ويسألونك عن الحصانة البرلمانية في الجزائر
عاد الحديث، هذه الأيام، عن تماطل البرلمانية، الأمينة العامة لحزب العمال، “لويزة حنون”، في تنفيذ التزامها العلني المتمثل في تنازلها عن حصانتها حتى تتمكن المحكمة المختصة من النظر في الدعوى التي رفعتها ضدها الوزيرة السابقة للثقافة، “نادية لعبيدي”، بتهمة القذف.
بعودة هذا الحديث، تقفز إلى أذهاننا حكايات وقصص أبطالها برلمانيون، قيل عنهم- حقيقة أو إشاعة- إنهم ارتكبوا جرائم منها إشهار أسلحة نارية في وجوه مواطنين وتهديدهم بها بل وحتى إزهاق أرواح بشرية!… وقائمة هذه الجرائم طويلة ولم تتم متابعة مرتكبيها قضائيا بسبب “الحصانة”، الأمر الذي يطرح استفسارات وتساؤلات كثيرة مثل: ألا يعتبر ذلك إفلاتا من العقاب؟ وإن كان الأمر كذلك، من يتحمل مسؤوليته: السلطات الثلاث مجتمعة؟ أم السلطتان التشريعية والتنفيذية؟ أم السلطة التشريعية وحدها انطلاقا من عدم المبادرة إلى معالجة ما شاب المواد الدستورية والقانونية المؤطرة للحصانة البرلمانية من ثغرات أو نقص؟ أم ثمة قصور لدى هؤلاء البرلمانيين في فهم معنى الحصانة البرلمانية وإدراك مغزاها، من حيث تعريفها ومفهومها، أنواعها وصورها، وضعيتها وكيفية معالجتها بالنسبة إلى نطاق ممارستها وجواز أو عدم جواز التنازل عنها وآليات رفعها وإسقاطها والآثار المترتبة عليها، أو من حيث كونها امتيازا شخصيا للبرلماني أم ضرورة لحسن سير البرلمان وضمان ممارسة العهدة البرلمانية، أو من حيث كونها مقيدة ومحددة أم مفتوحة ومطلقة في الزمان والمكان، أو من حيث اعتبارها استثناء أم قاعدة من مبدإ المساواة أمام القانون؟… إلى غيره مما سنتناول بعضه فيما يلي:
1- صحيح أن المواد 126، 127، 128 من الدستور تناولت الحصانة البرلمانية، وصحيح أيضا أن المادة 111 من قانون العقوبات تعاقب بالحبس، من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، كل قاض أو مأمور ضبط قضائي يجري متابعات أو يصدر أمرا أو حكما قضائيا ضد شخص متمتع بالحصانة القانونية في غير حالات التلبس بالجريمة، دون أن يحصل قبل ذلك على رفع هذه الحصانة عنه وفقا للأوضاع القانونية. لكنها، في المقابل، لم تعرِّف هذه الحصانة، بل حتى القانون العضوي الناظم لغرفتي البرلمان، المحدِّد للعلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، الذي يفترض أن يعالجها بكل تفاصيلها، لم يُشر إليها، أما أحكام القانون الخاص بحقوق وواجبات ومهام عضو البرلمان والنظام الداخلي لكل من المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة فحدِّث ولا حرج إذ اكتفت بترديد ما جاء في المواد الدستورية الآنف ذكرها حرفيا.
وفي غياب أيِّ تعريف دستوري أو قانوني للحصانة، على النحو المشار إليه أعلاه، يمكن أن نجتهد فنقول: “الحصانة نوعٌ من الحماية والمناعة والامتيازات الدستورية والقانونية والسياسية المكفولة، بقوة الدستور، للبرلماني كي يمارس مهامه التشريعية والرقابية والدبلوماسية وإبداء آرائه وطرح أفكاره وعرض اقتراحاته وانتقاداته بحرية كاملة دون خوف من أي ضغط أو تأثير أو متابعة مدنية أو جزائية من أيِّ جهة أو سلطة”.
2- إلى جانب الحصانة البرلمانية، الدائمة أو النهائية، الجزئية أو المؤقتة، هناك الحصانة السياسية والرئاسية، الدبلوماسية والقنصلية، القضائية والإدارية، بالإضافة إلى بعض الحصانات “الامتيازات” التي تكفلها القوانين والنُّظم الداخلية لبعض رجال الدولة والإطارات والموظفين السامين كحصانة الدفاع مثلا. وفي الحصانة البرلمانية يتمتع البرلماني بنوعين من الحصانة:
الأولى- موضوعية لصيقة معه بصفته هذه “برلمانيا”، تسمى بـ”انعدام المسؤولية Irresponsabilité”، وتقتضي عدم متابعته أو مقاضاته في كل ما يبديه من آراء وتصوُّرات أو يقدِّمه من انتقادات واقتراحات داخل غرفتي البرلمان ولجانهما.
الثانية- إجرائية مقرونة بشخصه، تسمى بـ”الحرمة البرلمانية Inviolabilité parlementaire”، وتستوجب عدم جواز اتخاذ أي إجراء ضده في جميع ما يقترفه من أعمال أو يحصل منه من تصرفات- باستثناء حالات التلبس- إلا بتنازل صريح منه أو إذن مسبق من المجلس الذي ينتمي إليه، الذي يقرر رفع الحصانة عنه بأغلبية أعضائه بعد إجراءات طويلة ومعقدة (راجع المواد سالفة الذكر).
وجب اعتبار الحصانة حتمية يستوجبها شرفُ المهنة، وتمليها ضرورة ممارسة العهدة البرلمانية، وتتطلبها مقتضيات الخدمة العمومية؛ أي خدمة المواطنين والاقتصاد والمجتمع بل والدولة برمتها، وليست مجرد امتياز شخصي دائم، مطلق وعام يرتبط بالبرلماني، يعفيه من المساءلة ويحميه من العقاب حتى وإن ارتكب جرائم!
3- لا شك أن الحصانة، طبقا للمواد 126، 127، 128 من الدستور الحالي التي تتحدث عن ضرورة تحصين أعضاء البرلمان أثناء وبمناسبة قيامهم بواجباتهم البرلمانية، التشريعية والرقابية والدبلوماسية، تُعدّ خروجا عن مبدإ المساواة أمام القانون وفقا للمادتين 32 و34 من ذات الدستور التي تقضي بوجوب المساواة بين كل المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات، مع استبعاد أيِّ تذرُّع بأي شرط أو موضوع أو وصف من شأنه الانتقاص من هذه المساواة. والإشكالية المطروحة في هذا الصدد: كيف نوفِّق بين موجبات المساواة كمبدإ ومقتضيات الحصانة كاستثناء؟
4- لقد حصر الدستور مسألة رفع الحصانة في قضايا الجنح والجنايات دون المخالفات، ونصَّ على أن إسقاطها يكون في حالتين:
*الأولى: وتتم بتحريك من وزير العدل بناء على طلب النيابة العامة، حيث يقدِّم وزير العدل طلب رفع الحصانة عن البرلماني مرتكب جريمة ما مرفقا بملفه الجزائي إلى المجلس الذي ينتمي إليه هذا البرلماني.
*الثانية: وتتم بطلب صريح من البرلماني المعني يتضمن إسقاط حصانته “التنازل عنها طواعية”، ويشترط أن يقدم الطلب مكتوبا حتى لا يدع أي مجال للتأويل، وبعد اتّباع الإجراءات الدستورية والقانونية يصبح هذا البرلماني شخصا عاديا بالإمكان متابعته جزائيا.
5- بعد الطلب الذي يرسله وزير العدل مرفقا بالملف الجزائي إلى المجلس الذي ينتمي إليه البرلماني المراد إسقاط حصانته، وبعد دراسته من طرف مكتب هذا المجلس، يحال الطلب والملف إلى اللجنة القانونية التي تبحثه، تدرسه وتعِدّ تقريرها المتضمن رأيها فيه خلال شهرين على الأكثر من تاريخ الإحالة.
يعرض التقرير الذي أعدته اللجنة القانونية، بالنحو السالف ذكره، على مكتب المجلس المعني الذي يبرمجه لجلسة مغلقة قصد مناقشته والبتّ فيه، وهذا بعد الاستماع إلى كل من: مقرر اللجنة القانونية، البرلماني المراد إسقاط حصانته، وأحد زملاء هذا البرلماني إذا أراد الاستعانة به والاستماع إليه، ثم التصويت على إسقاط الحصانة من عدمه، بالاقتراع السري، وبأغلبية الأعضاء الحاضرين، أي أكثر من 50% منهم.
ونظرا إلى: * قلة المواد الدستورية والقانونية المؤطرة للحصانة،
* غموض وتعقيد هذه المواد إلى حد يصعِّب من إسقاط الحصانة أو التنازل عنها،
*انعدام الإرادة السياسية في المعالجة الموضوعية لهذه الأخيرة (عدم تطبيق أي مادة من هذه المواد- على قلتها وغموضها وتعقيدها- وعدم متابعة أي برلماني منذ الاستقلال بسبب ذلك أو غيره، وهذا طبعا باستثناء الحالات الأخرى التي تسقط فيها الحصانة آليا، مثل عدم استيفاء شروط القابلية للانتخاب، الوفاة، الاستقالة ونهاية العهدة البرلمانية)،
* وحدّة الجدل السياسي والفقهي والقضائي بشأنها، تبقى الحصانة في الجزائر سيِّئة الفهم والاستغلال لدى بعض البرلمانيين “أقلية”.
لذلك وغيره وجب اعتبار الحصانة حتمية يستوجبها شرفُ المهنة، وتمليها ضرورة ممارسة العهدة البرلمانية، وتتطلبها مقتضيات الخدمة العمومية؛ أي خدمة المواطنين والاقتصاد والمجتمع بل والدولة برمتها، وليست مجرد امتياز شخصي دائم، مطلق وعام يرتبط بالبرلماني، يعفيه من المساءلة ويحميه من العقاب حتى وإن ارتكب جرائم!