منظر غير مألوف في الطرق الكبيرة للمدينة، أشجار نخيل باسقة مصلوبة على قضبان من حديد ومربوطة إلى الأرض بأسلاك حديدية يحاصرها جداران متوازيان من الإسمنت المسلح مغروسة بينهما فوق أرض إسمنتية في حفرة عمقها أقل من متر وعرضها أكثر من متر وهي تستعرض عروق جذرها للمارة، يتراوح طول الواحدة منها مابين ثلاثة أمتار إلى أكثر من ستة أمتار، تزين عاصمة الجزائر، بعضها قادم من أوروبا والبعض الآخر من الصحراء الجزائرية، تتجاوز أسعار النخلة الواحدة المستوردة 60 مليون سنتيم وتصل أسعار المحلية إلى7 ملايين سنتيم، والسؤال المطروح: هل يراد تشجير العاصمة وتجميلها على طريقة العواصم الخليجية لتبقى شاهدة على الذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية أم مجرد استكمال صفقة تجارية دون مراعاة الجوانب العلمية لهذه العملية التي داهمها الشتاء ولم تكتمل بعد؟

المؤقت الدائم

من يطلع على ما كتب عن كيفية غرس أشجار النخيل المثمرة أو المتعلقة بتزيين شوارع المدن يجد أن لها مواصفات خاصة لزرعها، ومنها اختيار النخلة التي يكون عمرها ما بين 3 و4 أعوام على أن يكون وزنها يتراوح ما بين 20 و25 كلغ، وطولها ما بين 1 متر واحد و 1.50م، على أن تكون مساحة الحفرة التي توضع فيها 1م X 1م X 1م، وأن تبتعد كل شجرة عن أخرى بـ5 أمتار، وينصح علماء الزراعة بأن تكون درجة الحرارة أثناء الزرع تتراوح ما بين 32 و38 درجة مئوية، ولها موسم خارج الشتاء والصيف.

أما بالنسبة لأشجار النخيل المثمرة فإن الفلاح الجزائري يترك بينها مسافة 8 أمتار حتى لا يغطي ظل كل واحدة منها الأخرى، ويحيطها بحوض يبتعد عن جذرها ما بين 50 إلى 60 سنتيمترا، وتحتاج النخلة الواحدة إلى 100 لتر من الماء حتى ترتوي، وليس هناك اهتمام حكومي بفلاحة النخيل مما جعل أصحابها يتخلون عنها وأحد هذا التخلي هو نقص آبار المياه وارتفاع سعر كراء ساعات السقي، وصعوبة جني التمور بسبب طول النخلة الذي يصل أحيانا ما بين 20 م إلى30م .

ولو كانت هناك نية لإطالة عمر النخلة حتى يبلغ مئة عام لدى أصحاب المشروع لاحترموا قواعد زراعتها، ولاقتدوا أولوا بمزارع "الكولون" في المدن الكبرى التي ماتزال أشجار النخيل في مداخلها شاهدة على مرورهم، لكن ما ذنب النخيل إذا كانت العاصمة في حاجة اليوم إليه حتى ولو مات غدا، فالمؤقت الدائم ليس في السياسة فقط.

.

النموذج السويسري

حملة القضاء على الأراضي الفلاحية والأشجار ما تزال متواصلة في معظم مدن الجزائر وكأن للسلطة مشكلة مع الطبيعة فحتى المناطق الطبيعية المصنفة عالميا كمتاحف في الطارف والصحراء الجزائرية لم تسلم من هذه الحملة، فهل في الجزائر جمعيات للدفاع عن الطبيعة؟.

في سويسرا، عاصمة الحسابات البنكية السرية لمن تقلدوا مناصب في الجزائر، واجهت فيها السلطات السويسرية 23 شجرة أثناء إنجاز مشروع طريق عمومي فلم تتجرأ على اقتلاعها، وفضلت ا حفر نفق تحتها، تصوروا تكلفة ذلك، لكن للشعب السويسري السيادة التي تحميه وتحمي أشجاره.

وما يحدث في سيدي فرج من تغيير للملامح التاريخية يؤكد حقيقة واحدة وهي أن السلطة لا تريد للجزائر أن تبقى محافظة على تاريخها لأن المشاريع لا تراعي خصوصية هذه المنطقة التي تبقى شاهدة على الغزو الفرنسي للجزائر.

وإذا كانت مسؤولية المحافظة على الطبيعة تقع على كاهل المنتخبين فإن هناك رؤساء بلديات في أوروبا أقاموا خيما أمام بلدياتهم، وأضربوا جوعا من أجل الحصول على ميزانية من الدولة المركزية حتى يتمكنوا من إنجاز المشاريع التي تهم سكانها، ولهذا أنتجت هذه البلديات رؤساء دولة مثل جاك شيراك وغيره.

أما بالنسبة للجزائر فإن البلديات تنتج لنا مافيات مال وعقار والمنتخبين يشترون الأصوات ولا هم لهم سوى الوصول إلى رئاسة المجلس البلدي أو الولائي، وغالبا ما تشتريهم الأحزاب الكبيرة مثلما تشترى الأغنام في المواسم الدينية.

.

عاصمة النخيل "المصلوب"

لا أحد يستطيع أن يعترض على تشجير العاصمة أو تزيينها، فهي مبادرة جديرة بالتنويه، لكنها تفتقد الى الدراسة المتأنية التي تضفي على النخيل هيبة خاصة يجعل الطرق أكثر انشراحا ورونقا ويعطي قيمة فنية وجمالية للمدينة، فالنخلة مباركة في جميع الأديان وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم 20 مرة في 18سورة.

ولعظمة النخلة يشبهها الكثير بالإنسان لأنها تتشكل من ثلاثة أجزاء هي الجذر والجذع المغلف بالألياف والسعف، إنها شجرة لا تتساقط أوراقها وإذا قطع رأسها تموت، ولكن طرقة غرسها في العاصمة تجعلها معرضة للسقوط أمام أول عاصفة قد تمر بها، وتصوروا كيف سيكون مصير العاصمة يومئذ؟