رفقا بالفقراء

date 2016/11/18 views 6004 comments 0

كلّ المؤشّرات تؤكّد بأنّنا نتّجه نحو أزمة اقتصادية خانقة تصطلي بلظاها الطبقة الكادحة والفقيرة، أزمة لن يعبأ بها عِلية القوم الذين فوّتوا على البلد فرصة من ذهب للخروج من شرنقة التبعية والتخلّف، وانشغلوا بتوزيع الريع على أصحاب الحظوة وحواشيهم، أمّا طبقة أرباب الأعمال، فلعلّهم الآن يفركون أيديهم وهم يتهيّؤون لزيادة مغانمهم، في ظلّ وضع يغري التماسيح الكبيرة للفتك بفرائسها.

لن يهتمّ هؤلاء وأولئك بالطّبقة الفقيرة التي تنتظرها أيام صعبة، يصبح الهمّ الأكبر فيها لا يتعدّى ضروريات العيش، حيث يُلغَى الدّعم وتلتهب الأسعار، ويرهن أرباب الأسر الفقيرة لإعانات لا تسمن ولا تغني من جوع، يزاحمهم عليها شركاء متشاكسون لا يقنعون ولا يشبعون.. سيكون مفروضا على الفقراء أن يدفعوا الفاتورة وحدهم، ومطلوبا منهم أن يتقشّفوا ويشدّوا الأحزمة وحدهم، ولن يكون لهم -بعد الله- غير إخوانهم الميسورين من حولهم؛ يلتفتون إليهم، ويخفّفون وطأة الأزمة عليهم، ويجودون عليهم بشيء ممّا يزيد عن حاجاتهم.. فلا يصحّ في قابل الأيام أبدا أن ينشغل كلّ فرد بنفسه وأسرته ويغلق عليه بابه ويغضّ طرفه عمّن يعانون الفاقة من أقاربه وجيرانه.

لقد آن الأوان أن نراجع -نحن الجزائريين- بعضًا من عاداتنا ونتحلّى بالمسؤولية تجاه بعضنا، بدلا من الإصرار على مظاهر وأحوال تدلّ على أنّ الأنانية قد أخذت حظّها من طباعنا.. ألمّت بنا أزمة ارتفاع أسعار البيض، وتداعى بعض الغيورين لحملة مقاطعة تضطرّ المنتجين وكبار التجّار إلى مراجعة الأسعار، لكنّ كثيرا منّا لم يهتمّوا بهذه الحملة، ثمّ تلتها أزمة الحليب، وها هم الموسرون وأصحاب المداخيل المتوسّطة يزاحمون الفقراء والمعدمين في الطوابير، وينشطون في ربط العلاقات مع بعض الموزّعين وأصحاب المحلاّت للظّفر بأكياس الحليب تحت الطّاولة، مع أنّ في وسع كثير منهم اقتناءَ علب الحليب، وهو ما لا طاقة للفقراء به.. إذا عجزنا عن توظيف مبادئ ديننا في مثل هذه الأوقات والأحوال فمتى سنوظّفها؟ هل نسينا حديث النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- الذي حفظناه منذ كنّا ندرس في الابتدائيّ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"؟.

إنّه لأمر مؤسف حقا أن نرى ونسمع عن مواقف إنسانية رائعة لشعوب غير مسلمة في تعاملها مع الأزمات، بينما نرى في واقعنا ما يزيد المخاوف من مستقبل يرفع فيه كلّ فرد من أفراد مجتمعنا المسلم شعار "أنا وبعدي الطّوفان"!.

إنّنا جميعا مدعوون لمراجعة عاداتنا ومعاملاتنا، ومدعوون للتحلّي بأخلاق ديننا، أو على الأقلّ بالأخلاق الإنسانية، لمواجهة الأزمة التي تلوح في الأفق.

  • print