يعملن دون تأمين ولا رقابة وسط التحرشات و«الحقرة»
«الكونسيرجة» مهنة المطلقات والأرامل في الجزائر
صورة من الأرشيف
»المنظفة» أو «الكونسيرجة» هي المهنة الوحيدة التي تلجأ إليها النسوة في الجزائر بدافع الفقر والحاجة، فتجدهن يعملن باستحياء دون تأمين ولا نقابة ولا حقوق، وبأجور زهيدة غير مدرجة حتى في الوظيف العمومي فلا زيادات ولا منع ولا تعويض، لكل واحدة منهن قصة طويلة دفعت بها إلى تنظيف البيوت والعمارات والمؤسسات والفنادق، تتعرض بعضهن للتحرش والظلم والابتزاز فتكون مخيرة بين الاستسلام أو البحث عن مكان آخر من أجل كسب كريم.
- هل يقبل أحدنا أن تعمل أخته أو أمه أو زوجته كمنظفة دون تأمين ولا تعويض ولا حقوق، الجواب طبعا سيكون لا، لكن الفقر والحاجة التي تعيشها الكثير من العائلات الجزائرية دفعت بها إلى التنازل عن هذا المبدأ. فبالرغم من أن «المنظفة» هي مهنة شريفة لا غبار عليها، إلا أن طبيعة المواطن الجزائري الذي يرفض المسكنة والشفقة تجعل الكثير من النساء يقبلن على هذه المهنة على مضض وبعقدة نقص، فتجدهن يعملن في كثير من الأحيان دون علم الأهل والأقارب والجيران، فعاملة النظافة في الجزائر هي العاملة الوحيدة التي ليس من حقها المطالبة بزيادة الأجرة والتعويض والمنحة…
- وأما التأمين فحدث ولا حرج، فغالبية المنظفات العاملات في المؤسسات الخاصة وحتى العامة دون تأمين ولا حتى ترسيم، هذه الحقائق تؤكدها شهادة الكثير من عاملات النظافة اللواتي يعتبرن أنفسهن مواطنات من الدرجة الثالثة يكابدن واقعا مرا ومستقبلا مجهولا.
- خالتي رقية، 50 سنة، من هؤلاء، تعمل »كونسرجية« في إحدى التعاونيات العقارية في بئر خادم كانت تقطن في مسكن واسع من طابقين رفقة زوجها »تاجر« وخمسة أبنائها، لكن المرض العضال الذي أصاب زوجها دفع به إلى بيع بيته الكبير ليشتري شقة من غرفتين في ضواحي العاصمة، وهذا ما دفع المتحدثة الى العمل كمنظفة وهي في سن الخمسين بهدف إعانة زوجها المريض وأبنائها الخمسة الذين يدرسون جميعهم.
- وعن طبيعة عملها قالة خالتي رقية إنها تنظف سلالم ثلاث عمارات مرة في الأسبوع مقابل 200 دج عن كل أسرة، وهذا ما يمكنها من تأمين مبلغ 15 ألف دينار للشهر تعيل به أسرتها.
- سيدة أخرى تدعى «فاطمة» 60 سنة، أرملة وأم لثلاثة أطفال، أكبرهم يدرس في الطور المتوسط، تشتغل كمنظفة في أحد المنازل تقول عن حالها: «إن الواقع أصبح مرا للغاية والناس لا يرحمون الفقير والمحتاج إلا القليل منهم، فالمرأة الضعيفة التي لا تملك المعيل تكون عرضة للظلم والاستغلال. مهنتي أكسب منها ولا يهمني ما يقوله الناس، لأن مستقبل أولادي مرهون بما أقدمه لهم من حاجيات الحياة والدراسة وإذ لم أفعل ذلك فهم حتما سيعانقون الشارع بكل آفاته الخطيرة».
- التحرش بالمنظفات واقع فرضته الحاجة والحرمان
- هي قصة واقعية لامرأة فائقة الجمال دفع بها الطلاق وجفاء الأهل إلى اختيار مهنة منظفة البيوت، فالذي يراها للوهلة الأولى يخالها امرآة استقراطية لحسنها وجاذبية مظهرها، لكن الواقع غير ذلك، فبعدما كانت معززة مكرمة في بيتها رفقة ابنائها الثلاثة وجدت نفسها مطلقة في بيت أهلها، أين رفضت أمها التكفل بأبنائها مما اضطرها إلى البحث عن عمل وهي في سن الأربعين، فبعدما تزوجت برجل من قسنطينة انجبت منه ولدين وبعد خلاف حاد طلقها وابنها الصغير لم يتعد ثلاثة أشهر، ولما عادت إلى بيت أهلها لم تتقبلها عائلتها خاصة وأنها عادت بولدين تتطلب رعايتهما دخلا ماديا، فخيّرتها والدتها بين العودة بمفردها لتعيش حياة كريمة أو معاودة الزواج بآخر، ولما رفضت ذلك عاقبتها أمها بحرمان أبنائها من الحليب واللباس، ما جعل الجيران يتصدقون عليها بالفتات الذي يتبقى لديهم من القش والأكل، ثم نصحتها إحدى جاراتها بالعمل كمنظفة في البيوت أو طاهية في الاعراس، فبدأت تأتيها عروض من العائلات الثرية وأحيانا من رجال أعمال لتنظيف بيوتهم، ولأن المال كان مغريا والحاجة كانت ملحة، لم يكن لها خيار سوى ركوب تيار الانحراف بعد صبر وجهاد طويل، لكنها في المقابل كانت حريصة على تربية أولادها فكان ابنها الكبير مثالا للنجاح حيث دخل الجامعة ودرس المحاماة.
- أما ابنها الآخر، الذي كان يبيت عند والده الذي تزوج فأخذ طريق الانحراف. فكان يبيت في الشارع عندما يأتي من قسنطينة لزيارتها، لأن جدته لم تقبل استضافته وأكدت أنها تندم على ما فعلت، لأن حبها لأولادها وقسوة أمها وإخوتها دفعها إلى بيع جسدها لأثرياء استغلوا جمالها وفقرها، وفي نهاية حديثنا معها قالت »لن أسامح أمي التي دفعتني وباعتني للأثرياء، لن أسامح إخوتي الذين كانوا ينعتونني بالعاهرة وهم الذين دفعوني لذلك، الله يعلم أني لما لجأت الى بيع نفسي كنت في حالة ضعف وفقر وحاجة، الله أعلم بحالي وهو الوحيد الذي الذي يحاسبني»..
- جزائريات يبحثن عن الكرامة ونقابة تأويهن
- أكدت السيدة «وهيبة.ع»، منظفة «متقاعدة»، أنها تسعى إلى تأسيس نقابة وطنية للمنظفات اللواتي يزيد عددهن عن 50 ألف امرأة تعملن في ظروف قاهرة، لا كرامة فيها ولا حقوق، مضيفة أن 80 بالمائة من المنظفات العاملات في القطاع الخاص غير مؤمّنات والكثيرات منهن يعملن بطريقة غير شرعية مقابل أجور زهيدة تتراوح بين 5000 و12000 دينار جزائري، جزء كبير منها يذهب في النقل والدواء.
- وأضافت محدثتنا، أن التحرش هو هاجس المنظفات الأول والذي يطال العازبات والمتزوجات منهن بسبب نظرة الرجال القاصرة تجاههن، فلولا الفقر والحاجة لما وجدنا امرأة واحدة في الجزائر تعمل كمنظفة، لكن الظروف القاهرة للكثير من النساء دفعت بهن إلى امتهان هذه المهنة التي تعد تهمة تنقص قدر المرأة في وسطها العائلي والمهني. وطالبت المتحدثة بضرورة الالتفات لهذه الشريعة وتسهيل عملية تأسيس نقابة تدافع عن حقوقهن في التأمين وأجور كريمة والحماية.