أحزاب ونواب يدافعون عن خيارات الحكومة وآخرون يحذرون

40 بالمائة من أجور الجزائريين ستبتلعها الضرائب الجديدة!

date 2016/11/16 views 28470 comments 36
  • مواصلة تجميد المشاريع إلى غاية تعافي أسعار النفط
author-picture

icon-writer محمد مسلم / إيمان كيموش / إيمان عويمر

فجّر مشروع قانون المالية لسنة 2017، جملة من التساؤلات عن مدى وجاهة البنود والقرارات التي ضمنتها الحكومة في هذا القانون. فالكثير من المراقبين يجمعون على أنها (الحكومة) أثقلت كاهل المواطن بالكثير من الرسوم والأعباء الضريبية.. البعض اعتبر هذه التدابير "اتكاء" من الجهاز التنفيذي على الفئات الهشة من الجزائريين، لتغطية العجز المسجل في الميزانية، في حين تجاهلت "الحوت الكبير" وما أكثرهم، وهم الذين يتعيّن عليهم رد الجميل للدولة والشعب في الأوقات الصعبة، طالما أنهم غرفوا كثيرا من البنوك وحصلوا على تسهيلات وامتيازات من مصالح الضرائب وغيرها.. البعض الآخر من المتابعين ينظر إلى هذه القضية من باب آخر، وهي أن الحكومة حمّلت فشلها في تسيير دواليب الدولة في زمن طفرة أسعار النفط، للمواطن من خلال "تدفيعه" عجز الخزينة بعد اشتداد الأزمة.. فما مدى جدية هذه القراءات؟ وهل ما قامت به الحكومة من تدابير في غير صالح الفئات الهشة كان شرا لا بد منه؟ أم أنها لجأت إلى الحلول السهلة بدل التفكير في الحلول الجذرية؟ وهل قانون المالية الجديد فرض على أصحاب الأموال والأجور "المتضخمة" ما يوازي ما حصلوا عليه من امتيازات وتسهيلات؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عنها.

 

أنهكت الفئات الهشة وتجاهلت ذوي الأجور المنتفخة

هل قررت الحكومة مراجعة سياستها الاجتماعية؟

يصف بعض المتشائمين مشروع قانون المالية لسنة 2017، بأنه "قانون حرب" على جيوب الفئات الهشة في المجتمع. فالمشروع تضمن أعباء جديدة في صورة رسوم وزيادات في أسعار بعض المواد واسعة الاستهلاك، رافقها تخفيض الدولة اعتمادات كانت مخصصة لدعم أسعار مواد استهلاكية واسعة..

مبرر الحكومة في إقرار هذه الأعباء، بحسب مختلف رموزها، هو مساهمة المواطن في تغطية العجز الحاصل على مستوى الخزينة، التي تبقى تابعة بشكل شبه كامل، لقطاع المحروقات الذي يشهد تدهورا كبيرا في الأسعار.

بعض ما تضمنه مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، ينذر بقدوم أيام صعبة على الفئات الهشة في المجتمع، فكتلة رواتب الموظفين ستنخفض خلال العام المقبل بنحو 60 مليار دينار، وهو رقم معتبر ستكون له تداعيات من دون شك على جيب المواطن.

الجزائريون سيخسرون أيضا اعتمادات كانت تصرف بعنوان المؤسسات المعنية بضمان توفير المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع، مثل الديوان الوطني المهني للحبوب، حيث تقرر تخفيض مساهمة الدولة في الديوان بنحو 11.7 بالمائة.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل قررت الحكومة مراجعة أسعار بعض المواد ذات الاستهلاك الواسع المسقفة، مثل دقيق القمح بنوعيه الصلب واللين والخبز..؟

القرار بتخفيض مخصصات المؤسسات العمومية الموجهة إلى تغطية الخدمة العمومية في قطاعات حساسة، مثل الصحة والاتصال والنقل والتضامن، يدفع أيضا إلى التساؤل عن مصير الخدمات المجانية التي أخذت الدولة على عاتقها ضمانها.

القانون تضمن أيضا أعباء إضافية، فهناك مواد تؤكد رفع الرسم على القيمة المضافة، فضلا عن الزيادة في بعض الرسوم المفروضة على البنايات والسكنات الفردية والرخص العقارية، ويبقى الرفع من أسعار الوقود من بين الأعباء التي ستلقي بثقلها على المواطن، لأن أسعار الوقود شهدت زيادات معتبرة في قانون المالية للعام الجاري، ما يجعها غير مبررة وغير عقلانية، برأي خبراء، فضلا عن أن هناك رسوما أخرى فرضت على الأجهزة الكهرومنزلية ذات الاستهلاك الطاقوي المرتفع، بحسب نص المشروع.

وإن كانت الزيادة في الرسوم المطبقة على المواد الاستهلاكية مثل التبغ وبعض المواد الكمالية، تبدو مبررة، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لمَ لم تمتد هذه الرسوم إلى الخمور؟ وفي السياق ذاته، من شأن تخفيض الدولة اعتماداتها المخصصة بعنوان الآليات المعنية بتوفير الشغل، بنحو 5.7 بالمائة، أن يحد من وتيرة توفير فرص العمل، ما يعني بالنتيجة التحاق أرقام جديدة بفئة البطالين.

من بين النقاط التي تستدعي التوقف عندها، لمَ لم تفكر الحكومة في إعفاء ذوي الدخل الضعيف من الرسوم المفروضة التي قد تلتهم ما يقارب نصف الأجرة، والسؤال هنا يتعلق على الأقل، بالفئات التي يقل أو يساوي أجرها مليوني سنتيم؟

كما أن اعتراف وزير المالية، حاجي بابا عمي، بوجود ثغرة في تحصيل الضريبة تقدر بنحو ألف مليار سنتيم، يدفع إلى التساؤل عن خلفية عدم قدرة الجهاز الضريبي المدعوم بالقوة القاهرة للدولة، على تحصيل تلك الأموال، والدفع بها إلى مواجهة العجز الحاصل على مستوى الخزينة، على الأقل للتقليل من ثقل الأعباء المفروضة على الفئات الهشة؟

والغريب في الأمر، أن معدي مشروع قانون المالية الذي أثقل كاهل الفئات المسحوقة، لم يلتفت إلى أصحاب الأجور المنتفخة من وزراء ونواب وكبار مسؤولي المؤسسات العمومية، إن بالتخفيض أم بفرض رسوم عليها، ولو من باب التضامن مع الدولة والشعب اللذين مكناهم..

ومما سبق، يمكن القول إن الحكومة لجأت إلى الحلول السهلة لمواجهة الأزمة الاقتصادية المتأتية من انهيار أسعار النفط. توجه يعني من بين ما يعنيه أن الحكومة قررت "تدفيع" المواطن ثمن عثراتها في التسيير طوال أزيد من عشرية من الزمن، وعدم استغلالها تلك الطفرة في إرساء اقتصاد قوي متحرر من التبعية للمحروقات وهي الغاية التي وضعت هدفا لكنها لم تتحقق.

 

رئيس كتلة التكتل الأخضر السابق نعمان لعور

الحكومة اختارت الحلول السهلة.. ومن الظلم سحق الفئات الهشة 

يصف البعض مشروع قانون المالية 2017 بـ"قانون حرب على جيب المواطن"، ما تعليقكم؟

لا يمكنني أن أصف هذا القانون بكلمة "حرب"، أعتقد أن ذلك تهويل لما تضمنه المشروع، إلا أني بالمقابل لا أنكر أن الحكومة تحمّل في كل مرة المواطن ثمن فشلها في التسيير، حيث لجأت إلى زيادات مبطنة بدل زيادات واضحة، على غرار رفع الضريبة عن القيمة المضافة للسلع الأساسية بـ20 بالمائة، ففي نظري، المواطن الذي يدفع 20 بالمائة ضريبة على الدخل و20 بالمائة رسما على القيمة المضافة، سيكون مضطرا إلى دفع 40 بالمائة من راتبه في خزينة الدولة، ولا يمكن غض البصر اليوم عن الأشخاص الذين يتقاضون راتبا لا يزيد عن 20 ألف دينار، وبالتالي، فإن ما يتضمنه مشروع هذا القانون الموجود اليوم على طاولة النواب قاس جدا، حتى إن لم تكن الزيادات فيه واضحة مثلما حصل السنة الماضية في تسعيرة الكهرباء والوقود.

ألا ترى أن الحكومة لجأت إلى الحل السهل، بدل البحث عن حلول أخرى أكثر ديمومة؟ وهل هي موجودة؟ وما هي؟

نعم.. تيقنوا من أن الحكومة اختارت اللجوء إلى الحلول السهلة بدل الركض وراء حلول صعبة التطبيق، فهي تفضل أن تنتزع المال من جيب المواطن البسيط بدل فتح باب الصراع مع البارونات ورجال المال والأعمال، وهنا الجميع يعلم أن الحلول الحقيقية واضحة، على غرار جلب الضرائب من جيوب كبار التجار، فوزارة المالية تعترف بوجود 1000 مليار سنتيم تهرب ضريبي، أين هي العدالة والمساواة في دفع الضريبة؟

كما أطرح السؤال، لمَ تغمض الحكومة عينيها عن إلزامية الفوترة، والقضاء على السوق الموازية، رغم أن مثل هذا الخيار سيضخ ملايير الدينارات في خزينة الدولة، فهناك فئات تستفيد من الدعم لكن لا تدفع الضرائب والرسوم على غرار الفلاحين؟ وهذا الحل سبق طرحه في العديد من المرات منذ سنة 2011 إلا أنه لم يطبق، كما أن أحد الحلول لم تلجأ إليه الحكومة هو المكافحة الجدية للفساد، فمثل هذه الخطوة ستحقق مداخيل كبيرة لا تعد ولا تحصى، دون أن ننسى ترشيد النفقات والابتعاد عن التبذير، فعلى سبيل المثال لم لا يلتزم أصحاب السكنات الوظيفية بدفع رسوم الكهرباء والغاز؟ وعمال سونالغاز، لماذا يستفيدون من الكهرباء مجانا؟ كل ذلك يضعنا أمام فجوة مالية كبيرة سببها عدم ترشيد النفقات.

عندما نتحدث عن قانون بهذه المواصفات.. ما تداعياته على المجتمع والدولة؟

قد تكون هنالك تداعيات لا شك في ذلك، لكن ما يهمنا اليوم هو استقرار الوطن، لذلك نحن ننادي بحلول منطقية والابتعاد عن الاغتراف في كل مرة من جيب المواطن، لتعويض خسائر أزمة النفط، حتى لا تحدث أمور لا تحمد عقباها، لا نريد الوقوع في مثل هذه السيناريوهات السوداء، غير أن المسؤولين اليوم يدفعون الوضع إلى الانفجار الاجتماعي وهذا ما نتخوف منه.

ما وصلنا إليه اليوم من عجز في الخزينة والموازين التجارية والمدفوعات، هل هو حتمية أم كان بالإمكان تفاديه؟

لا يمكن القول إن ما وصلت إليه خزينة الدولة اليوم من عجز كان حتمية، لأن السبب فيما نعيشه اليوم ليس نقص مداخيل البترول، وإنما مرده إلى سوء التسيير وعدم وجود رجال أكفاء، وغياب الصرامة في العمل واعتماد مبدإ الاشتغال بالموالاة، فالمشكل بالنسبة إلي، هو عجز في التسيير، والدليل على ذلك هو أن هناك دولا أخرى لا تملك إمكاناتنا وثرواتنا إلا أنها بالمقابل لا تعيش أي عجز، سواء كان مرتبطا بالتسيير، أم بالسياسات المتبعة، فالأزمة في الجزائر مردها إلى غياب دراسات استشرافية، وهنا أضرب مثالا بما حدث في الحجار، حينما خوصصته الحكومة ثم استردته ثم هي اليوم تبحث خيار خوصصته من جديد، بعد هدر ملايير الدولارات، دون أن تكشف عن حقيقة ما جنته من العملية.

 

عضو لجنة المالية بالمجلس الشعبي الوطني عبد الكريم منصوري

الحكومة  لن تتخلى عن الفقراء وتتعامل بذكاء مع رجال الأعمال!

جاءت الأعباء الجديدة التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2017، لتضاف إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطن.. ألا تعتقدون أن هذا معقولا ومبررا؟

في ظل الوضعية المالية الحالية التي تمر بها الجزائر والمتميزة بانخفاض الإيرادات وعجز في الميزانية، ولذلك يبقى استدراك العجز حلا واقعيا ومناسبا يكمن في اعتماد الجباية العادية، كسياسة لضبط الاقتصاد الوطني، وتتمثل في فرض بعض الرسوم الإضافية أو رفع قيمة الضرائب الموجودة حاليا بنسبة طفيفة، وهو ما حدث في مشروع قانون المالية لسنة 2017.

وفي اعتقادي بدل الذهاب إلى الاستدانة الخارجية وتفادي الوقوع في كماشة صندوق النقد الدولي، وقد مرت علينا تلك التجربة التي كلفتنا الكثير ولازلنا ندفع فاتورتها إلى غاية اليوم، بتدهور قيمة الدينار وغلق المؤسسات وتسريح آلاف العمال وفرض تنازلات، لجأت الحكومة إلى فرض رسوم وضرائب مع المحافظة من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2017، على الدعم الاجتماعي للطبقة المعوزة بتخصيص ما قيمته 1630.8 مليار دينار لدعم المواد الأكثر استهلاكا ولبناء السكنات، ومواصلة التعليم والعلاج المجاني للأسر المعوزة.

برأيكم هل الحكومة استنفدت كل الحلول قبل أن تصل إلى هذا المخرج؟

 هناك حلان لا ثالث لهما، قمت بذكرهما آنفا، إما رفع الضرائب أو الاستدانة الخارجية، والحل الأنسب الذي بين أيدينا، يتمثل في رفع الرسوم وبعض الضرائب مع حماية الفئات الهشة، لأنه ما دون هذا الخيار سيكلفنا حلولا أخرى الكثير وترهن مستقبل البلاد.

هناك من يقول إن الحكومة لجأت إلى الحلقة الأضعف، وغضت الطرف عن أولئك التي تضخمت ثرواتهم، الذين كان يتعين تحملهم العبء الأكبر.. ما قولكم؟

يقال إن  السيف ذو حدين،  وفي هذه الحالة  إما أن نتعامل مع رجال المال والأعمال بطريقة ذكية بأن نشجعهم على  الاستثمار في الجزائر من خلال ضخ أموالهم في مشاريع وإعطائهم تحفيزات وإعفاءات، لسبب رئيسي وهو امتصاص البطالة وتوفير مناصب شغل للشباب وإنتاج مواد محلية الصنع، ورفع نسبة النمو الاقتصادي، دون أن ننسى فرض ضرائب معقولة على رجال المال والأعمال، وإما أن نضيق عليهم  بالإجراءات الإدارية ونجبرهم على استثمار تلك الأموال في الخارج ولا تستفيد منهم الجزائر في شيء.

وقانون المالية لسنة 2017 فرض ضرائب وبعض الرسوم على أولئك الذين يستوردون السلع من الخارج  ولديهم مصانع هنا في الجزائر.

تعريض فئات المتجمع الهشة لمثل هذه "الضغوطات"، ألا يهدد استقرار المجتمع والدولة؟

حسب توجيهات رئيس الجمهورية وتطبيقا لتعليماته، عملت الحكومة على أن لا تتخلى عن الدعم الاجتماعي وتعمل على خفض نسبة البطالة إلى أقل من 9.9 بالمائة حسب أرقام رسمية، مع الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، وهنا يجب التنويه إلى أن الشعب واع كل الوعي بالوضعية الصعبة التي تمر بها البلاد، ونطلب  في هذا المقام من الله أن تبقى ظرفية إلى غاية ارتفاع أسعار النفط، لأن عدة دول انهارت بسب الأزمات المالية، خاصة البلدان الناشئة، والجزائر ظلت واقفة في ظل الأزمة الاقتصادية التي هزت العالم سنة 2008  والتي أثرت على عدة دول مصنعة.

ما هي حدود مسؤولية الحكومة فيما تعيشه البلاد اليوم من أزمة اقتصادية خانقة؟

المسؤولية لا تتحملها الحكومة لوحدها، فالكل يجب أن يتحمل جانبا منها والأوضاع السائدة تحتم على الجميع العمل بإخلاص، كل حسب موقعه ومكانته.

  • print