• قانونيون: لا بد من معالجة هذه القضايا في جلسات سرّية
  • الدعاة: عقوق الوالدين من أشدّ المحرّمات وأكبر الكبائر
author-picture

icon-writer استطلاع/ إلهام بوثلجي

"أريد من العدالة أن تنقذني من بطش ابني.... سيدي القاضي لا أريد تعويضا المهم أن يتركني ابني لأعيش بسلام.. أدخلوه السجن لا أريد أن أراه مجددا في بيتي وحياتي" هي تصريحات تشهدها المحاكم الجزائرية يوميا لآباء وأمهات بلغوا من العمر عتيا، وبدل أن يجدوا في أبنائهم الرحمة والمودة، كانت مكافأتهم الضرب والشتم والعيش في جحيم من صنع أبناء عاقين، ليقرر الآباء اللجوء للعدالة هربا من ظلم أبنائهم.

تشهد المحاكم الجزائرية يوميا قضايا تتعلق بالتعدي على الأصول يرتكبها الأبناء في حق أبائهم سواء الأم أو الأب، حيث تكشف جلسات المحاكم عن "ارتفاع مذهل لظاهرة عقوق الوالدين" التي انتشرت كالنار في الهشيم لتنخر جسد الأسرة الجزائرية، فتجد الآباء في عمر متقدمة يتعرضون للإهانة والمعاملة السيئة من قبل أبناء لطالما حلموا بإنجابهم، وسهروا على تربيتهم وتعبوا لإعالتهم لتكون المكافئة في الكبر، إهانة وتعذيب وضرب، وقد تصل حد القتل بأبشع الطرق ولأسباب تافهة في كثير من الأحيان، وللتخلص من هذه المعاناة يلجأ الآباء للعدالة، علهم يتخلصون من ظلم أبنائهم العاقين، فتجدهم يستنجدون بالقاضي ويطلبون كف الظلم عنهم والذي كان سببه أبناؤهم الجاحدون.

وفي هذا السياق، نذكر قصة أم تبلغ من العمر 70 سنة، وقفت أمام القاضي في مواجهة ابنها العاق صاحب الثلاثين ربيعا، لتطلب منه أن يتركها تعيش بسلام، وبنبرة يملؤها الحزن والأسى روت معاناتها مع فلذة كبدها، الذي قررَت في النهاية أن تشكوه للعدالة بعدما يئست منه، وأصابها الهم والضر من تصرفاته، فالأم العجوز ذكرت أن ابنها يشتمها كل يوم ويضربها ويريد أن يخرجها من منزلها، وفي آخر مرة رجع للمنزل، وهو في حالة سكر ودخل في عراك مع شقيقته الصغرى، ولما تدخلت أمه وطلبت منه الخروج من المنزل ثار غضبه، ودفعها بقوة حتى سقطت أرضا وانهال عليها بوابل من السب والشتم، ناسيا أنها أمه التي حملته في بطنها لمدة تسعة أشهر، وعانت الأمرين لتربيته وشقيقته، ليكون جزاءها الضرب والتهديد، ولأن هذه الأم ذاقت ذرعا من تصرفات ابنها الطائشة، قررت أن تشتكيه للشرطة ليزج به في السجن بتهمة التعدي وضرب الأصول، وأثناء المحاكمة حاول الابن المتهم تكذيب والدته، مصرحا أنها تفضل شقيقته عليه ولا تحبه، فيما علق عليه القاضي بالقول:

"هذه أمك التي حملتك في بطنها، وسهرت على تربيتك، فكيف تضربها وهي في هذا العمر، ألا تعرف أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر؟" لتتدخل أمه بكل عفوية وتطلب من القاضي أن يمنع ابنها من مضايقتها من جديد.

وقصة أخرى لشيخ في العقد السابع من العمر، تقدم أمام محكمة سيدي أمحمد بالعاصمة يشكو عقوق ابنه البالغ من العمر 35 سنة، والذي هدَده وشتمه وهو متعوّد على ضربه ولأتفه الأسباب، حيث شرح للقاضي بأن ابنه سيء الطباع وكثير المشاكل، لدرجة أنه يجلب المخدرات للمنزل ويقوم بسرقة ممتلكات الآخرين، كما أنه يوم الوقائع اعتدى على شقيقته بالضرب ولما تدخل لحمايتها هدّده وضربه، ليصرح في استجوابه أمام المحكمة بأنه سئم من تصرفات ابنه وهو معطوب حرب، وليس بإمكانه التصدي لجبروت ابنه العاق.

وفي سياق مواز، عالجت محكمة الجنح سيدي أمحمد بالعاصمة قضية تتعلق بجنحة التعدي على الأصول، المتهم فيها الابن البالغ من العمر أربعين سنة والضحية والده العجوز الذي يناهز السبعين من العمر، هذا الأخير الذي اشتكى تصرفات ابنه التي تعدت المعقول، بحيث لا يمرَ يوم لا يتعرض فيه للشتم ولا للضرب من قبل ابنه، ولدى مثلوه أمام المحكمة شرح أن ابنه خنقه ونعته بأقبح الصفات بدون أي سبب يذكر، مضيفا أنه كبير في السن ولم يعد يحتمل تصرفات ابنه العاق.

وفي قصة استغرب لها كل من كان بقاعة الجلسات بمحكمة الجنح سيدي أمحمد بالعاصمة أحدث متهم متابع بجنحة التعدي على الأصول فوضى كبيرة، بعدما وقف للمحاكمة في مواجهة والده الذي اتهمه بضربه وتهديده بسلاح أبيض، حيث راح الابن العاق يصرخ ويتلفظ بكلام قبيح أمام هيئة المحكمة، ما استدعى تدخل عناصر الشرطة الذين حاولوا تهدئته وأخرجوه من القاعة للمحافظة على سير الجلسات. في الوقت الذي كان المتهم يصرخ ويخبر القاضية بأنه "يكره والده"، ولم يضربه ولم يهدده مثلما يدّعي أبوه الذي حضر الجلسة، وأكد شكواه أمام هيئة المحكمة، وطالب بمعاقبة ابنه الذي تعوّد على ضربه ولم يتعظ من دخوله للسجن من قبل ومسامحته له في المرة الأولى.

وغير بعيد عن هذا الشاب لفتت انتباهنا قضية عالجتها محكمة الشراڤة مؤخرا، المتهم فيها شاب في العقد الثالث من العمر، تورط في ضرب والده الطاعن في السن والبالغ من العمر 80 سنة، وكل هذا لأنه طلب منه ترك المنزل بعدما اعتنق المسيحية، فرفض الابن العاق ذلك وضرب والده العجوز بلكمة على الوجه، والأغرب من ذلك أن الابن وبكل وقاحة شرح أن والده عارض اعتناقه للمسيحية، بالرغم من أنه حر في اختيار الديانة التي يريد ولذلك ثار غضبه ولكمه على وجهه.

وقصة أخرى لأم وأب في العقد السابع من العمر، قررَا رفع دعوى ضد ابنهما بعد معاناتهما من تصرفاته السيئة لسنين طويلة، خاصة أنه كثير التهجم عليهما سواء بالسب أو الضرب، ولدى مثولهما أمام محكمة الشراڤة كضحايا في قضية التعدي على الأصول التي تورط فيها ابنهما، شرح كل واحد منهما معاناته مع الابن العاق الذي يجلب المتاعب دوما، فعلى غرار إخوته المتعلمين والذين يعملون في مناصب مهمة فهو متسكع ومدمن على المخدرات، ويصاحب رفاق السوء ورغم محاولة والديه معه لإصلاح نفسه، وتحمل المسؤولية إلا أنه كان يواجههما بالرفض والتعنت، ولا يكتفي بذلك بل وصل لحد ضرب والدته لأنها لم تمنحه المال الذي يشتري به السموم التي أدمن عليها، وإزاء كل هذا طالب والديه من القاضي معاقبته على أفعاله ليرفضا رفضا قاطعا مسامحته.

قانونيون: قضايا الاعتداء على الأصول في تزايد مستمر

وفي هذا السياق أكد لنا الأستاذ أحمد دهيم محامي لدى نقابة العاصمة على أن قضايا التعدي على الأصول في ارتفاع مستمر، ما ينذر بتفكك الروابط الأسرية داخل المجتمع الجزائري، وشدّدَ محدثنا على أن المشرع الجزائري أخذ خطورة هذه الظاهرة بعين الاعتبار من خلال تشديد العقوبات في حق مرتكبي جنحة التعدي على الأصول، سواء الضرب والجرح أو السب والشتم أو التهديد، فقد تصل العقوبة من 5 إلى 10 سنوات في حق كل شخص اعتدى على والده أو والدته بالضرب والجرح متسببا لهما في عجز يصل 15 يوما.

كما أشار الأستاذ أحمد دهيم إلى أن قضايا الاعتداء على الأصول تزايدت على مستوى المحاكم رغم تشديد العقوبة، وكل هذا لأسباب اجتماعية وأخرى ترجع لغياب الوازع الديني، ومنها المتعلقة بالميراث والطمع في الثروة لدرجة لا يتوّرع الابن في قتل أمه التي حملته تسعة أشهر في بطنها وربّته وبأبشع الطرق، وكل هذا بحثا عن المال، ونوَّه محدثنا بأن الأسباب وراء انتشار

"ظاهرة التعدي على الأصول" تبقى مجهولة في غالب الأحيان، بحيث لا تظهر المحاكمات في الغالب الدوافع الحقيقية وراء ارتكاب الأبناء للجرائم في حق الآباء، ولهذا من المستحسن-يقول الأستاذ- أن تعالج هذه القضايا في جلسات سرية للبحث ما وراء القضية لأن هذه الجرائم تمس باستقرار وتَرابط الأسرة الواحدة.

علماء الدين: عقوق الوالدين من أشد المحرمات وأكبر الكبائر

وفي السياق ذاته أشار الدكتور موسى إسماعيل أستاذ الفقه الإسلامي، إلى أن عقوق الوالدين من أشد المحرمات وأكبر الكبائر، ففي الحديث عند البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ". وأضاف محدثنا أن العاق لوالديه ملعون، ففي مسند أحمد والسنن الكبرى للنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ".

وعن الجرائم المرتكبة ضد الآباء والمتعلقة بجنح التهديد والضرب والسب والشتم ضد الأصول يقول الدكتور موسى إسماعيل إلى أن إلحاق الأذى بالوالدين من العقوق، سواء كان قولا أو فعلا، فقد حرم الله على الأبناء أن يقولوا لأحد الوالدين كلمة أف أو أن يلحقوا بهما ضررا فقال: "فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً" (سورة الإسراء: 23).

وتأسف الدكتور موسى إسماعيل على رؤية بعض الأبناء يعاملون آباءهم وأمهاتهم بقسوة وغلظة، ومنهم من يتسبب في بكائهما، وإبكاء الوالدين عقوق وإساءة أدب معهما، فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر يقول: "بُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ وَالْكَبَائِرِ".