المنطقة والمراهنة على التحالفات الدولية

date 2016/11/19 views 1792 comments 0

لكي ندرك حقيقة أيّ موقف علينا دوما أن نتدبر خريطة تفاعلاته ونتائجها الايجابية والسلبية بدقة وأن نتحلى بقدرة على التمييز بدون مواقف مسبقة لكي نرى الأشياء كما هي.

 إن هذا معيار أخلاقي وسياسي ضروري يضيء على ما له علاقة بمصير منطقتنا ووطننا العربي خاصة.. ولقد أصبح من المسلّم به أن الكون أصبح بسبب عدة عوامل كالجسم الواحد أو القرية الصغيرة لا يمكن عزل تأثيرات الأحداث الجارية في منطقة عن بقية "القرية".. ومن هنا كيف نفهم ما يحصل الآن عقب الانتخابات الأمريكية؟

لم تكن الانتخابات الأمريكية عادية كسابقاتها فلقد تعوّد الأمريكان على التنقل من الجمهوريين إلى الديمقراطيين بفروق طفيفة في السياسة الداخلية والخارجية، ومع مضيّ السنين أصبح الجمهوريون والديمقراطيون وجهين لعملة واحدة بالذات تجاه القضايا الكونية.. وظلت مصانع السلاح وشركات النفط العملاقة تتوزع القرار وتسيّر المؤسسات في الحزبين لاستقرار تدفق مصالحها..

في هذه المرة تبرز قوة سياسية اجتماعية في مجموعة على رأسها دونالد ترمب تتقدم للانتخابات وتحقق فوزا ساحقا.. وحتى نتعرف أكثر على طبيعة هذه المجموعة ينبغي الإشارة إلى ردود الفعل المحلية والدولية.. منذ البداية وجد ترمب نفسه في استهداف محموم من الإعلام كله والمعروف عنه أنه بيادق بيد الجمهوريين والديمقراطيين واللوبيات.. وانضم إلى الإعلام الفنانون والأدباء وهوليود وكذلك الغالبية العظمى من الأمريكان الأفارقة والمسلمين واللاتينيين وكذلك منظمات عديدة لحقوق الإنسان وحقوق المثليين تعلن خلال الانتخابات وبعدها عن رفضها لأطروحات ترمب..

وعلى صعيد الخارج اهتزت أوربا لتعقد الاجتماعات على أعلى مستوى لترتيب أمورها ووضع خطة للتعامل مع أطروحات ترمب تجاه حلف الناتو، حيث يرى أن التكلفة الفائقة التي تتحملها أمريكا في الدفاع عن أوربا لا داعي لها..

ورغم أن القيادات الصهيونية سارعت إلى الإعلان عن بهجتها بتصريحات ووعود ترمب تجاه الكيان الصهيوني وموضوع نقل العاصمة من تل أبيب إلى القدس.. إلا أنه بعد أيام قليلة بدأ القلق يساور المسؤولين الصهاينة وانتقل الإعلام الصهيوني إلى خانة أخرى من التحليل والتحسب، حيث اعتبرت صحيفة يديعوت أحرنوت أن المستفيد الوحيد في المنطقة من فوز ترمب هو: "الأسد والسيسي".. وتابعت صحيفة معاريف الصهيونية التحليل ودراسة الموقف لتخلص إلى: أن الجهة الوحيدة التي من حقها أن تقلق بسبب نجاح ترمب هي الدولة العبرية!

في المقابل يبدو أن رسالة ترمب حول الإرهاب ودور سورية في محاربته وصلت إلى السوريين؛ فلقد وصل الحال بالرجل أن اتهم مسؤولين بالحكومة الأمريكية أنهم متورطون في صناعة الإرهاب في المنطقة العربية وأنه سيقودهم إلى المحاكم الأمريكية.. لعل هذه الرسالة وصلت ليعلن الرئيس السوري ترحيبه بالموقف الأمريكي وأنه متى تحول هذا إلى سلوك عملي تكون أمريكا حليفاً لسوريا وروسيا وإيران في مواجهة الإرهاب.. وقد لا يكون الرئيس السوري اقتصر على كلمات صرح بها ترمب في حملته الانتخابية، حيث كان للرئيس الروسي محادثة تلفونية مطولة بخصوص الوضع في سورية، يبدو أنها عززت التفاهم بين الرجلين حول مبدأ التصدي للإرهاب في سورية والوقوف بجنب الدولة السورية.

في مكان آخر في المنطقة يبدو أن الرئيس القادم ليس له مصالح كبيرة من تجارة السلاح أو شركات النفط وله أولويات اقتصادية أخرى، وكما يبدو فإن حسابات الربح والخسارة المباشرة هي التي تتحكم في سلوكه نحو العالم الخارجي، لذا فكان -حسب رأيه- على الليبيين أن يدفعوا نصف نفطهم مقابل إسقاط القذافي، وكان على الكويتيين أن يدفعوا أقساطا كبيرة من نفطهم مقابل إعادة الكويت لهم.. كما أن على السعوديين والخليجيين جملة أن يدفعوا من النفط ما يكافئ المَهمّة الأمنية التي تقوم بها البحرية والجوية والبرية الأمريكية دفاعا عن هذه الممالك..

العلاقات الروسية الأمريكية تبدو في بداية طريق التفاهمات الاستراتيجية الكبرى.. فبالنسبة للروس أن لديهم ملفات عديدة شائكة ملتبسة مع الأمريكان من ملف الدرع الصاروخية وأزمة القرم وأوكرانيا إلى سوء التفاهم في الملف السوري خاصة والإرهاب عامة؛ حيث يتم من حين إلى آخر عدم الاتفاق على تصنيف الإرهاب بما يلحق بمجموعات قد يرى الأمريكان أنه من غير المفيد لهم وصمها بتلك الصفة.. فلقد كان واضحا أن الإدارة الأمريكية السابقة تستفيد من انتشار المجموعات المسلحة في مشرق العرب ومغربهم بأن تتوسع في إقامة قواعد عسكرية أمريكية والدخول في تنسيق أمني إجباري مع عديد من أجهزة الأمن العربية، ولا يستبعد كثير من الملاحظين رعاية الإدارة الأمريكية مباشرة أو من خلال حلفائها في المنطقة لتحرّك المجموعات المسلحة لفرض واقع الفوضى الخلاقة الذي تبنتها الإدارات الأمريكية السابقة في محاولة لانجاز نظرية برنارد لويس المعتمَدة من المؤسسات الأمريكية لتقسيم الدول العربية على أسس عرقية وطائفية وجهوية.  

كان -حسب رأي ترامب- على الليبيين أن يدفعوا نصف نفطهم مقابل إسقاط القذافي، وكان على الكويتيين أن يدفعوا أقساطا كبيرة من نفطهم مقابل إعادة الكويت لهم.. كما أن على السعوديين والخليجيين جملة أن يدفعوا من النفط ما يكافئ المهمّة الأمنية التي تقوم بها البحرية والجوية والبرية الأمريكية دفاعا عن هذه الممالك..

الرئيس الأمريكي القادم يرى في التشبّث الأمريكي السابق بتعريفات الإرهاب تورطا أمريكيا صريحا في دعمه، ورأى أن ذلك من شأنه أن يوصل الأمريكان والروس إلى حافة الهاوية ومعها تبدو شرارة الحرب العالمية الثالثة قاب صاروخين أو أدنى.. من هنا كان لابد حسب ترمب من التفاهم تماما مع الروس في الملفات الشائكة، وعلى رأسها المسألة السورية.. وسيجد الروس فرصة جديدة لتميزهم بمحاولة فض الاشتباك بين ترمب والإيرانيين.. كما أن تصريحات ديمتري مديديف رئيس وزراء روسيا حول القضية الفلسطينية، والذي هدد فيها بسحب الاعتراف الروسي بإسرائيل إن لم يتم الاعتراف الإسرائيلي بدولة فلسطينية، الأمر الذي قرأه ديختر نائب رئيس مجلس الأمن القومي الصهيوني بأنه "يمثل فجوة كبيرة ومزعجة بين الإسرائيليين والروس".

نحن إزاء ظروف سياسية دولية وإقليمية تهيئ مناخا مواتيا لتحالفات قوية وكبيرة بين الروس والأمريكان، وسيجد الرئيس الأمريكي فيها قوة لموقفه وتوفيرا كبيرا لطاقات كانت في حالة الابتزاز والاستنزاف المستمر في ظل ما أصبح يشبه الحرب الباردة بين الدولتين..

من الواضح أن الروس أصبحوا القوة الرئيسية ذات النفوذ في منطقتنا، في حين أصيبت السياسة الأمريكية بانتكاسات جوهرية بدءا بهزيمة أمريكا الفادحة في العراق وانتهاء بفشلها في تقسيم سورية والعراق.. هذا في حين أن أصبح الروس بوابة الملف الإيراني والسوري من خلال تحالفات جادة ومسؤولة وأوجدوا تقليدا واضحا في التدخل ضد المجموعات المسلحة، هذا وقد أوجدوا علاقات متينة مع الأتراك وانفتحوا بقوة مع مكونات المجتمعات العربية والإسلامية..

الانقلاب في السياسة الأمريكية نحو مكونات المنطقة يأتي بناء على قراءة براجماتية يبديها طاقم الرئيس المنتخب.. وهي تلقي إلى عرض الحائط كل الالتزامات الشفوية التي تلقتها دول وجهات وهيئات في المنطقة العربية من قبل الحكومات الأمريكية السابقة.. ذلك لأن التفاهم مع روسيا هو الأهم لتفادي أزمات وتعقيدات تجد إدارة ترمب أنها في غنى عنها. تولانا الله برحمته.

  • print