وماذا عن إساءتنا نحن لديننا الحنيف؟
بالتأكيد لن يتوقف مسلسل الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، عند حدود مقر مجلة “شارلي إيبدو” في باريس، فقد صار يقينا، أن لا سقف للغربيين في إهانة المسلمين بشتى الطرق، باليد وباللسان وبالقلم، وليس بالقلب أضعف الإيمان عندهم.
وبالتأكيد فإن الهبّة الجزائرية لنصرة خاتم الأنبياء، لم تثلج صدورنا نحن فقط، وإنما صدور العالم الإسلامي، الذي ثمّن ما قام به الجزائريون من إعلاميين ومواطنين بسطاء، عرفوا أن ما حدث في باريس، هو حلقة من مسلسل عاشه مالك بن نبي عام 1930 في نفس المدينة، وعاشه الشيخ عبد الحميد بن باديس عام 1934، وكان الحدث دائما مزيجا بين المكر الفرنسي والحقد الصهيوني، ففهموا الرسالة برغم محاولات تشفيرها، قبل أن يفهمها بقية العالم، بمن في ذلك الفرنسيون أنفسهم، فجاء نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصرا لهم أيضا، ولأن للمحارب استراحة ولو وجيزة، فإنها في عالم المعارك تعني الالتفات إلى الذات، من تقييمها .. إلى تصحيح أخطائها وحتى إلى زجرها، والذين قالوا بأن نصر محمد صلى الله عليه وسلم، هو اتباع سيرته والالتزام بسنته لم يخطئوا أبدا، لأننا نعترف بأننا كنا دائما أكبر المسيئين له، وحالات سبّ النبي والجهر بالكفر أمام الملأ، في الملاعب والشوارع والجامعات، وحتى في البيوت، تكاد تكون ممارسة سلوكية في الجزائر، يرثها البعض.
وسأروي لكم حادثة وقعت في ربيع 2006 في كوبنهاغن، عندما كنا ضمن وفد إعلامي وفكري، ضمّ الدعاة عمرو خالد وحبيب الجيفري وطارق السويدان، لأجل محاولة تصحيح صورة الإسلام الخاطئة لدى بعض الإسكندنافيين أو ربما كلهم، حيث توجهنا رفقة عمرو خالد إلى إحدى البقالات في قلب العاصمة الدانماركية، لشراء بعض الفاكهة، فتفاجأنا بخلوها من البائع، وعلمنا بعد ذلك بأن صاحبة البقالة غادرت إلى منزلها، وتركت محلها التجاري مفتوحا، وأخبرنا أحد الدانماركيين بإمكانية أن نشتري بأنفسنا ما نريد، ونترك ثمن ما اقتنيناه في صندوق البقالة، وعلمنا بعد ذلك بأن غالبية حوانيت الدانمارك تترك أبوابها مفتوحة إذا غادر أصحابها المكان، لأن الناس بالمختصر الصادم هناك.. لا يسرقون.
توجهت بعد الحادثة نحو عمرو خالد وسألته عن سبب تواجدنا في الدانمارك، فالناس في هذا البلد لا يسرقون ولا يكذبون ولا ينممون، أو دعونا نكرّر ما قاله جمال الدين الأفغاني مرة: توجّهت إلى الغرب فوجدت الإسلام ولم أجد المسلمين، وعدت إلى الشرق، فوجدت المسلمين ولم أجد الإسلام، وإذا كان هؤلاء قد أساءوا لخاتم الأنبياء والمرسلين مع سبق الإصرار والترصد، من أجل ربح معركة في حرب خسروها منذ أربعة عشر قرنا، فإن معركتنا مع أنفسنا هي التي يجب ربحها، فشتان بين الجهاد الأصغر هناك، والجهاد الأكبر هنا.