سلال: الجزائر لن تلعب دور دركي المنطقة رغم الضغوط الخارجية
أكد، أمس، الوزير الأول، عبد المالك سلال، أن الجزائر لن تعتنق الليبيرالية المتوحشة، مضيفا أن الانفتاح الاقتصادي وتحقيق المردودية لن يدفع بالجزائر إلى التخلي عن دورها الاجتماعي الأخلاقي النابع من تاريخها.
وقال سلال في تدخله أمام اجتماع الثلاثية الـ 15 الذي عقد بالجزائر، إن الرئيس بوتفليقة شخصيا التزم عدة مرات بأن الجزائر بعيدة كل البعد عن التوجه الليبرالي المطلق، الذي هو مصدر الأزمات المتكررة التي تهز الاقتصاد العالمي، وسبب إفلاس العديد من الدول.
وأوضح سلال أمام رؤساء المؤسسات ومنظمات الباترونا والمركزية النمقابية، وخبراء الاقتصاد ووسائل الاعلام الوطنية، أن الرهان الذي رفعته الدولة حاليا هو العودة القوية إلى بناء صناعة وطنية قادرة على وضع البلاد في مصف الدول المحترمة في المنطقة الاورومتوسطية، بشكل يضمن للبلاد لعب دورها الجيوستراتيجي المنوط بها.
وأعلن سلال أن الجزائر ترفض لعب دور دركي المنطقة الذي يراد لها أن تلعبه من طرف القوى العالمية الكبرى، مشيرا إلى أن تاريخ الجزائر وعقيدتها لا يسمحان لها بالانخراط في هذا المسار.
وأكد سلال أن بعث القاعدة الصناعية العصرية ذات مستوى عال ليس ضربا من الخيال، معتبرا أن التأخير المسجل في القطاع الصناعي يمكن أن يشكل مكسبا في صالح الجزائر.
وفي هذا السياق، أعلن سلال عن تنصيب أفواج عمل ثلاثية مكلفة بإعداد العقد الاقتصادي والاجتماعي للنمو، وتقديم اقتراحات لكيفية مساهمة الصندوق الوطني للاستثمار في تمويل الاستثمار الوطني العمومي والخاص، بالإضافة إلى فوج مكلف بتشجيع الإنتاج الوطني، بما فيه القرض الاستهلاكي بالنسبة للانتاج المحلي، وفوج ملكف بتأطير عمليات التسيير، وكذا كيفية تسهيل مشاركة المؤسسات الوطنية للبناء والأشغال العمومية والمياه في إنجاز البرنامج الوطني للتجهيز.
وقال سلال إن الدولة لا تريد منع الاستيراد، بل تريد مراقبته بشكل صارم، كما أكد أن قاعدة 51 / 49 سمحت بحماية الاقتصاد الوطني، وستستمر في القيام بذلك، على غرار القرض المستندي الذي سيستمر العمل به، مذكرا في هذا الإطار باستعادة الدولة لنسبة 51 بالمئة من رأسمال مركب الحديد والصلب بالحجار “دون دفع دينار واحد”.
وكشف السيد سلال أن “مركب الحجار كان سيختفي نهائيا لولا تحركنا”، مضيفا أن بعض وحدات هذه المنشأة الهامة في صناعة الحديد والصلب بالجزائر، متوقفة على غرار الفرن العالي الذي لا يستطيع استئناف العمل قبل منتصف شهر نوفمبر، بسبب غياب الاستثمارات من أجل صيانته.
وقال سلال إن الهدف هو الوصول إلى مساهمة في حدود 10 % على المدى المتوسط في الناتج الداخلي، مشيرا إلى أن وضع منتوجات ذات قيمة تكنولوجية عالية وقيمة مضافة كبيرة على مستوى السوق، كفيلة بأن تجعل من الصادرات الجزائرية تنافسية.
وأعلن المتحدث أنه من الوهم بالنسبة لدولة بحجم الجزائر، أن تنبي تنافسيتها على العمالة الرخيصة أو الطاقة لرفع الصادرات، مضيفا أن الجزائر اكبر من ذلك، وبامكانها أن تصدر منتجات ذات قيمة مضافة عالية وقيمة تكنولوجية.
وأكد سلال أن الاقتصاد يبقى سليما وقويا، بغض النظر عن هذه النقائص الراجعة إلى تبعية الاقتصاد الوطني للمحروقات، التي ستبقى رافعة لتمويل النمو الاقتصادي وصندوق الادخار لتنويع الاقتصاد الوطني، موضحا أن الاقتصاد الوطني متين، والوضعية المالية للبلاد جيدة، حيث تعد الجزائر حاليا مقرضا صافيا للسوق المالية الدولية بديون عمومية منعدمة، ونمو للناتج الداخلي الخام خارج المحروقات بنسبة 7.1 بالمئة، بالموازاة مع نمو إجمالي بنسبة 3.3 بالمئة خلال 2012، وادخار عمومي معتبر يترواح ما بين 40 إلى 50 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، مشددا على الاهمية القصوى لبعث الصناعة لجعلها بمثابة محرك “قوي وسليم”، تمهيدا لاستحداث الثروة والتشغيل، سيما الشغل المستديم.
والتزم سلال أمام الباترونا والنقابة أنه لا فرق من الآن فصاعدا بين المؤسسة الخاصة والعمومية، مضيفا أن جهد التنمية وخلق الثروة على عاتق الجميع، لأنها الطريقة الوحيدة التي ستمكننا فعلا من الخروج من دوامة التبعية للمحروقات، مشيرا إلى أن الثروة ومناصب الشغل تخلق حاليا بفضل الإنفاق العمومي، على الرغم من خطورة هذه الخطوة واستحالة ديمومتها.
وأكد سلال ان العودة للتصنيع هي الطريق الأوحد للتحكم الجيد في التصدير، والحد من فاتورة الاستيراد المتفاقمة، ملحا على ضرورة بعث أبطال صناعيين وإشراك الجامعة والنخب الوطنية والنخب المهاجرة في الجهد التنموي الوطني.
من جهته، دعا رئيس المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، محمد الصغير باباس، إلى توسيع مجال فرص إنشاء الثروات من خلال المصادقة على نظام نمو جديد يضع المؤسسة في قلب النمو.
وقال في مداخلته في أشغال الثلاثية إن “تحويل نظام النمو بات ضرورة، من خلال إعادة هيكلة الناتج الداخلي الخام لجعله اقل تبعية للمحروقات”.
وأكد السيد باباس على ضرورة تقليص تبعية ميزانية الدولة إزاء ميزان المدفوعات والعودة إلى القاعدة الذهبية، المتمثلة في الحفاظ على الشغل من خلال تطوير الاستثمارات وليس عائدات المحروقات.
واقترح تشجيع وضع عقد نمو يتم إعداده في إطار ترقية الإنتاج الوطني القائم على وطنية اقتصادية واستراتيجية ترقية الخبرة الوطنية، مشددا على ضرورة تشجيع الشراكات والتحالفات بين القطاعين العمومي والخاص، وإعادة تنظيم سلسلة إنجازات الهندسة والمنشآت اللوجستية وتطوير المناولة.
ودعا رئيس الكنفديرالية العامة للمقاولين الجزائريين، حبيب يوسفي، إلى رفع العراقيل التي تواجهها المؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة، مشيرا ـ في السياق ـ إلى اتخاد ترتيبات حيال الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار، مشيرا إلى وجود مشروع قانون أساسي في طور المناقشة، لتمكين إطارات الوكالة من القيام بدورهم على أحسن وجه”.