• بائعة مطلوع: أبي يفرح كثيراعندما أقدم له النقود
author-picture

icon-writer جميلة بلقاسم

في هذا الصيف اللاهب الحرارة، أطفال صغار تتراوح أعمارهم بين أربع وخمس وست إلى سبع سنوات، يقفون بأجسادهم النحيلة طوال النهار على حافة الطريق الرئيسي المؤدي إلى أولاد فايت، لبيع المطلوع وباقات من الأزهار البرية، تحت درجة حرارة تقترب من الـ40 وتصل في بعض الأوقات إلى الـ45 درجة مئوية، من الصعب أن يتحملها الرجال فكيف بالأطفال، سألنا الجيران، وأصحاب المحلات وحتى إمام المسجد القريب منهم، عن سبب ترك هؤلاء الصغار يعرضون أنفسهم لخطر السيارات فكانت المفأجاة عندما أخبرنا الجميع أن آباء وأمهات هؤلاء الصغار هم الذين يطلبون منهم التسوّل مستغلين براءتهم وصغر سنهم لاستعطاف المارة وإثارة شفقتهم، فلا يمر سائق من تلك الطريق إلا وينفطر قلبة شفقة عليهم فيتوقف ويشتري منهم باقة أزهار أو مطلوعة ويعطيهم ورقة نقدية من فئة مائة دينار أو مائتين كمساعدة لهم.

أطفال يتوسلون للسائقين من نافذة السيارة بطريقة استفزازية

عند مدخل بلدية أولاد فايت شرقا، وبالضبط عند محطة البنزين نجد يوميا صباحا ومساء كلا من رميسة وبسمة وفلا وياسمين، وغيرهم من الأطفال تتراوح أعمارهم بين أربع وخمس وست إلى سبع سنوات في حالة مزرية من الوسخ والغبار، شعورهم منفوشة وأقدامهم حافية، وملابسهم رثة ومتسخة، وأجسادهم نحيلة وجلودهم داكنة السمرة حتى يخيّل للمارة أنهم أطفال بدون أباء ولا أمهات، أو أنهم أطفال يعيشون في الخلاء، ورغم صغرهم إلا أنهم يطاردون السائقين ويتعلقون بنوافذ سياراتهم ليبيعوا لهم خبز المطلوع وباقات من الأزهار البرية، وهي أزهار لا تباع ولا تشترى في الأصل لأنها تنبت في كل مكان، وليس لها في الأصل أي قيمة مادية، يتظاهرون ببيعها لأصحاب السيارات، وهم في حقيقة الأمر يتسوّلون بها، حيث يتوسلون للمارة من أجل شرائها منهم، ويطاردون السيارات المارة على الطريق ويتعلقون بها ويدخلون الأزهار للسائقين من نافذة السيارة بطريقة استفزازية، معرضين حياتهم للخطر أن تدهسهم السيارات، ولا يمكن للسائقين تجنبهم إلا بغلق نوافذ سياراتهم، لكن بعض أصحاب السيارات يعجزون عن مقاومة هذا المشهد الدرامي فيتوقفون ويوزعون عليهم أوراقا نقدية من مختلف الفئات، ثم يغادرون بينما يقفز هؤلاء الأطفال فرحا بالغنيمة التي جمعوها، ويستمرون في مطاردة باقي السيارات، بطريقتهم المستفزة للعواطف والمثيرة للشفقة في نفس الوقت، وكلما توقفت سيارة على قارعة الطريقة يسرعون باتجاهها ويتسابقون في عرض مطلوعهم وأزهارهم.

وعلمنا فيما بعد أن العديد من عقال الحي تدخلوا لدى أهل هؤلاء الأطفال، بما فيهم إمام مسجد الذي تحدث إليهم، ونصحهم بلم شمل أطفالهم والإعتناء بهم، وطلبوا منهم أن لا يستغلوا براءة أطفالهم للتسوّل، مهما بلغت درجة الفقر والعوز، حتى وإن استدعى الأمر أن يتقاسموا شقفة كسرة يابسة يوميا، وإذا كان لابد من التسوّل فإن والدهم هو الذي عليه أن يتسوّل وليس الأطفال، لأن توفير لقمة العيش من مسؤولية الوالد وليس مسؤولية الأطفال، لكن لا حياة لمن تنادي، فقد رفضت تلك الأسر الانصياع لنصائح أهل البر، ذلك أنها تسوّل الأطفال يعود عليها بربح يفوق بعشرات المرات الراتب الشهري الذي يمكن أن يجنيه والدهم.

بعض هؤلاء الأطفال لم يبلغوا بعد سن الدراسة، ومع ذلك يقضون كل يومهم في الشارع، وبعضهم بلغوا سن التمدرس، لكن الدراسة تعتبر شيئا ثانويا في حياتهم والأهم عندهم هو بيع المطلوع وإعطاء النقود لوالديهم.

أمي تحضّر لي 35 مطلوعة يوميا لأبيعها عندما اخرج من المدرسة

توقفنا بسيارة الشروق اليومي، على بعد أمتار عن هؤلاء الأطفال فإذا بهم يسرعون باتجاهنا، "والتفوا حول سيارتنا وتعلقوا بها من كل جانب ثم أدخلوا أعناقهم الصغيرة وشعروهم المنفوشة من نافذة السيارة وبدؤوا يتوسلون إلينا لشراء المطلوع منهم، كان عددهم أربعة أو خمسة، أو أكثر بعضهم يبيع المطلوع والبعض الآخر يبيع الأزدهار، اشترينا منهم بعضا من المطلوع، للتقرب منهم ثم سألنا إحداهن وكانت تبدو الأكبر سنا "ألا تدرسين؟" فأجابت، بلى لكني أبيع المطلوع، عندما أعود من المدرسة على الساعة الثالثة أو الخامسة حسب التوقيت، حيث أجد أمي قد حضرت لي 20 أو 25 مطلوعة، وأحيانا 35 مطلوعة، أجدها ما زالت ساخنة، فأضع محفظتي وأحمل صندوق المطلوع لأعرضه للبيع على طرف الطريق، ولا أعود إلى البيت إلا عندما أبيع كل المطلوع، أحيانا أعود في الظلام خاصة في فصل الشتاء، لكننا لا نخاف الظلام فنحن غير بعيدين عن البيت، انظروا هناك منزلنا، ونحن نساعد والدنا وأمنا في تغطية النفقات، لدي أخوات كبار في البيت، لا يعملون ولا يجوز أن يقفوا على الطريق لبيع المطلوع لهذا لا ترسلهن أمي بل ترسلنا نحن صغار".

"أبي يفرح كثيرا عندما أعطيه النقود"

"ف .ب" خمس سنوات بدورها قالت لنا "أصحاب السيارات الطيبون يعطوننا الكثير من الأوراق النقدية، خاصة الأثرياء، لكننا نأخذها لأبي ويفرح كثيرا عندما نعطيه النقود التي جمعناها، ويشتري لنا بها كل شيء نحتاجه، من الأكل والملابس، وحتى الأثاث للبيت"

"أعطي كل النقود لأمي، تقول ـ بسمة ـ هناك ناس طيبون، يمرون في الطريق وعندما يروننا على هذا الحال، يتوقفون لشراء المطلوع والأزهار منا، ويعطوننا الكثير من الأوراق النقدية من فئة 1000 دينا وأحيانا 2000 أو أكثر، وأحيانا يوزعون علينا حزمة من الأوراق النقدية فنأخذها لأهلنا"، سألناهم إذا كانوا لا يخشون الإختطاف فردت ياسمين "لا نركب أبدا في السيارة مع أي كان، أمي دائما تحذرنا من الركوب مع أصحاب السيارات ومن الذهاب معهم بل توصينا بأن نأخذ منهم النقود فقط أو نبيع لهم المطلوع، وإذا طلب منا أحد الركوب نهرب فورا وإذا أمسك بيدنا نصرخ، هكذا قالت لنا أمي". وتضيف طفلة أخرى لم تخبرنا باسمها "هناك الكثير من المارة هنا، ولا يستطيع أحد أن يختطفنا، ثم إن منزلنا غير بعيد عنا انظروا هناك، وأشارت بيدها إلى حي قصديري يبعد عن الطريق بحوالي 200 متر على الأكثر".

اللوم على الدولة التي لم توفر لنا لا سكنا ولا عملا ولا دخلا

لكن عندما حاولنا تصويرهم خافوا كثيرا وبدؤوا يغطون وجوههم بكل براءة، ثم حملوا المطلوع وهربوا بسرعة ليتوغلوا بين البيوت القصديرية حيث يسكنون، لحقنا بهم إلى منازلهم، ولكن عندما رآنا السكان نلتقط الصور لأطفالهم المتسولين ثارت ثائرتهم، ومنعونا من التصوير، "وأقفل أهلهم الأبواب، بينما قال لنا السكان "نحن فقراء واللوم ليس علينا بل على الدولة التي لم توفر لنا لا سكنا ولا عملا ولا دخلا نعيش منه حياة كريمة". ورغم أن جميع المارة بطريق أولاد فايت يتصدقون عليهم ويشترون مطلوعهم وأزهارهم إلا أنهم جميعا يطرحون نفس السؤال "أي أمّ هذه التي تقوم بدفع بناتها إلى الطريق لبيع الأزهار والمطلوع في هذا الحر طوال النهار، وكيف يطاوعها قلبها ترك أطفالها يحترقون تحت أشعة الشمس، وحرارة الصيف التي فاقت هذه الأيام 40 درجة، عرضة لضربات شمس جراء وقوفهم لفترات طويلة خارج البيت".

مظهرهم يترك انطباعا مفاده أن الوضع الاجتماعي لعائلتهم تحت عتبة الفقر، لكن الكل يجمع على أنه مهما بلغت درجة الفقر لا يجوز لهؤلاء الآباء أن يفعلوا ذلك بأبنائهم، فتوفير لقمة العيش هي مسؤولية الآباء وليس الأبناء، لكن الآية انقلبت في هذا المشهد فأصبح الأطفال هم الذين يوفرون لقمة العيش لآبائهم.

ومن أولاد فايت إلى طريق تيبازة تتعدد المشاهد، والمأساة واحدة أطفال يبيعون المطلوع، وعندما تسأل أهلهم يقولون لك "نحن فقراء وليس لنا أي دخل ولا نملك مالا لنشتري به الحليب والخبز والطعام لأطفالنا والمطلوع هو السبيل الوحيد لنأكل"، فإذا سلكت الطريق الرابط بين زرالدة وتيبازة، إلى الغرب من العاصمة ستشدك مشاهد عشرات الأطفال ممن يحملون قففا وأكياسا وصناديق من المطلوع، وإذا سلكت الطريق الرابع بين القليعة ومقطع خيرة ستشدك نفس المشاهد، فعلى طول الطريق ترى أطفالا لا يأبهون لا بحرارة الصيف الحارقة ولا بثلوج الشتاء وبردها القارص، ولا بغبار الطريق، منتشرين على جانبي الطريق يصيحون ويهتفون بأعلى أصواتهم لاستقطاب الزبائن لسلعتهم.