وماذا عن الأقدام البيضاء؟
لم تمر تصريحات المرشح للرئاسيات الفرنسية، “إمانويل ماكرون” لقناة “الشروق”، بخصوص تجريم الاستعمار الفرنسي، من دون إصابة الرجل الطامح إلى بلوغ قصر الإلزيه، بوجع رأس، قد يسحب من تحت قدميه البساط المؤدي إلى الرئاسة نهائيا، وسيجرّه إلى القضاء الفرنسي، بتهمة الإهانة لبعض الفرنسيين من الأقدام السوداء، الذين أقاموا الدنيا ولا يريدون أن يقعدوها، منذ أن سمعوا ابن جلدتهم، يعترف بجريمة بلاده ضد الإنسانية، في بلد الضحية.
وبغض النظر عن الأسباب التي قدمها ممثلو الأقدام السوداء في فرنسا ومحاولتهم تحوير التاريخ، ونقل التهمة من الجلاد إلى الضحية، واختيارهم منطقة “بيربينيون” الفرنسية، كمسرح قضائي، لمتابعة “ماكرون”، على اعتبار أنها عاصمة للأقدام السوداء، فإن ما يعاب على الضحية الذي هو الطرف الجزائري، أنه لا يوكّل محامين في صفه، كما يفعل المتهمون، ولا يجنّد المؤرخين لتسجيل هذه الاعترافات الطازجة، كما يفعل المُشتبه فيهم، بالرغم من هذه الشهادة التاريخية المسجلة بالصورة والصوت، التي سنحت أمامه، حتى وإن كان صاحبها يبغي مقعدا لقيادة فرنسا، وليس لإنصاف الضحايا أو تصحيح التاريخ الفرنسي المغلوط.
لقد تكررت في السنوات الأخيرة الاعترافات والشهادات الفرنسية، ضمن خانة “وشهد شاهد من أهلها”، ولكن الطرف الجزائري بمؤرخيه وأسرته الثورية وأساتذته الجامعيين، لم يستغلها بالشكل الذي يُسرّع فيه إلى غلق ملف هذه الجرائم بختم اعتراف فرنسي، يمكن من بعده فتح صفحة جديدة بين البلدين، يكون فيها التاريخ منقوشا على الورق كما في الأذهان، ولن تجد الأقدام السوداء ما تردّ به على الجزائريين، بعد أن بصم الفرنسيون بمؤرخيهم ومُحدثيهم على نفس التأريخ الدامي.
لا يمكن للضحية، في أي محاكمة تاريخية، أن ينتظر اعتراف المتهم، لأجل استرجاع حقه، وإدانة المُذنب، فقد تأكد على مدار التاريخ، أن إنصاف الضحية أو إدانة المتهم، إنما تؤخذ مثل الحرية بالقوة، وإذا تفضل المتهم وقدم بنفسه أدلة إدانته، فإن الأمر سيسهل على المحامين، ولن يجد القاضي أي مشكلة في تثبيت الإدانة، ولكن المشكلة المطروحة في الوقت الراهن، هي سوء تعامل الضحية مع قضيته، بدليل تناقض التعاليق الجزائرية على تصريح “إمانويل ماكرون”، إلى درجة أن البعض منها رمت بشهاداته جانبا، واعتبرته في صف الجلاد، ولم نفهم إلى حدّ الآن كيف يطالب الضحية، منذ أكثر من نصف قرن، باعتراف المستعمر بجرائمه البشعة. وعندما يقولها مرشح للانتخابات الفرنسية أمام الملإ، لا أحد يلتفت إليه، وفي أحسن الأحوال يعتبر كلامه مجرد حملة انتخابية، بالرغم من أن القاضي ليس من حقه أن يحكم على خلفيات اعتراف المشتبه فيه، وإنما على ما قاله حرفيا، خاصة إذا كان ما قاله مسجلا بالصورة والصوت، بل وتم تكراره في فرنسا، ما يعني دخوله دائرة التوكيد اللفظي أو الإصرار، وثورة الأقدام السوداء على هذا الاعتراف، دليل على أهميته بالنسبة إلى الأقدام البيضاء، التي رفضت- إلى حد الآن- أن تثور على ثورة السواد.