرى كثيرٌ من المتتبعين للشأن السياسي عموما والدولي خصوصا أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تُستعمل اليوم سلاحا في جيل جديد من الحروب، وتُخصَّص لها -تبعًا لذلك- ميزانياتٌ وإمكانات بشرية وتقنية ضخمة حتى كادت تُصوِّب المُخطئ وتُخطِّئ المصيب، وتقلّب الحق باطلا والباطل حقا، ثم رفعت الوضيع ووضعت الرفيع.
كثيرة هي الوجوه المعروفة في وسائط التواصل الاجتماعي التي لم تُعرَف من قبل لا بنضالها، ولا بعلمها، ولا بنُبل أخلاقها، بل اشتهر بعضهم بانحرافه السلوكي، ومحدودية تحصيله العلمي، وفي أفضل الأحوال بخيانته الأمانة خدمة لمصلحة شخصية. أمثال هؤلاء تصدّروا المشهد ووظّفتهم أطرافٌ كثيرة متضاربة المصالح والمقاصد، فراح بعضُهم يعظ وهو لا أصل له في علم الوعظ والإرشاد، وراح آخرون ينشرون غسيل خصومهم دون وجل ولا ضمير، كما اختار آخرون أسلوب العصا والجزرة في الابتزاز والتعفين والتشهير.
إنه لا يمكن أن يحتمي أمثال هؤلاء بحرية التعبير؛ لأنّ هذا الحق تَقرَّر لمن هم أهلٌ له، كما أنّ الجهات الرسمية التي تنزل إلى مستوى هؤلاء لا تستحق أمانة إدارة الصالح العامّ لأن نُبل الوسيلة من نُبل الهدف.
والحقيقة أنّ أقوى سلاح يجابه الفساد والانحراف والاستغلال الرخيص للتطور التكنولوجي هو الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والوضوح في الرؤية، والاعتماد بعد الله على أهل العلم والصلاح والاستقامة الذين زكّتهم مجتمعاتُهم، مع وضع قواعد صارمة في المراقبة والمتابعة والمحاسبة فيُكرَم المحسن ويعاقَب المسيء.
وما لم تقم هذه الحقيقة واقعا في حياة الناس فلا يمكن لوسائط التواصل إلّا أن تكون أقرب إلى الإفساد منها إلى الإصلاح والبناء. والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!