تعزيز التعاون الجزائري الألماني في مجال السيارات والطاقة
تواصل الجزائر تعزيز شراكتها مع كبار أوروبا، وجاء الدور هذه المرة على العملاق الألماني، الذي يبدو أنه قرر الرفع من منسوب حضوره الاقتصادي في الجزائر، مرافقا إيطاليا وبدرجة أقل إسبانيا، التي عرفت كيف تتجاوز الأزمة، بينما لا يزال الشريك الفرنسي يبحث عن استعادة امتيازاته المفقودة في الجزائر.
وشهدت العلاقات بين الجزائر ومدريد خلال الأسبوع الجاري حركية كبيرة، طبعها التوقيع على اتفاقية لتنفيذ مشروع “DigiEnR” الخاص برقمنة إدماج الطاقات المتجددة في المنظومة الكهربائية الوطنية، مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، وفق ما جاء في بيان لوزارة الطاقة والطاقات المتجددة، الثلاثاء 16 جوان الجاري.
هذه أبعاد حسابات الجزائر الجيوسياسية من التقارب مع برلين
وفي السياق ذاته، قالت الغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة، أن 6 شركات صناعية ألمانية ستصل إلى الجزائر في الفترة الممتدة ما بين 28 جوان الجاري و3 جويلية المقبل، من أجل استكشاف فرص الاستثمار في قطاع السيارات بالجزائر، ولاسيما ما تعلق بإرساء “نظام بيئي صناعي متكامل”.
ويؤطر هذا التعاون المرسوم 22-384 الذي يضبط نسبة الإدماج في الاقتصاد المحلي والمقدرة بثلاثين بالمائة في نهاية 2026، الذي يشتغل عليه عملاق صناعة السيارات متعدد الجنسيات “ستيلانتيس” بمدينة طفراوي، غرب الجزائر. كما يبحث الطرفان أيضا تحويل المعرفة، وشراكات المستوى الأول والثاني، والهندسة، وشهادات الجودة، والخدمات اللوجستية المتسلسلة.
وتعليقا على هذا التطور، يرى مدير معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر سابقا، محمد خوجة، “أن الجزائر وبرلين يبحثان تجاوز منطق الشراكة التجارية الكلاسيكية نحو تموضع جيوسياسي حول ملفين مفصليين: التحول الطاقوي الأوروبي (الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة) والرقمنة كأداة لإعادة تشكيل البنى التحتية الحيوية”.
وبرأي محمد خوجة، فإن اتفاقية تنفيذ مشروع “DigiEnR” بين وزارة الطاقة والطاقات المتجددة والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، لرقمنة إدماج الطاقات المتجددة في المنظومة الكهربائية الوطنية “ليست مجرد مشروع تقني، بل خطوة في إعادة هندسة موقع الجزائر ضمن خريطة أمن الطاقة الأوروبية، لأن الاتفاق يهدف إلى تطوير حلول رقمية لتسيير الشبكات وتحسين أدوات التخطيط الطاقوي، وتهيئة البنى التحتية لاستيعاب قدرات متزايدة من الطاقات النظيفة، بتمويل ألماني وتنفيذ تقني عبر (GIZ)، وهو ما يضع ألمانيا في قلب عملية تحديث إحدى البنى التحتية السيادية الأكثر حساسية في الجزائر: الشبكة الكهربائية”.
ويتقاطع هذا المسار، وفق المحلل، مع إعلان النوايا المشترك، حول التعاون في مجال الهيدروجين وإنشاء فريق عمل ثنائي، وكذلك مع المشاريع الاستراتيجية مثل الممر الجنوبي للهيدروجين “SoutH2 Corridor” وتحالف الجزائر – أوروبا للهيدروجين “ALTEH2A”، التي تهدف إلى تكييف وتوسيع أنابيب الغاز لنقل الهيدروجين الأخضر من الجزائر نحو جنوب ألمانيا.
وبذلك تتحول الجزائر، يضيف المتحدث، من مجرد مزود غازي كلاسيكي، إلى شريك في منظومة التحول الطاقوي الأوروبي، فيما تستخدم ألمانيا أدوات التعاون التقني والرقمي لتأمين مصادر بديلة ومستدامة للطاقة في سياق ما بعد أزمة الغاز الروسي.
أما البعد الثاني فيتمثل في “تشكّل شبكة مصالح اقتصادية كثيفة تربط بين النخب الاقتصادية الجزائرية والألمانية”، يجسده بلوغ الغرفة الجزائرية -الألمانية للصناعة والتجارة (AHK Algérie) عتبة 700 عضو سنة 2026، وهذا الرقم يعني توسّع قاعدة الشركات الألمانية الناشطة في الجزائر والشركات الجزائرية المنخرطة في سلاسل القيمة الألمانية ـ الأوروبية، ما يحول العلاقة من مجرد تبادل تجاري إلى بنية مؤسسية ممتدة قادرة على إنتاج مشاريع مشتركة، مثل نقل خبرة، وضغط سياسي ناعم لصالح تعميق الشراكة الاقتصادية.
ويتمثل البعد الثالث في “إعادة تموضع استراتيجي للطرفين”، يقول محمد خوجة، فالجزائر تراهن على الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة مع ألمانيا (وفي إطار أوسع مع أوروبا) بما يوفر فرصة لإعادة التموضع من اقتصاد ريعي يعتمد على الغاز والنفط إلى موضع “مصدِّر للطاقة الخضراء” بحلول 2040، مع وعد ألماني – أوروبي بدعم البنية التحتية والاستثمار في المشاريع شبه الصناعية (مثل محطة أرزيو بقدرة 50 ميغاواط للهيدروجين الأخضر).
ومن جهة ألمانيا، يُنظر إلى الجزائر، وفق المتحدث، كجزء من استراتيجية “تنويع مصادر الطاقة” وتقليل الاعتماد على روسيا، ولكن بطريقة تتجاوز استيراد الغاز إلى بناء سلسلة قيمة كاملة للهيدروجين الأخضر تمتد من الإنتاج في الجنوب المتوسطي إلى الاستهلاك الصناعي في جنوب ألمانيا، لأن مشروع “DigiEnR” يتيح لألمانيا، ليس فقط ضمان استقرار الإمدادات المستقبلية من الطاقات المتجددة، بل أيضا مواءمة معايير الشبكات الجزائرية مع المعايير الأوروبية، وهو ما يسهل اندماج الجزائر في فضاء طاقوي أورو- متوسطي تقوده تقنيا ومعرفيا الشركات الأوروبية.
أما المسألة الرابعة فتتمثل في البعد الجيوسياسي للرقمنة الطاقوية، لأن مشروع مثل “DigiEnR” يمزج بين الطاقة والرقمنة، أي بين حقلين أساسيين في الصراع على السيادة في النظام الدولي الراهن، على اعتبار أن رقمنة الشبكة الكهربائية الجزائرية تعني إدخال طبقة جديدة من الاعتماد المتبادل مع الشريك الألماني في مجالات البرمجيات، إدارة البيانات، وأنظمة التحكم، ما يحول التعاون الطاقوي إلى تعاون بنيوي في البنية التحتية المعلوماتية الحرجة، وهو ما من شأنه أن يفتح أمام الجزائر فرص نقل خبرة، تحسين الكفاءة، تسريع إدماج الطاقات المتجددة.
ويخلص الخبير في العلاقات الدولية إلى القول بأن هذه المشاريع توسع من شبكة التعاون في العلاقات الجزائرية الألمانية، تستفيد خلالها الجزائر من الخبرة الألمانية الرائدة، بينما تستفيد ألمانيا من تعظيم استقرار الإمدادات وتقليص المخاطر الجيوسياسية عبر تعميق التداخل المؤسسي مع الجزائر، بما يحوّلها إلى شريك لا مجرد مورد.
ويتعزز التقارب الجزائري الألماني في بعده الاقتصادي خاصة، في الوقت الذي يبقى الحضور الاقتصادي لفرنسا بالجزائر في تراجع، وقد كان آخر خبر غير سار بالنسبة للفرنسيين، هو تخلي مؤسسة “كافور” عن فرعها بالجزائر.