يوم للعلم والبقية للظلام
نتفق جميعا على أن الجزائريين سلطة وشعبا لم يجسّدوا مختلف الأيام الوطنية والدينية الكثيرة التي نحتفي بها، فمنها ما هو يوم عطلة للراحة ومنها ما هو لملء رزنامة نشاطات فارغة، وثرثرة لنشرات الأخبار الرسمية وأيضا تبذير للأموال في احتفاليات وسفريات لا شكل فيها ولا روح، كما هو الحال بالنسبة لما يسمى بيوم العلم الذي تحتفل به الجزائر، ويقال أنه يتزامن مع يوم وفاة شيخ العلماء عبد الحميد بن باديس، الرجل الذي بنى أمّة وأحياها من سباتها، وقدّم لها منهاج حياة كريمة في مجالات الأسرة وحرية التعبير والشورى في اتخاذ القرارت الحاسمة، فصارت تحتفل بموته بعد أن دفنت أفكاره.
وإذا كنا مقصّرين مع يوم الشجرة، حيث آلاف الهكتارات تُباد سنويا من غطائنا الغابي، ومقصّرين مع يوم الشهيد بعد أن أنسانا اللهث على الامتيازات ما ابتغاه الشهيد من كرامة وعزّة، ومقصّرين في كل العناوين التي نحتفل بها، فإن قمّة التقصير تظهر مع العلم، حيث خرجت الجزائر بجامعاتها وبشبه أبحاثها العلمية نهائيا عن التصنيف العالمي، ولم تعد تُرتّب نهائيا ولو في مؤخرة الترتيب، وصارت مضربا للمثل في قدرتها الخلاقة على تهجير الكفاءات والأدمغة وتهميش أصحاب المراكز الأولى، والاكتفاء ببناء الجامعات الإسمنتية وطبع الملايين من الشهادات الورقية، في عملية استعراضية لا تختلف عن الاستعراضات المقدمة في مختلف القاعات بمناسبة ما يسمّى باحتفالات يوم العلم، وحتى الشعب الذي ينتقد الدولة عندما “تتكرم” عليه إلى درجة إصابته بالتخمة وإصابتها بالإفلاس، بالحفلات الراقصة التي تهطل عليه من القارات الخمس، يعلم أنه هو الزبون، لأن الجزائريين يدفعون من أموالهم ومن وقتهم لأجل متابعة اللهو على مدار السنة، ويحرمون أنفسهم من متابعة الأيام الدراسية الراقية، وربما لا يعلم الكثيرون أن أزيد عن 10 من الحاصلين على جوائز نوبل في مختلف العلوم مرّوا عبر جامعاتنا وكان الدخول بالمجان، وغاب عن متابعة محاضراتهم أساتذة الاختصاص والطلبة ولا نقول عامة الناس.
الابحار في جهاد الشيخ بن باديس، العلمي وفي أفكار مالك بن نبي، وفي عبقرية نايت بلقاسم، وفي ابتكارات الخبير إلياس زرهوني، واكتشافات البروفيسور كمال صنهاجي، وغيرهم من العلماء يؤكد أن العلم يسري في كروموزومات الفرد الجزائري، ولكن عملية التعقيم التي تعرّض لها على مدار عقود، هي التي جعلته يستند على “حيطة” الدولة المائلة والآيلة للسقوط، وحتى ما يقوم به في الأشهر الأخيرة من احتجاجات بعنوان “حقوقنا” ستزيد من تأزم الوضع وابتعادنا عن العلم، الذي صرنا نتذكره ككلمة مرة في السنة وننسى مفرداته بقية الأيام، وهو الوضع الذي صار يُسلّي السلطة ويقويها، لأنها تعلم أن غالبية الذين يقطعون الطرقات ويُضربون عن الطعام ويعتصمون ويهدّدون بالانتحار، ليسوا من العلماء الذين فضّل بعضهم ابتلاع غيضه، وقررآخرون ترك البلاد بحثا عن مخبر أو وسيلة عمل، يعلم أن لا وقت لدولته حتى توفرها له.
في قضية تخريب صروح العلم في الجزائر، لا قاض ولا محام ولا نائب عام ولا شهود فيها.. بل شعب ودولة جميعا متهمون وضحايا، حاملون المعاول حتى أسقطت هذه الصروح على رؤوسهم.