وداعا يا "بشير"

date 2016/11/28 views 6343 comments 8

حانت ساعة رحيل الأخ بشير حمادي، فذهب إلى عفو ربه ورحمته من غير أن يودّعنا أو نودّعه. وما أظنه ذهب إلا مبتسما مستبشرا، فتلك طبيعته. اثنان من معارفي لم أكن منجذبا إليهما، بل كنت أستثقلهما، وقد يكونان يشعران نحوي بما كنت أشعر به نحوهما، وهما الأخوان الكريمان إسماعيل شمشم، وبشير حمادي، ثم قضى "مقلب القلوب" أن يصيرا من ألطف وأظرف من عرفت.. وقضى الله – عز وجل – أن يموت كل واحد منهما فجأة، فقد مات الأخ إسماعيل يوم 14 سبتمبر 1986، وهو جالس في عربة "ميترو" في باريس، بعد أن قضى فيها ليلة واحدة، ومات بشير وهو يسعى، وكنت أريد أن أكلمه في أمر، فإذا الأخ علي ذراع يخبرني أن بشيرا قضى نحبه. قلت آنفا بأنني لم أكن آلف بشير حمادي.

ولكن شخصان حبّباه إليّ، وهما المرحومان:

*)  أستاذنا جميعا، الأستاذ محمد فارح، أفرح الله قلبه، وأسعد نفسه.. 

*) والرجل الطيب يوسف حمروش، الذي ما علمت عليه من سوء. 

أمران لم أنسهما للأخ بشير هما: 

*) أنه كان سبب كتابتي أول مقال لي عن الإمام محمد البشير الإبراهيمي في جوان 1992، وكان تحت عنوان "ما أذهب السيادة إلا تعدد القيادة"، وهي مقولة للإمام نفسه، ونشر في الجريدة الشهيرة "الجزائر اليوم"، وقد كتبته تحت تأثير "البدعة" السياسية التي انتهى إليها "فلاسفة..."، وهي ما سموه "المجلس الأعلى للدولة"، التي ردّوها أسفل سافلين...

*) أن البشير هو الذي "ألزمني" أن أنضبط في كتاباتي، فقد كنت أكتب بـ "النفحة"، ولكن البشير استقبلني ذات يوم في "الشروق" وقال لي: "يجب أن تسلمني المقال أسبوعيا".. وحاولت التملص من التعهد، ولكنه "أصم أذنيه"، ورفض معاذيري، وحسنا فعل... 

طلب مني أحد الشبان أن أتوسط له عند الأستاذ بشير ليفسح له المجال ليكتب في جريدة "الحقائق" وأخذته إلى الأستاذ بشير الذي لم يقتنع بمستوى ذلك الشاب الذي لا أعرفه.. 

أصرّ الشاب على أنه "أهل" للكتابة في "الحقائق"، وهو الذي لم يسبق له أن نشر مقالا واحدا.. يبدو أن الأستاذ بشير ضاق ذرعا بذلك الشاب، فقال له: هل يمكن لمن لم يسبق له لعب كرة القدم أن يتطلع للعب مع بارشلونة... فقال ذلك الشاب: مستحيل.. ثم تنبّه للسؤال "الفخ" فاستأذن وانصرف..

آخر لقاء لي مع الأخ بشير كان في معرض الكتاب الأخير، وجلسنا مع بعض الإخوة، وكان مما اقترحته عليه هو أن ينشر -في كتيّب- الحوار الهام الذي أجراه مع أستاذنا الدكتور أبي القاسم سعد الله، الذي سبق له نشره في جريدة "الحقائق". 

رحم الله الأستاذ بشير حمادي، ورزقه "البِشر" و"الحمد" وأفرغ الصبر الجميل على آله وصحبه. 

  • print