...هل حقق الإسلاميون في المغرب الاستثناء؟

date 2016/10/09 views 2713 comments 0

رئيس الوزراء المغربي ذو التوجه الإسلامي عبد الإله بن كيران يحتفل بفوز حزبه العدالة والتنمية بالانتخابات التشريعية في المغرب حسب بيان لوزارة الداخلية المغربية.. فلقد تبين فوز حزب العدالة والتنمية برئاسة رئيس الوزراء الحالي عبد الإله بن كيران بـ 125 مقعد مقابل 102 من المقاعد لمنافسه حزب الأصالة والمعاصرة، وقال حزب العدالة والتنمية "إن فوزه بدورة ثانية سيسمح له بالمضي قدما في تنفيذ إصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية".

في هذه التجربة يسجل الإسلاميون المغاربة فوزا بعد فوزهم الأول أي مواصلة للتقدم وذلك بعد إخفاقات متوالية في أكثر من مكان مني بها الإسلاميون العرب، فلقد سبق أن وصلوا إلى رئاسة الحكم والبرلمان في مصر، ثم أمسوا خارجه، وفي تونس تراجعوا خطوات كثيرة وتنازلوا عن بعض مواقفهم ومبادئهم السياسية والفكرية ومازال وضعهم يتأرجح، وفي قطاع غزة أعلن السيد خالد مشعل عن خطأ تفردهم بالسلطة والحكومة.. في ليبيا تتم محاصرتهم إقليميا ودوليا حتى عادوا قوة محدودة تفقد من نفوذها يوما بعد يوم.. بمعنى آخر ان ردة حساب للربيع العربي تكشف ان الإسلاميين الذين بدوا في موجات الربيع الأولى أنهم هم القوة الأساسية والتي كانت جسم العمل التغييري انتهت في أواخر موجات الربيع العربي إلى إخفاقات وتراجعات وانسحاب من المشهد إما اختياريا تحت وقع الحسابات كما حصل بتونس او تحت عجلات الدبابات كما حصل في مصر او تحت ضائقة الحصار والجوع والضنك كما حصل في غزة.. فأين نضع تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي؟

ولعله من المفيد فهم جوهر الوضع في المغرب، حيث تم تقدم حزب العدالة بفوز كبير.. فهل ترك النظام الباب مفتوحا لمرور الإسلاميين ؟ من هنا لابد من الإسراع للتأكيد بأن الإسلاميين المغاربة لم ينهجوا سبيل الثورة لتغيير النظام السياسي ولا تغيير شخص الملك كما حصل في تونس ومصر، ولكنهم قبلوا برضاء النفس ان يبقى الملك هو سيد البلاد وهو على الرغم من تخليه عن بعض سلطاته كجزء من الإصلاحات الدستورية، إلا انه مازال أقوى شخصية في البلاد وهو الذي يختار رئيس الوزراء من الحزب الفائز بالانتخابات.. ويرأس الملك المجلس القضائي والجهاز الأمني، كما أن بعض المناصب الرئيسية مثل وزير الداخلية يشغلها تكنوقراط يعينهم الملك.. وهكذا يبدو ان النظام الملكي يجدد ثوبه كلما أحس أن به بلى.

والإسلاميون المغاربة يدركون ذلك كله ويدركون ان المصالح الجوهرية في الدولة إنما هي بيد الملك والقصر الملكي من تجارة خاصة وعلاقات سياسية مع الدول ومواقف سياسية تجاه القضايا الرئيسية في الحرب والسلم ومن هنا لا يبالغ الإسلاميون المغاربة في أهدافهم إنما هم يحاولون كل المحاولة الإصلاح في نظام الملك لتقويته وتحسينه.. وكما قال بنكيران: "أثبت حزب العدالة والتنمية اليوم أن طريق الفوز في الانتخابات يتمثل في  أن تكون جادا وصادقا وتكون مخلصا للمؤسسات، وللملك على وجه الخصوص".

من هنا يطرح الموضوع من جديد ماذا تبقى للإسلاميين في العمل السياسي وما يحملون من مضامين وعناوين للحرية السياسية والعدالة الاجتماعية ولنظام الشورى والمؤسسات، فهل أصبح الحكم في ذاته مبررا للتنازل عن الرسالة وأفكارها وأخلاقها وقيمها؟ وهنا تظهر من جديد أزمة الوعي السياسي وأزمة الإدراك الاجتماعي، حيث من الواضح ان العدالة والتنمية في المغرب ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بقضايا الفرد والمجتمع في معركة الوجود الدائرة.

بعد تجربة تونس المتأرجحة وتجربة المغرب الواضحة، لم يعد هناك مسوغ للحديث عن مشروع إسلامي قائم في شقه السياسي على الشورى وفي شقه الاجتماعي على العدالة الاجتماعية، بل أصبحت الحركات في بعض الأماكن مكرسة للنظام العلماني او الليبرالي التبعي مزينة له ومغطية وقائع فساد رهيب..

لم يكن فوز بنكيران في المغرب فوزا للمشروع الإسلامي، بل تكريسا لفلسفة الوراثة والحكم المتمركز في عائلة وتكريسا للنظام الاجتماعي.. وهو لعب مسموح به مادام يقبع بعيدا عن المساس بعناصر الخلل الجوهرية.. فهم ان قبلوا الفوز المتكرر لأردوغان فلأنه لم يفكر بالتحرر من الحلف الأطلسي، وإن سمحوا لبن كيران بالفوز فلأنه لم يفكر بالمساس أبدا بسياسات المغرب الإقليمية والدولية ولا بطبيعة تركيبة النظام.. وهكذا يتجه بعض دعاة المشروع الإسلامي السياسي إلى ان يبتعدوا شيئا فشيئا عن مبادئ الإسلام السياسي والتي تتجلى في أروع صورها في الشورى وعدم التورط في أحلاف يسيرها عدو الأمة وفي التصدي للظالمين أعداء الأمة.. تولانا الله برحمته.

  • print