بمبادرة من مجمع "الشروق" احتضنها المواطنون والسلطات

تكريم إمام الإباضيّة وشيخ المالكيّة في غرداية

date 2016/11/30 views 5721 comments 16
author-picture

icon-writer تغطية: عبد الحميد عثماني/ بوحفص عز الدين

بادر مجمع "الشروق" للنشر والإعلام، بتكريم عالمين جليلين من أعلام الجزائر وروّادها المصلحين، نظير جهودهما الدعوية والتربوية والإصلاحية والتعليمية في مدينة غرداية العريقة وضواحيها، على مدار عقود من العطاء وتنشئة الأجيال منذ الفترة الاستعمارية إلى يوم الناس هذا، إذ رفعت درع العلماء نهاية الشهر الفائت، إلى فضيلة الشيخين المفسّرين محمد سعيد كعباش والأخضر الدهمة، في حفل بهيج، حضره مثقفون وجامعيون وأئمة ومسؤولون محليّون، يتقدمهم الوالي عزّ الدين مشري، ورئيس المجلس الشعبي الولائي دادي عدون عمر، ومسؤول القطاع العسكري، إضافة إلى رئيس اللجنة الأمنية الولائية والنائب العام لدى مجلس قضاء غرداية، ومدير الشؤون الدينية، وعديد المسؤولين التنفيذيين بالولاية، فضلاً عن عموم المواطنين.

وقد أثنى جميع المتدخلين والمشاركين على التفاتة "الشروق" التي نزلت بوفدها للمدينة، فقط للاحتفاء بعلمائها الأجلاء، كما التقطوا رمزية المبادرة في تكريس لروح التآخي والتآلف بين سكانها، وبذلك ثمّنوها عاليًا، باعتبارها تجسيدا لرساليّة الإعلام الحضاري في خدمة الوطن. 

 

والي ولاية غرداية عز الدين مشري: 

مبادرة "الشروق" جاءت في وقتها وكفانا من نشر الأحقاد

قال والي ولاية غرداية إن تكريم "الشروق" للشيخين محمد سعيد كعباش والأخضر الدهمة جاء في وقته المناسب، إذ "نحتفل اليوم والمدينة تستعيد عافيتها واستقرارها وأمنها، بفضل مختلف الأسلاك، وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي، وبفضل أهلها الخيّرين والأوفياء والوطنيين الغيورين على هذه البلدة الطيبة الشريفة وما أكثرهم".

وأضاف الوالي في كلمته "أتمنى المحافظة على هذا المكسب الكبير، كفانا من نشر الأحقاد بين الجزائريين، لقد جاء تكريم مجمع الشروق لعلمائنا في وقته، لترطيب النفوس بعد ما صار الجار يخاف جاره".

وشدّد عز الدين مشري على أن "هناك أفكارا دخيلة على مجتمعنا الجزائري المسلم،  تحاول تقسيم الجزائر بين تارقي وقبايلي وشاوي وعربي ومزابي، لكنّ هؤلاء لن يقدروا بإذن الله تعالى على تقسميها إلى جنوب وشمال، طالما لدينا مشايخ وخيّرين يتصدوّن لمثل هذه الأفكار".

وقال المتحدث في مباركته لمبادرة الشروق "كلنا جزائريون، مكونات الهوية الجزائرية هي الإسلام والعروبة والأمازيغية، وهي الإسمنت الذي يجمعنا، وإن شاء الله نستخلص الدروس ونستلهم العبر"، مضيفا في ذات السياق "أظن أنّ الأعمال الجليلة لهذين الشيخين كان لها دور كبير في استتباب الأمن، ولو قرأنا وتعلّمنا منهما سنكون في مأمن، وتكون لنا مناعة وحصانة ضدّ الفتن، لأنهم دعاة قيم ومبادئ".

 

مستشار المدير العام علي ذراع يخاطب أهل غرداية:

"الشروق" تزفّ إليكم رسالة علم وأخوة وسلام

ألقى الأستاذ علي ذراع أولى الكلمات في حفل التكريم الذي جرت فعالياته بقاعة الولاية، إذ أبرق بتحيّات المدير العام لمجمع "الشروق" للحضور، بعد ما تعذّرت عليه المشاركة لأسباب قاهرة،  قبل أن يتطرق إلى خصال العالمين المكرّمين، وما قدماه من أعمال مشهودة للجزائر وللأمة، على غرار رجال الإصلاح الآخرين، وقال إنهما من علماء الإسلام في العالم، وتراثهما الفقهي والقرآني والوعظي سيبقى ملهما للأجيال، لاسيما وأنه مستمدّ من روح المرجعية الفكرية والدينية للجزائريين على مدار قرون من الفتح الإسلامي.

ووضع مستشار المدير العام في مداخلته الافتتاحية مبادرة التكريم ضمن اهتمام "الشروق" بتخليد مآثر رجالات الوطن المخلصين، وبعث جهود المصلحين الأماجد، كما أدرجه ضمن تعزيز روح التعايش والأخوة والإصلاح بين مكونات المجتمع الجزائري، لصدّ كل المؤامرات التي تحاك ضدّ وحدة الأرض والبلاد، داعيا بهذا الخصوص إلى تعاون الجميع مع كافة أجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية والإدارية في الحفاظ على دوام الأمان والاستقرار الذي تنعم به الولاية في الأشهر الأخيرة.

 

فضيلة الشيخ المربّي الأخضر الدهمة:

الجزائر وأبناؤها مستهدوفون في وطنهم ودينهم

رفع فضيلة الشيخ الأخضر الدهمة تشكراته الخالصة إلى مدير مجمع "الشروق"، فقال في بداية حديثه عقب التكريم: "وبكوني أحد المكرمين في هذا الحفل العظيم، أجدني مدفوعا إلى تقديم الشكر الغالي لأعضاء مؤسسة "الشروق"، وفي مقدمتهم أخونا الفاضل علي فضيل، على هذا الإحسان الذي دأبوا على إسدائه لقادة الفكر من علماء عاملين لإسعاد مواطنيهم، ومشائخ وأعلام منافحين عن مقدساتهم، فجزاهم الله خيرا على هذا التفضل المرموق، وثبّت قلوبهم على المضي في خدمة شعبهم من خلال الذبّ عن مقوماته العقدية واللغوية والتاريخية والوطنية"..

وأضاف في ثنائه على المبادرة: "ومؤسسة "الشروق" حين تكرم العلماء، فإنما تكرم ما يحملونه من علوم ومعارف وأخلاق وخصال، إلى جانب تفعيلها في النفوس المستعدة لها، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على الشعور بالآخرين وما هم في حاجة إليه، ذلكم الشعور الذي يبرهن عن التحضّر الإنساني في أبهى صوره، وأجمل مظاهره".

وبهذه المناسبة- يقول الشيخ الدهمة- يحق لنا أن نهنئ مجمع "الشروق" على ما وصل إليه من تقدير واحترام لدى المثقفين، كفاء نجاحه في إيصال المعلومات المفيدة التي تبنى على أساسها التصورات الصحيحة، وأخص بالذكر ما أنا ملتزم به يوميا، وهو إدماني على مطالعة صحيفة "الشروق اليومي"، فنجد فيها الأفكار والآراء والانتقادات البناءة التي يدغدغ بها كتابها البلغاء ما في جوانحنا من أفكار تتسق مع أفكارهم التي نرتاح لاختراقها سويداء القلوب في داخل الجزائر وخارجها بواسطة تلك الصحيفة المحبوبة.

ولم يفوّت الشيخ الفرصة دون تنبيه أبناء الوطن، فقال في تحذيره: "إن أبناءنا مستهدفون في وطنهم بأفكار غريبة عن دينهم وأخلاقهم، ينشرها من يزعمون التمسك بالإسلام ولكنهم يشرعون للناس ما يتناقض مع دين الإسلام الصحيح، وواجبنا معشر الغيورين أن نتصدى لأباطيلهم وضلالاتهم ونحصن شبابنا من إغراءاتهم، وأولئك هم الداعون إلى اعتناق الأفكار الشيعية أو الأحمدية أو الداعشية". 

 

فضيلة العلاّمة الشيخ محمد سعيد كعباش:

الفضل كبير لوّلاة الأمور في تحقيق الطمأنينة والأمن 

أثنى الشيخ محمد سعيد كعباش على دور مؤسسات الدولة في مختلف المستويات والأجهزة في استتباب الأمن والسكينة بمدينة غرداية، وقال في مستهلّ كلمته، بعد تدثيره ببرنوس "الشروق" في نهاية الحفل: "إذا كنّا نحن المواطنين البسطاء ننعم اليوم بالطمأنينة والرضا، ونتذوّق طعم السّلم الاجتماعي والعيش الهنيء، فإنّ الفضل في ذلك لله تعالى أولاً، ثم لهؤلاء الرجال الأفذاذ من أولياء أمورنا في مختلف المجالات، وهم الرّبابنة المهرة لسفينة مجتمعنا، يقودونها بحكمة وأناة إلى برّ الأمان، من بعد أن سدّوا خروقها ورتقوا فتوقها، لتستأنف رحلتها إلى ما يشاء الله؛ سدّد الله خطاهم، وألهمهم الصبر والثبات، وأبقانا من حولهم منصفين أوفياء".

وأبدى الشيخ المفّسر لكتاب الله سعادته بتكريم "الشروق" فقال أمام حشد من الحضور: "لقد قلّدتموني منّة لا تُنسى، وبرّاً لا يبلى بهذا التكريم، الذي أخشى ألا أكون فيه على مستوى ظنّكم الخيّر، أو أن يدفعني ذلك- لا قدّر الله- إلى شيءٍ من العُجب والمباهاة، وإلاّ فما أنا إلاّ غصنٌ من دوحتكم الفينانة، وإلاّ نتاجٌ من غراسكم الطيّب"، مستدلّا بقول الشاعر:

فمن روضكم قطفت أزاهيــري، ومن بحركم غرفت جُماني

إن أكن فرقـدا فأنتم سمــائي، أو هـزارا فأنتم بستـاني

وأضاف الشيخ المبجّل بكل تواضع: "وإنّي لأتقزّم وأخجل أن ينعتني إخواني بنعوت العظماء، من الرجال والأعلام النبهاء، في مجالات العلم والمعرفة، ومجالات البحث والتحقيق، وأنا في تقدير نفسي لا أُداني قممهم ولا أتطاول إلى منزلتهم، وإنما كان من حظي أن تصدق في المقولة الشعبية: "إذا غابت لكباش كبّش يا علّوش"، وإنما عزائي في غمرة هذا التكريم من فيض جودكم وكرمكم، أن أكون قد اجتهدت وحاولت وطمحت إلى معالي الأمور، واستخرت الله فشرح لي صدري ويسّر أمري، ولا شكّ أن أمثالكم من الإخوة الأوفياء كانوا السند والحضن الأمين".

 

رئيس المجلس الشعبي الولائي لغرداية دادي عدون عمر:

تكريم "الشروق" من علامات الأخيار وصفات الأبرار

اعتبر دادي عدون عمر، رئيس المجلس الشعبي الولائي لغرداية، تكريم مجمع الشروق للعلماء سنة حميدة وتقليدا محمودا، وهو من علامات الأخيار وصفات الأبرار، وقال إنّ ولاية غرداية وسكانها، ليتشرفون بأن يحتضنوا هذه الندوة التكريمية للشيخين العالمين محمد بن إبراهيم كعباش ولخضر بن قويدر الدهمة، الذين سبّلوا حياتهم في سبيل إحياء أمتهم، وضحوا بكل عزيز لديهم، من أجل إعلاء كلمة الله، ورفع لواء الوطن.

وأضاف دادي عدون عمر "إن الحديث عن رجال الإصلاح والتنويه بهم عبر هذه التكريمات، واجب أكيد، باعتبارهم النجوم التي يقتدى بها في حالك الليالي، ومن هؤلاء الذين هم من طينة الرجال العاملين المخلصين، المحتفى بهم اليوم، الذين وهبوا حياتهم لله، وأخلصوا نياتهم له وحده، لأنهم استمدوا خصالهم من القرآن، حين أدركوا أنه أنزل إليهم ليعملوا به ويجسدوه في حياتهم، بعد ما علموه وفسروه، متأسين بخير البشر"، مثلما قال المتحدث.

 وعبّر رئيس المجلس الولائي عن أمله " في أن يجد هذا الحفل العلمي التكريمي صدى في الأوساط، واستيعابا لتاريخ الآباء والأجداد، وفهما للواقع ورسوا في المبدأ واستمرارية في النهج والسلوك"، إذ أنّ الأوجب اليوم أن نضع بين أيدي الأبناء علماء ومشايخ بلدهم، قبل أي أحد، وكم في هذا من أثر تربوي عظيم الفائدة في أنفسهم، لنفعل كما فعلوا ونتشبه بهم، لأن التشبه بالكرام فلاح، على حدّ قوله.

 

قبسات من مسيرة إمام الوعظ والتفسير الأخضر الدهمة

هو الشيخ الأخضر بن قويدر الدهمة، من مواليد عام 1925م ، بمتليلي الشعانبة، ولاية غرداية، حفظ القرآن الكريم منذ صغره، وتعلم مبادئ الفقه الإسلامي، بالمسجد العتيق بمدينة متليلي، ثم انتقل إلى مدينة غرداية عام 1942 م، لدراسة الفقه الإسلامي على مذهب الإمام مالك -رضي الله عنه - علي يد الشيخ محمد الأخضر الفيلالي رحمه الله بمسجد خالد بن الوليد (حاليا) و ضاية بن ضحوة،

 ثم استكمل دراسته بجامع الزيتونة في تونس حسب المقرر الذي وضعه لها الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله - وذلك من عام 1946 م إلى عام 1950م، وتخرج بشهادة "العالِمية" التي كان يمنحها جامع الزيتونة آنذاك.

 وقد أكرمه الله تعالى بالدراسة على يد مشايخ الزيتونة، وهم كثيرون.

 بعد عودته إلى الجزائر، انطلق مباشرة في التربية والتعليم والإصلاح بمدرسة حرة في عين بسام ولاية البويرة (حاليا) إلى عام 1957م، بإشارة من بعض شيوخه.

 ونظرا لصلته ببعض خلايا المجاهدين بتلك المنطقة، قامت السلطة الفرنسية بإغلاق مدرسته نهائيا، وقررت إلقاء القبض عليه، فلمّا بلغه ذلك لجأ إلى مدينة غرداية متخفيا، وفيها واصل رسالته التربوية والإصلاحية والنضالية بمدرسة العرفان التابعة لمسجد حمزة، مع بعض زملائه، لكن في ظروف صعبة جدا نجمت عن تصرفات سلطة الاحتلال، إلى أن تم إيقاف إطلاق النار.

 بعد الاستقلال التحق بالمدرسة الرسمية، بمدينة غرداية نفسها، إلى جانب قيامه بمهام ثقافية واجتماعية وسياسية وإدارية وقضائية إلى عام 1976م.

 ثم انتقل إلى مدينة متليلي، حيث تولى مهام الاستشارة التربوية تارة، والتفتيش تارة أخرى، مع الإشراف على إدارة مدرسة ابتدائية إلى أن تقاعد في مفتتح عام 1984م. 

 كلفه بعد ذلك وزير الشؤون الدينية آنذاك، بمديرية ولاية غرداية، وبعد سنتين طلب الإعفاء لأسباب صحية وظرفية .

كان اهتمام الشيخ بالتعليم المباشر والتوجيه والإرشاد أكثر من اهتمامه بالتأليف، ومع ذلك، فإنَّ ممَّا تمكن من نشره مجموعة كتب في التفسير، وهي:

- "قطوف دانية من آيات قرآنية"، طبع مرتين، والثالثة تحت الطبع.

- "أضواء على سورة الحجرات" طبعة أولى، وثانية تحت الطبع.

- "إرشاد الظمآن إلى معاني قلب القرآن"، طبعة أولى ، وثانية تحت الطبع.

- "دروس وعبر من سورة الحشر". 

نشاطات الشيخ حفظه الله متنوعة ويمكن إيجازها فيما يلي:

القيام بتنشيط الندوات والدروس بالمسجد العتيق بمتليلي في الفقه والتفسير، إضافة إلى اللغة العربية وقواعد النحو والصرف.

وأبرز ما قام به في مدينتي متليلي وغرداية دروس التفسير بمسجد عمر بن الخطاب، وبمسجد بدر بغرداية، وبالمسجد العتيق بمدينة متليلي، والتي قُيِّد بعضها في الكتب التي تيسر له طباعتها.

كما شارك في العديد من الندوات والملتقيات والمحاضرات والمداخلات في المساجد والمنابر وبمدرج الجامعة، فما من مناسبة مهمة إلا والشيخ حاضر فيها؛ لأنه يعتبر إضافة إلى مكانته العلمية أبرز أعيان المالكية بالمنطقة على المستويين الرسمي والشعبي.

قام بافتتاح مكتبة، وسط المدينة، وقد جعلها وقفا لله تعالى، تعرف بـ"مكتبة الأخضر الدهمة للمطالعة والندوات"، فصارت مقصدا لطلاب العلم والأساتذة والأئمة للاستفادة من مراجعها المتنوعة، خصوصا طلاب الجامعة.

القيام بالتوجيه والإرشاد لكافة أبناء المنطقة، والرد على أسئلتهم، وحل النزاعات الأسرية والاجتماعية.

يستحق أن يذكر لطلاب العلم من أبنائنا، أنّ الاحتلال الفرنسي (بمتليلي) قد أحرق المحل التجاري لوالده لما رفض أن يمنع ابنه من أن يزاول دراسته بتونس، بحجة أنه يشيع الأفكار المناوئة للاحتلال! 

وقد فقد والده كل ما يكسب جراء هذه الحادثة، وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على العزيمة والإرادة القوية التي تحلى بها في سبيل طلب العلم، في ظل ظروف صعبة يعرفها الذين عاشوها.

 

حروف في سيرة العلامة محمد سعيد كعباش

ولد الشيخ محمد سعيد كعباش، بقصر العطف سنة 1929م، نشأ يتيم الأب، وترعرع فقيرا، بدأ دراسته كجميع أبناء جيله في الكُتَّاب، ثم التحق بالمدرسة الفرنسية الوحيدة في قريته، حيث درس سبع سنوات، تلقى فيها المبادئ الأساسية.

كان شغوفا باللغة العربية والقرآن الكريم منذ نعومة أظفاره، فختم القرآن منذ العاشرة، وأخذ يكرره استعدادا لحفظه كاملا، لكن ظروفه الاجتماعية القاسية وطبيعة الحياة الشحيحة أنذاك، زفته صغيرا ضعيف البنية إلى سوق العمل في الشمال، فعمل أجيرا من سنة 1940م إلى 1945م، في كل من المدن الآتية: الجلفة، الحراش بالجزائر العاصمة، ثم مسعد في السهوب. 

عاد إلى وادي ميزاب، وصادف جولةَ الشيخ الإمام بيوض إبراهيم الإصلاحية في قصور الوادي، وكان ذا حظٍّ، إذ تكفل به بعض المحسنين من العطف للالتحاق بمعهد الشباب (معهد الحياة الحالي)، حيث استظهر القرآن الكريم، وأتم دراسته الثانوية خلال خمس سنوات، وتكون في دروس اللغة والبلاغة ليلتحق بالسنة الأولى، كان تلميذا متفوقا نهما مقبلا على العلوم، عضوا بارزا في النشاط الثقافي الذي كان طلاب المعهد ينظمونه تحت رعاية الشيخ الإمام رحمه الله. 

التحق بتونس سنة 1950م، وكان عضوا لامعا في البعثة العلمية الميزابية بجامع الزيتونة، حيث أتم دراسته اللغوية والشرعية، ودرس بالمعهد الخلدوني للعلوم التطبيقية بقية العلوم والفنون.

عند عودته إلى الوطن مع بداية الثورة المباركة، انخرط في جمعية النهضة، حيث بدأ حياته المهنية بخطوة جبارة، بمباركة وتشجيع من رئيس الجمعية الشيخ المؤرخ الحاج سليمان بن يوسف رحمه الله، معلما للبنات بمدرسة النهضة، حيث ساهم بفاعلية في تطوير أساليب التعليم والمناهج التربوية، بمسقط رأسه، وأدخل التعليم المهني للبنات، وأقام المعارض لإنتاجهن لإقناع الأهالي بضرورة تعليم الفتاة الذي كان يواجه معارضة شديدة أنذاك في كل قرى الوادي.

كان إيمانه راسخا بنجاح الثورة المظفرة، فشارك منذ 1956م بنضاله، وجعل مدرسة النهضة مركزا هاما ونقطة عبور إستراتيجية لتحرك جيش التحرير الوطني والإمداد، في منطقة وادي ميزاب والجنوب الكبير عموما، كان من الطلائع الأولى لحزب جبهة التحرير الوطني مع شروق فجر الاستقلال. 

التحق الشيخ بحلقة العزابة في سن مبكرة وهو ابن الثلاثين ربيعا، بالمسجد الجامع للعطف سنة 1958م، فعقد العزم على نهج منهج الإصلاح والتغيير بحكمته وتواضعه المشهودين، فتم تجديد المسجد العتيق بالعطف تجديدا كليا ليقوم بمهامه الجسام على أحسن ما يرام.

التحق في السبعينيات بالجامعة الجزائرية، فحصل على ليسانس في الأدب العربي، وعمل أستاذا في التعليم الرسمي منذ الاستقلال، فالتحق بداية بالتعليم المتوسط فالثانوي، ثم عُيِّن مديرا لإحدى الإكماليات ببني يزغن (إكمالية الشيخ عبد العزيز الثميني)، ثم بالعطف، واستمر في وظيفته الرسمية إلى تقاعده سنة 1990م.

عين مرشدا وإماما خطيبا للجمعة سنة 1970م، وكان عمله التربوي والدعوي وامتلاكه لناصية اللغة العربية، حوافز قوية ساعدته على الشروع في تفسير القرآن الكريم منذ سنة 1971م، إلى أن أتم تفسيره كاملاً بعد أكثر من 40 عاما.

قرض شيخنا الشعر منذ الصغر، معبرا عن مختلجات صدره وأنات ضميره الوطني الجياش، له مذكرات قيِّمة تفوق 6000 صفحة دوَّن فيها أحداثا وشواهد على عصره ومحطات نيرة في مشوار حياته، كما لم يستغن عن التأليف في مساره الدعوى الفياض، فألف عدة مؤلفات أهمها: "صوت المنبر"، "نفحات الرحمن في رياض القرآن"، "حديث الشيخ الإمام"، "من أخلاق القرآن"، ومايزال الأستاذ الفاضل - حفظه الله ورعاه - يواصل مشواره بخطى واثقة، ورؤى واضحة، على دروب الدعوة والوعظ والإرشاد، متابعا، مهتما بقضايا عصره، ومجتهدا نصوحا لإيجاد الحلول المناسبة لكل الصور الاجتماعية السلبية في زمانه.

 

الكاتب المفكّر صالح عوض:

فلسطين تكون بالجزائر وبدونها تضيع

قال الكاتب المعروف صالح عوض إنّ مؤسسة "الشروق" تحيي معنى جليلا بمبادراتها الطيبة، هو تكريم العلماء، لأن الأمة التي تكرّم علماءها جديرة بالعزة والكرامة.

وجمع المتحدث في كلمة موجزة ومركزة بين أبعاد أساسية على صلة بالحدث، فعاد ليؤكد مقولته "إنّ ابن باديس معجزة الحياة في الجزائر"، وقد كان عنوان نهضة علمية، رافقه في قيادتها رجال عظام، مضيفا أنّ الثورة الجزائرية العظيمة التي تتفرّد في كفاح شعوب الأمة هي وحدها الثورة المنتصرة في عالمنا العربي والإسلامي، وأردف عوض "لكني أحبّ أن أحدثكم عن ثابتكم الثالث، إنه فلسطين، فالعلم والثورة وفلسطين تشكل أبعاد شخصيتكم الكريمة العزيزة".

ووصف "عوض" في مداخلته علاقة الجزائريين بفلسطين بأنها قصة عشق وحب وعطاء، تميزوا بها من بين شعوب العرب والإسلام، معتبرا إياها قصة قديمة، فهم منْ مثّل ربع جيش صلاح الدين في تحرير فلسطين والقدس، وهم من استأذنهم عز الدين القسام لإعلان ثورته، وهم من وقفوا مع الثورة الفلسطينية المعاصرة، منذ طلقتها  الأولى، بالسلاح والتدريب والتمويل والموقف السياسي، والجزائر هي التي قطعت علاقاتها مرتين في تاريخها الدبلوماسي، فلم يكن ذلك إلا من أجل فلسطين، لهذا كله، خاطب عوض الجمهور، فإنّ فلسطين بكم تزهو، فلا تكسروا ظهرها بالخلاف بين صفوفكم، فوحدتكم والحرص عليها، هو دليل حبكم وعشقكم لها، فهي بكم تكون وبدونكم تضيع".

 

مدير الشؤون الدينية حاج محمد أمير عبد القادر:

"كعباش" و"الدهمة" من علماء الجزائر المعاصرة

وصف حاج محمد أمير عبد القادر، مدير الشؤون الدينية بولاية غرداية، الشيخين الفاضلين محمد سعيد كعباش والأخضر الدهمة بأنهما من علماء غرداية الحبيبة والجزائر المعاصرة. وقال إنه "من دواعي الشرف أن نلتقي في حفل مشهود لتكريمهما، وهما اللذان فتح الله عليهما بتفسير كتابه مشافهة وكتابة، وهذا حدث نادر، قلّ ما وقع في تاريخ الأمة".

وأوضح مدير القطاع الديني "أنّ أولى الناس بالتكريم والعرفان العلماء، كما يتحتم علينا أن نقف وقفة تقدير واحترام لهذه المنطقة الولاّدة للعلماء وأهل الذكر والشرفاء، الذين جعلوا صدورهم أوعية تحتوي الصعاب، حتى بلغوا جامع الزيتونة بتونس، لينهلوا من فيضه، في زمن قل نظيره، وكانوا سدا منيعا لمن يزرع الحقد بين أبناء الجلدة الواحدة، فتصدّوا لسياسة فرق تسد، وذادوا عن الشخصية الجزائرية الأصيلة"، مضيفا أن الشيخين المكرّمين واصلا في العطاء لهذا الوطن الحبيب، بعد أن أنعم الله على الشعب الجزائري بالنصر المبين على جحافل الاستعمار، في جبهة التعليم والوعظ والإرشاد وتفسير القرآن الكريم في محارم المساجد. ولم يمنعهم انكبابهم على كتبهم ودفاتر دروسهم وقيامهم في محاريب مناجاتهم، من أن يحملوا همّ بلدهم، وإدراك حجم التحديات التي تهدده في أمنه واستقراره ووحدته، وكانوا – حسبه- بالمرصاد لكل شيطان يحاول بعث الفرقة بين أبنائه.

 

رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بغرداية:

"كعباش" و"الدهمة" على نهج ابن باديس والإبراهيمي

استهلّ الشيخ إبراهيم، رئيس شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بغرداية، كلمته بالشكر الجزيل لمجمع "الشروق" على هذه البادرة الطيبة السامية، لتخليد الأثر الطيب بوادي ميزاب، قائلا: "إننا نستبشر خيرا باحتفائها بالعلماء، وما أحوجنا في هذه الأيام إلى أن نحافظ على ثروتنا الروحية، فالمشكلة اليوم أصبحت تتعدى الأزمة الفكرية والقيمية والخلقية إلى فراغ روحي".

وأضاف أنّ "التصدعات والتشققات في الجبهة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية قابلة للترميم، مادامت الجبهة الروحية سليمة، أما إذا انهارت الأخيرة فلا ينفعنا ترميم"، وعليه فإنّ الشيخين "كعباش" و"الدهمة" يستحقان هذا التكريم، فقد أفنيا عمريهما في ملء نفوس الأجيال بالمبادئ الروحانية، ولا يزالان على نهج الإمامين عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي، يغرسان فينا روحا إسلامية، وطنية، نهضوية، إصلاحية، وإنسانية، تدافع عن كرامة الإنسان وحقوقه، مثلما قال المتحدث. 

 

أصداء وكواليس من حفل التكريم

- شكّلت مبادرة "الشروق" بتكريم الشيخين "كعباش" و"الدهمة" حديث العام والخاص في مدينة غرداية، حيث أبدى العديد من  المواطنين والمسؤولين، في لقاءات مع وفد الجريدة علمهم بالحدث قبل 24 ساعة من الموعد المحدّد، بعدما لفت التكريم انتباه الشارع الغردواي.

- أبهر والي ولاية غرداية عز الدين مشري الحاضرين في حفل التكريم بثقافته الواسعة في مجال الفكر والتاريخ والدين واللغة، فجاء حديثه المرتجل، منمّقا بالآيات والأحاديث النبوية والشعر العربي ومقولات الفلاسفة، وعلى رأسهم مالك بن نبي، هذا فضلا عن دهائه السياسي وحكمته الدبلوماسية البارزة في ألفاظ الخطاب ونبرة الكلام. 

-  أظهر كلّ المسؤولين الذين قابلهم صحفيّو "الشروق" اهتمامهم بكل تكتبه الجريدة، وما يبث على قنواتها من برامج مختلف، مؤكدين أن شهادتهم واقعية بعيدا عن اعتبارات المجاملة، وأكثر ما شدّدوا عليه، هو خطّها الإعلامي المحترف والوطني. 

- حضر وزير التجارة الأسبق مصطفى بن بادة فعاليات التكريم في وقت مبكّر، ومن الصدف أن سافر على متن نفس الرحلة الجوية لوفد الشروق، قبل أن نكتشف أنه متزوج بنت الشيخ الأخضر الدهمة.

- تفاعل الجمهور بحفاوة مع كلمة الأستاذ صالح عوض، فقاطعه الحضور في عديد من المرّات بالتصفيق، وهو الموقف الذي عكس مرة أخرى تعلّق الجزائريين بفلسطين والحديث عن قضيتها.

- شدّ حفل التكريم قلوب جميع الحاضرين، لدرجة أنهم اجتمعوا لساعات بعد نهاية المراسيم، وقد اختار كبار مسؤولي الولاية وأعيانها الاجتماع بالشيخين المتوجيّن في القاعة الشرفية للمدرّج.

- تصادفت مشاركة الأستاذ علي ذراع لمدينة غرداية مع لقائه بكثير من الأصدقاء الذين تعرّف على بعضهم ونسي آخرين قابلهم قبل عقود في إطار النشاطات الشبابية، لكنّ صورته ظلت عالقة في ذاكرتهم لدوره المحوري في تلك الحقبة النضالية.

- لم تقتصر مبادرة "الشروق" في غرداية على مراسيم حفل التكريم، فقد اغتنم وفدها الصحفي الفرصة لعقد جلسات أخوية مع أعيان العطف، وزيارة مكتبة الشيخ كعباش، كما حلّ ضيفا على مجلس المالكيّة، وفي كلتا اللقاءين، حثّ على تكريس التقارب والتعايش ونبذ الفرقة للحفاظ على مكاسب السلم والأمن، وقد لقيت دعوته آذانا صاغية وقلوبا واعية.

  • print