• محامون: الخبرة النفسية ضرورة في قضايا الاعتداء على البراءة
author-picture

icon-writer إلهام بوثلجي

مع التزايد المستمر لجرائم الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الجزائر مؤخرا، يظهر الدور الرئيسي للمختص النفسي في كشف أغلب هذه الجرائم، التي ترتكب في حق الطفولة، أين تبرز هذه الحقائق البشعة في رسومات الأطفال الذين يعتدى عليهم جنسيا، حيث يتحرجون من البوح بما جرى لهم في كثير من الأحيان بسبب الضغوطات الممارسة عليهم من قبل المعتدين عليهم، أو لأن من اعتدى عليهم هو قريب من العائلة، فتراهم يخافون كشف هذه الحقيقة البشعة، والتي تظهر في رسوماتهم على شكل إيحاءات وأشكال توحي بالاعتداء الجنسي عليهم.

تكشف جلسات المحاكم السرية في قضايا الاعتداءات ضد الأطفال أن اكتشاف هذه الجرائم كان في أغلب الأحيان بمحض الصدفة وعن طريق الأخصائي النفساني، وهذا ما حدث في قضية عالجتها محكمة الجنايات بالعاصمة، حيث تم اكتشاف المأساة التي تعرض لها شقيقان، بنت في السابعة وولد في التاسعة من عمره، على يد والدهما الذي تحول إلى وحش بشري يمارس حيوانيته وشهوانيته القذرة على ابنيه دون علم والدتهما، التي لم تشك يوما في سلوك زوجها، إلى أن استدعتها مديرة المدرسة التي يدرس فيها ابنها وأخبرتها عن تغير سلوكه وتدهور مستواه الدراسي بشكل ملفت للانتباه، لتقترح عليها عرضه على طبيب نفسي، وهناك اكتشفت الأم الفاجعة، حيث أخبرها الطبيب بأن ابنها تعرض للاعتداء وأغلب الظن أن من اعتدى عليه جنسيا هو والده، حسب تفسير الرسومات التي رسمها ابنها والتي كشف فيها بكل عفوية ما يدور في لاشعوره وما يخبئه من صدمة لم يستطع البوح بها بعد ما هدده والده بقتله إن أخبر أي شخص آخر. 

وبعد ما تحدثت إليه والدته، كشف لها عن السر، واكتملت صدمتها لما عرفت أن ابنتها الصغرى لم تسلم أيضا من تصرفات وطيش والدها، الذي كان يرغمها على ممارسة المحظور معه. 

الأم رفعت دعوى قضائية ضد زوجها تتهمه بالاعتداء على ولديها بعد ما انفصلت عنه، وتم عرض الطفلين مجددا على المختص النفسي، وتطابقت رسومات الأخ مع شقيقته، والتي تعرضت للاعتداء الجنسي من قبل والدها.

والمشكل في هذه القضية أن المحكمة الجنائية لم تأخذ بعين الاعتبار أدلة الطبيب النفسي ولا التقرير الذي حرره بخصوص رسومات الطفلين، والتي تظهر تفاصيل الاعتداء الجنسي ضدهما.

.

الاستعانة بالطبيب النفسي لتفسير تعبيرات الأطفال

وفي الموضوع، يرى المحامي والأستاذ بكلية الحقوق ببن عكنون، إبراهيم بهلولي، بأنه يجب إعادة النظر في طريقة معالجة مثل هذه القضايا المتعلقة بالاعتداءات على الأطفال، خاصة إذا كانت في الوسط العائلي، حيث يجب الاعتماد على خبرة المختصين النفسانيين في مثل هذه القضايا المتعلقة بالاعتداءات الجنسية ضد الأطفال، باعتبار أن هذه الجرائم لها آثار نفسية وخيمة على شخصية الطفل.

وأكد الأستاذ بهلولي على أن القانون الجزائري لا توجد فيه نصوص صريحة تلزم القاضي الاستعانة بالطبيب النفساني، معتبرا أنه في القضايا الخاصة بالاعتداءات الجنسية غالبا ما يتم الاستعانة بخبير بعد الحكم لتقييم الضرر المادي وقيمته، فيما يتم إغفال وإهمال الضرر النفسي، وغالبا ما تكون الخبرة صادرة عن الطبيب الشرعي، ولذا فإن الحكم في مثل هذه القضايا يبنى فقط على الأدلة المادية وخبرة الطبيب الشرعي، الذي قد لا يتوصل إلى إثبات الفعل، وهذا ما حصل، يقول المحامي، في قضية الاعتداء الجنسي التي تعرض لها طفلان على يد والدهما، حيث برأته المحكمة الجنائية، رغم تقديم رسومات الطفلين وتقرير الطبيب النفسي الذي أثبت تعرضهما للاعتداء الجنسي.

وفي السياق ذاته، أكد المحامي بهلولي على أن المحاكم مازالت الى حد الآن لا تعترف بالطب النفسي، وتحكم فقط على الملف والأدلة المادية، خاصة وأن أغلب الجزائريين لا يفرقون بين الطبيب النفسي وطبيب الأمراض العقلية، ولديهم عقدة من الطبيب النفساني.

.

الرسومات.. تعبير بريء عن المكبوتات

هذا، واعتبرت الأخصائية النفسانية، بوقاسي وردة، في حديثها لـ"الشروق"، أن الطفل الصغير من طبيعته عجزه عن التعبير عن الصدمة التي حدثت له، خاصة إذا تعلق الأمر باعتداء جنسي من قبل قريب له أو أي شخص آخر من محيطه، لذا فالطفل الصغير يعبر عن طريق الرسومات التي يرسمها عن اللاشعور وعن ما جرى له بطريقة إسقاطية، وهنا يتفطن الطبيب النفسي من خلال قراءته لمعاني الرسومات لما حصل للطفل ويخبر والديه للتحقق من الأمر والتحرك.

وأضافت الأستاذة بوقاسي بأن الطفل ضحية الاعتداء الجنسي لما يكون تحت وقع الصدمة، فلا يمكنه الكلام والبوح بذلك، وأفضل طريقة يعبر فيها الطفل عن نفسه تكمن في منحه ورقة وقلما ليرسم كل ما لا يستطيع أن يقوله صراحة، ومن أهم الرموز التي تدل على وجود صدمة لدى الطفل نجد استخدامه اللون الأحمر بكثرة، وكذا رسومات تحاكي الاعتداء الجنسي، أي أن الطفل يعيد مشهد الاعتداء عن طريق رسمه، ولذا فاختبار الرسومات - تقول المختصة النفسانية - هو من أهم الاختبارات التي يمكن من خلالها اكتشاف الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال، والطبيب النفسي بتحليله لتلك الرسومات يستطيع معرفة نوع الصدمة التي تعرض لها الطفل وشدتها، خاصة أن الأطفال لا يمكنهم التعبير عما يحدث لهم مثل الراشدين أو الدفاع عن أنفسهم ووسيلتهم الوحيدة هي البكاء أو الرسم.

وفي سياق متصل، أعابت المختصة النفسية بوقاسي على القانون الجزائري الذي لا يستعين بالمختصين النفسانيين في مثل هذه القضايا المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال، أين يصاب هؤلاء بالصدمة النفسية ولا يستطيع تشخيص حالتهم إلا المختص النفسي الذي بإمكانه أن يساعد العدالة لتطبيق القانون، خاصة أن الاعتداءات الجنسية أنواع، فمنها الاعتداء اللفظي والملامسات التي لا يمكن إثباتها عن طريق الطب الشرعي، أو الصور الخليعة وصولا إلى الاعتداء الجنسي الكامل والبالغ الضرر.

وأضافت محدثتنا بأن رسومات الأطفال تعتبر تشخيصية وعلاجية، حيث بإمكان الطفل أن يخرج جميع المكبوتات ولديه مساحة للتعبير عن كل ما حصل له وما يشكل له عقدا نفسية، ومن خلال رسم العائلة -تقول المختصة النفسانية- نستطيع اكتشاف العلاقة المتوترة مع الأب مثلا، وهذا عندما لا يرسم الطفل والده في الصورة أو يصوره بشكل عملاق وكبير أو على شكل وحش أو يرسمه بطريقة مشوهة وغيرها من التعبيرات التي تكشف معاناة هذا الطفل في عائلته.