يوم عرفة.. ومبادئ الفرقة والاجتماع
يقف المسلمون الأحد، في عرفات وقفة رجل واحد، داعين الله وهم يتقلبون بين الرغبة والرهبة، يحدوهم في ذلك الرجاء والأمل في أن يتقبل الله منهم صالح أعمالهم،
-
ويستجيب لدعواتهم المرفوعة في هذا اليوم المشهود.. اليوم الذي فيه يباهي الله بهم ملائكته، وهم الذين تحرروا من ربقة المعاصي تائبين منيبين، ومستسلمين لأحكام الله، أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين.
-
في هذا اليوم يقف المسلمون جميعا، من مختلف الملل والنحل والطوائف والمذاهب، متجردين من اللباس إلا لباس الإحرام، يمثلون الأمة الإسلامية من أقصى شرقها إلى أقصى غربها، ظاهرهم الاتحاد والتكاتف والتآزر، وهم كأشد ما تكون عليه الفرقة والاختلاف، بسبب مشاربهم المتضاربة، سياسيا واجتماعيا وثقافيا.. وبسبب وقوعهم فريسة تسلط أنظمتهم من جهة، وتسلط العالم الغربي الذي صار يحارب كل ما يمت للإسلام بصلة، باسم الحرب المزعومة على الإرهاب.
-
مشهد الاتحاد والتآلف، وإن كان ظاهريا فقط في هذا اليوم المشهود، يكشف القوة الحقيقية التي قد تصل إليها هذه الجموع المسلمة إذا تعاملت مع نفسها، وتعاملت معها أنظمتها، بمنطق “الأمة” التي تحمل تاريخا وإرثا حضاريا مشتركا، وتتجه، طوعا أو كرها، نحو مستقبل مشترك، بحيث يكون الإنسان سيّد نفسه، وصانع مصيره، وسط عالم لا مكان فيه لغير الأقوياء.. وجميل أن يجمع الإنسان بين القوة والتقوى.. وذاك أسّ كماله ورأس ماله.
-
وقفة عرفات تكشف أيضا عن مدى ضرورة أن تكون هذه الأمة موحّدة، لوحدة مصيرها، حتى لا تقع فريسة لعواصف الفرقة العاتية التي تعصف عليها باسم السياسة حينا، وباسم الشريعة حينا، وباسم العمالة أحيانا أخرى، لاسيما وأن العالم الإسلامي الآن يتجاذبه قطبان: قطب إيراني “شيعي” يسعى إلى تصدير الدعوة بعدما فشل في تصدير الثورة، وقطب “سنّي” يغلّب العمالة على المصلحة، وإن اقتضى الأمر أن يطبّع مع إسرائيل نكاية في طهران، وما بينهما من جموع متطرفة تقتل على الهوية في العراق وغيرها، بدعم أمريكي صهيوني، يحسن اللعب أيما إحسان وفق مبدأ “فرّق تسد”، في حين أننا أمة كان شعارها الأسمى ولايزال: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا”.