ماننتظره من اللجنة الوطنية للمناهج

date 2016/10/06 views 1938 comments 20

إن اللجنة الوطنية للمناهج هي الهيئة العلمية التربوية التي شكلتها الوزارة في المستوى المركزي لممارسة مهام التفكير والبحث في المسائل الفكرية والعلمية المتعلقة بتحديد أنواع المعارف وأنماط المهارات الفكرية والسلوكية التي تلقن للأطفال المستعلمين في كل مستوى من مستويات التعليم التي يتابعونها في المدرسة، وهذه الهيئة تتألف عادة من عدد من الإطارات والأساتذة الملمّين بالفكر التربوي ومن العلماء المختصين في مختلف المعارف التي يتطلبها وضع المناهج وتصميم المحتويات العلمية، وتستلزمها منهجية التعامل مع المتعلمين ومع أساليب التلقين المعرفي.

وتمارس هذه الهيئة مهامها المحددة لها وفق الخطة التربوية التي تتبعها الوزارة، وقد تستعين ببعض الخبراء من خارج الوزارة على أن تستلهم في كل خطة تخطوها في بناء المناهج ما تريده الأمة، وما تعبر عنه السياسة التعليمية التي تحدد وجهتها في مجال تنظيم التعليم وتحديد الأهداف وترقية المجتمع، ومن ثم فأساس تحمل هذه اللجنة هو أن تنطلق من العمل على الاستجابة لاهتمامات المجتمع وتطلعاته، ومن الإجابة عن التساؤلات التي تطرحها سياسة التعليم، ماذا تعلّم؟ ومتى تعلّم؟ وكيف تعلّم؟ والغاية من هذه التساؤلات أن نحدد نوع المعلومات ونضبط أسس بناء المناهج، ونجعلها مسايرة لحاجات الأجيال واهتماماتهم في مجال بناء الفكر واكتساب المعرفة وإشباع الحاجات العاطفية والفكرية في الحاضر والمستقبل.

هذه هي الصورة التي يجب أن تشكّل على أساسها هذه اللجنة التي ينتظر المجتمع منها أن تواكب التطور المعرفي والمستجدات العلمية، وتساير في أعمالها ما تنتظره الأمة وتلح في الدعوة إليه في مجال صناعة المجتمع المتعلم وبناء الأفراد الواعين بحقيقة وجودهم.

إن ما ينتظره المجتمع من عمل اللجنة الوطنية للمناهج هو أن يكون العمل الذي تضطلع به مبنيا على أساس علمي وتربوي، أي لابد أن تنطلق في عملها مما يقره العلم وتؤسسه الأبحاث التربوية، ويعني هذا أنها تتجنب الآراء الشخصية والقناعات الذاتية التي لا تستند إلى العلم، بحيث تسعى إلى الالتزام بكل ما من شأنه أن يستجيب لإرادة الأمة ولما تتطلع إليه، في مجال تحديد المحتويات المعرفية والقيم السلوكية والتوجهات الفكرية التي نقدمها للمتعلمين، والتي يجب أن تراعى في كل جهد يوجه لتربية الأجيال وتنمية أفكارهم وبناء شخصياتهم، ليكونوا في المستوى الذي تحدده السياسة التعليمية.

ولكي تستطيع لجنة المناهج أن تضطلع بعملها وفق ما ينتظر منها يجب أن تلتزم في كل خطوة تخطوها بإنجاز ما يوافق الحقائق العلمية ويساير التفكير المنطقي في مجال ضبط المستويات المعرفية وتنظيم الحقائق، وتحديد الأساليب التي تراعي النمو النفسي والفكري للمتعلمين وتتلاءم مع حاجاتهم واهتماماتهم، وتساير قدراتهم.

ولابد أن تكون المعلومات والأفكار المختارة مستخلصة مما توحي به حقيقة التعلم ومنسجمة مع طبيعة المتعلم ومستوى إدراكاته، ومتناغمة مع حقائق العصر الذي يعيشه المتعلمون، وليكون المنهج الذي تسير عليه اللجنة مقبولا لابد أن تستلهم فيه مبادئ سياسة الأمة وفلسفتها في مجال تحديد نوع المعارف التي يتوجه الاهتمام إليها والأهداف المتوخاة من هذه المعارف، ومن أهم ما ينبغي أن تلتفت إليه هذه اللجنة هو أن تتجاوز الأخطاء التي ارتكبتها الوزارة في الفترة السابقة والتي بيّنها تحليل الوضع.

ولكن المشكلة التي تواجه هذه اللجنة هي أنها تتلقى التعليمات المفروضة مما يراه المسؤول عن الوزارة حتى ولو كانت اللجنة غير موافقة علميا على ذلك، وهذا ما لمسناه في تفكير اللجنة، فاللجنة بناء على ذلك لا تستلهم أفكارها من خارج هذه الرؤية المحددة لها، لأنها لا تجد منطلقا فكريا تعتمده في ضبط سياسة عملها، لأن النص التشريعي لا يتيح لها أن تكون غير خاضعة في كل ما تقوم به إلى رأي آخر غير رأي المسؤول الأول عن الوزارة، فهو الذي يحدد ما يجب أن يتم الانطلاق منه، ثم إن هذه اللجنة ليس لها اتصال علمي بهيئات علمية خارج الوزارة، أو بمراكز أبحاث تقتبس منها بعض الآراء العلمية أو التربوية التي تتلاءم مع واقعنا 

 

بعض الاشكالات التي تواجه اللجنة في عملها

إن أهم إشكال يطرح أمام هذه اللجنة ويجعلنا نتحفظ على ما تقوّم به وتنوي فعله في هذه الأيام، هو أنها هي التي كانت المسؤولة عما أحدثته الوزارة من تغييرات في الفترة السابقة، فهي التي كانت وراء القرارات التي تم تنفيذها منذ بداية 2003 تلك القرارات التي أسمتها الوزارة بعمليات الإصلاح واليوم تتجه اللجنة وتتجه معها الوزيرة لنقد تلك الإجراءات والأوضاع التي يرونها الآن بأنها غير سليمة، وبأن ماتم في تلك الفترة لم يقم على أساس علمي، ولهذا أصبحت غير ملائمة، مما دفع الوزارة اليوم للدعوة إلى تصحيحها ومراجعتها وإقرار مناهج بديلة، فإذا كانت هذه اللجنة هي التي كانت وراء ماتم من تغيير، فكيف تصبح هذه اللجنة اليوم مؤهلة لإصلاح الإصلاح، وتغيير ما أظهره النقد بأنه غير صالح، ألا يكون هذا مدعاة إلى الشك في قيمة الفكرة التي بنت عليها الوزارة نقدها؟ وهل ما ستقوم به يكون خاليا من الأخطاء التي وقعت فيها اللجنة في السابق.

قد يقول قائل، إن اللجنة اليوم قد دخلها دم جديد وألحقت بها عناصر جديدة، ولكن القيادة هي القيادة لم تتغير، اللهم إذا كانت فكرة المسؤول الأول هي التي تعتمد وليس رأي اللجنة، وما كان بالأمس يرجع إلى فكرة المسؤول السابق (بن بوزيد).

هذا إشكال، وهناك إشكال آخر، يجعلنا نتحفظ كذلك على عمل هذه اللجنة لأن الأمر الملاحظ هو أن ما نلمسه في قرارات هذه اللجنة مخالف لما يقره العلم، وتؤكده الأبحاث التربوية، من ذلك حرصها على إقرار فكرة الجيل الثاني من المناهج، وقد بينا في تحليلات سابقة أن هذه الفكرة (فكرة الجيل الثاني) لا أساس لها، علميا ولا تربويا، لأن الغاية التي يتوخاها المنادون بها هي تجديد المناهج أو تجديد طريقة التناول المحتويات.

فلماذا نترك هذا الاستعمال ونأتي باستعمال آخر، مع أن ما نسعى إليه لا يطرح فكرة الأجيال في المناهج، إنما يتجه إلى تحسين أسلوب تناول المحتوى، وترتيب هذا الجيل في الرتبة الثانية يعني أن ما قبله هو الجيل الأول، ولكن هذا الجيل لم تحدد الفترة التي تلائمه، وحسب الشروح التي استعمنا إليها يصبح الجيل الأول هو ما تم العمل به في عهد بن بوزيد أي بداية من سنة 2003 وهذا هو الجيل الذي تنوي الوزارة تعويضه وتصحيحه، وهذا التحليل لا يقبله العقل، ولا ينسجم مع الحقيقة، لأن القول بهذا يلغي كل المناهج التي تم العمل بها قبل سنة 2000.

وهناك إشكال ثالث: يجعلنا نرفض ما ذكرته اللجنة ونتحفظ عليه لأن موضوع هذا الإشكال هو تجديد اللجنة لأطوار التعلم التي يتدرج فيها المتعلم فما ذكرته اللجنة في تعريفها للأطوار، لانجد له تفسيرا علميا ولا تربويا بحيث تجعل أطوار التعلم في المرحلة الإلزامية ستة أطوار: ثلاثة في الابتدائي وثلاثة في المتوسط، ومدة كل طور تختلف. ففي الابتدائي نجد الطور الأول وتمثله السنتان: الأولى والثانية ونجد الطور الثاني وتمثله السنتان: الثالثة والرابعة: ونجد الطور الثالث وتمثله سنة واحدة هي السنة الخامسة: فاعتبار السنة الخامسة طورا لا معنى له علميا، وكذلك جعل السنة الأولى من التعليم المتوسط طورا ومثلها السنة الرابعة الأخيرة، فهذا التقسيم لا يعبر عن حقيقة الطور، فالطور هو فترة تعليمية تلائم فترة نمو خصائص المتعلم وفق ما تنص عليه قواعد علم النفس، ثم ماهو المعنى الذي ندركه من جعل فترة سنة يقضيها المتعلم طورا، وكذلك فترة سنتين؟

فعلماء النفس يعتبرون الطور منسجما مع أطوار الطفولة وأطوار الطفولة تتميز بخصائص معينة، وهذه الخصائص لا تميزها سنة واحدة، ففترة الطفولة المبكرة لها خصائصها وفترة الطفولة المتأخرة لها خصائصها، وبعدها تأتي فترة المراهقة ولها خصائصها أيضا، وهذا ما درجنا عليه في تقسيم الأطوار في فترة التعليم الأساسي.

إن جعل مرحلة التعليم الإلزامي تتشكل في أطوار ستة، لا نجد لها سببا وجيها ومقبولا، لذا يجب أن يعاد النظر في تحديد الأطوار.

ومن الإشكالات التي لم نجد لها تفسير هو القرار الذي اتخذته الوزارة وسارت عليه لجنة المناهج، وهو تجميع المواد المقررة في السنة الأولى في كتاب واحد، نتساءل: ماهو الدافع الذي جعل اللجنة توافق على هذه الفكرة؟ هل السبب هو تخفيف محتويات المحفظة، وهذا يمكن تحقيقه بدون عملية تجميع المواد في كتاب واحد، فالحل هو إلغاء الكتب الثلاثة المقررة في السنة الأولى وهي: كتاب التربية الإسلامية وكتاب التربية المدنية وكتاب التربية العلمية لأن وجودها مع التلميذ لا معنى له لأنه يجهل القراءة كما أن مضمونها يفوق قدرات الأطفال، فمن الأفضل تأجيل تعليمها، والذي يبقى ضمن المقررات هو: القراءة والكتابة والحساب، وهذه هي المواد التي يمكن إدراجها في كتاب واحد، ومع ذلك نفضل أن يكون كتاب القراءة مفصولا عن كتب الحساب، لأننا نفضل أن يشمل كتاب القراءة عددا من التمارين والرسوم وبعض الأشكال التي تدرج ضمن ألعاب القراءة.

والأمر نفسه بالنسبة إلى كتاب الحساب، نضيف إليه عددا من التمارين والرسوم وبعض الأشكال الكتابية التي تدرب فكر التلميذ وتنمي ذكاءه.

 

الإشكال الخامس

وهنا مشكلة أخرى جعلتنا ننظر إلى عمل اللجنة على أنه عمل غير مدروس علميا ولا ينسجم مع سير المناهج التعليمية، ويتعلق الأمر بتجديد كتب السنة الأولى من التعليم المتوسط، وهذا التجديد الذي حدد له بداية الموسم الدراسي القادم، والذي يدعو إلى الاستغراب هو لماذا هذا التجديد المبكر، فالتلاميذ الذين يوضع بين أيديهم هذه الكتاب مايزالون يدرسون المناهج القديمة، فما هو الدافع إلى ذلك؟، إننا لانستطيع أن نجد مسوغا لهذا العمل الذي تنموي الوزارة الإقدام عليه قبل أن يصل تلاميذ المرحلة الابتدائية إلى هذا المستوى، إن تجديد الكتب سبقه تجديد المناهج وتجديد المناهج لايتم إلا إذا تم التجديد في المرحلة السابقة حتى يكون التدرج طبيعيا، وتجديد كتب السنة الأولى من التعليم المتوسط قبل أن تجدد كتب المرحلة الابتدائية سابق لأوانه، ثم ماهي الفائدة التي نجنيها من استباق الأحداث؟ فلماذا لا ننتظر حتى يصل تلاميذ المرحلة الابتدائية إلى السنة الخامسة، وعندها نشرع في تهيئة الكتب التي تقدم للأطفال الذين سينقلون إلى المتوسط؟!

إن فكرة تجديد الكتب قبل أن يصل وقتها لاتدل على وجود فكرة تربوية مقبولة، وكل ما تدل عليه هو أن الوزارة تريد أن تنتهي من تجديد المناهج وتجديد الكتب في ظرف ثلاث سنوات أو أربع، بحيث يكون هناك توازن بين المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة، ولكن الذي سنفاجأ به هو أن يبقى الفراغ بين المرحلتين بارزا ويبقى التلاحم بين المناهج ناقصا.

  • print