سلفية لم يعرفها السّلف!

date 2016/12/02 views 4197 comments 0

لا تزال جريمة قتل العالم الربانيّ، الدكتور نادر العمراني رحمه الله، الأمين العامّ لهيئة علماء ليبيا، ونائب رئيس رابطة علماء المغرب العربيّ، تشغل رواد مواقع التواصل الاجتماعيّ الذين استنكروا هذه الجريمة الشّنيعة، في حقّ عالم عُرف عنه سلامة لسانه لإخوانه المسلمين وحرصه على نصح الشّباب وتحذيرهم مسالك الغلوّ والتطرّف، وقد أشارت مواقع إخبارية عديدة إلى أنّ مقتله كان على أيدي بعض الشّباب المنتسبين إلى السلفية "المدخليّة" المعروف عن أتباعها غلوّهم في تبديع العلماء والدّعاة المخالفين لمنهجهم، في إثر حملة تحريض قادها دعاة مدخليون، ضدّ الإخوان المسلمين في مصر وليبيا، وضدّ كلّ من العلاّمة الصّادق الغرياني والدكتور نادر العمرانيّ، اللّذين اتّهما بأنّهما من الإخوان "المبتدعين"!

وكانت الأجهزة الأمنية الليبية قد وجّهت أصابع الاتّهام مباشرة إلى داعية مصري باسمه، وحمّلته مسؤولية اغتيال الدكتور العمراني، استنادا إلى تسجيل مصوّر لشابّ محسوب على التيار المدخليّ، يعترف فيه بقتل العمرانى، ويشير إلى أنّ سلفيا مدخليا آخر من شرق ليبيا تتلمذ على يد الداعية المصريّ المتّهم، هو من ادّعى وجود فتوى من الأخير تجيز قتل العمراني كونه ضالاً مضلاًّ لعامة الليبيين! وهو ما نفاه الداعية المصريّ في بيانه الذي أصدره أياما بعد ذلك، وأنكر أيّ صلة له بالسلفيّ المذكور.. 

وأيا يكن الأمر، فإنّ مقتل العلامة العمراني هو نتيجة طبيعيّة ومتوقّعة للتّحريض المركّز الذي مارسه رؤوس التيار المدخليّ ضدّ مخالفيهم، إلى الحدّ الذي جعل أحدهم يوصي السلفيين بالتعاون مع الجنرال الليبي خليفة حفتر ضدّ الإخوان، وهي الوصية التي عمل بها مداخلة ليبيا الذين شكلوا ألوية مسلحة لدعم الجنرال المناوئ لحكومة الوفاق الليبية، بينها لواء قوة الردع الخاصّة المحسوب على هذا التيار المتّهم باغتيال العمرانيّ، ومن جانبه كان الداعية المصري المتّهم بالتحريض على قتل العمرانيّ قد أعلنها حربا شعواء ضدّ الإخوان على منبر المسجد الذي يخطب فيه في مصر، ووصل به الأمر إلى حدّ القول إنّ الإخوان أخطر على الإسلام من اليهود والنّصارى، وإنّهم جماعة مجرمة آثمة فاجرة جائرة، وأفتى بأنّه لا يجوز إيواؤهم ولا التستّر عليهم، بل يجب التّبليغ عنهم ومقاطعتهم وهجرهم وتركُ مساكنتهم، واجتناب معاملتهم في بيع أو شراء، وذهب بعيدا ليقول إنّه لا يُسلَّم عليهم ولا يردّ عليهم السّلام!

ما حصل مع العلامة العمراني، حصل ما هو قريب منه مع كثير غيره، وربّما سيحصل مع آخرين على أيدي أتباع هذه السلفية "البلطجية" التي سطت على السلفية الإصلاحية وقدّمت نفسها بديلا عنها؛ سلفية محدثَة لم يعرفها السّلف ولا عرفها المجدّدون الأعلام الذين امتنّ الله بهم على الأمّة لتجديد دينها، على مدار قرون كانت فيها السلفية حركة إصلاحية تُعنى بتنقية الدّين من الخرافات والبدع، وتسعى لإصلاح الرّاعي والرّعيّة. تقف في وجه أعداء الأمّة، وتستنفر جموعها للوقوف في وجه المحتلّين والغاصبين. سلفية توالي عباد الله المسلمين المؤمنين وتبيّن لهم الحقّ وترحمهم وتتألّم لخطإ المخطئين منهم وتنصح لهم بالتي هي أحسن وتسعى بالسّتر عليهم وتتمنّى لهم الأوبة وتدعو لهم بالرّجوع إلى الصّواب، وتجادل من اضطرّت إلى جداله منهم بالتي هي أحسن، وتعادي أعداء الله من الصليبيين والمشركين والمنافقين.. سلفية كان الانتساب إليها شرفا يناله العلماء العاملون والدعاة المصلحون.. لكنّ الأمّة بعد فتنة الخليج الأولى (سنة 1991م) بُليت بسلفية جديدة أثيرت علامات استفهام كبيرة حول نشأتها؛ احتكرت مسمّى السلفية، وجمعت بين الحشف وسوء الكيل، وبين الغلظة في المعاملة والغلوّ في عقد الولاء والبراء على مسائل الخلاف والاجتهاد. سلفية تُغري أتباعها بالطّعن في المخالفين وتسوّغ الوقيعة فيهم، بحجّة أنّهم مبتدعة وحزبيون وحركيون، والمبتدع في أدبياتها أشدّ ضررا من السكّير وآكل الرّبا والزّاني، بل ربّما أشدّ ضررا من العلمانيّ الذي يسعى إلى زحزحة دين الله عن واقع الحياة، وربّما يكون أشدّ ضررا على الأمّة المسلمة من اليهود والنّصارى! سلفية بلغت بأتباعها إلى حدّ وصف المخالفين لها بالكلاب والنّجاسات ومختلف الأوصاف التي لا يقبلها ذوق ولا يقرّها دين أو خلق.. 

أحد منظّري هذه السلفية ألّف كتابا عنوانه "إسكات الكلب العاوي، يوسف بن عبد الله القرضاوي"، داعية يُنسب إلى هذه السلفية يردّ على داعية آخر لقبُه الطيباوي، فيلقّبه بالنّجساوي، وآخر يغضّ طرفه عن القنوات التي تنشر الشّهوات وتلهي الأمّة عن الدين وعن الطاعات، ويتصدّى للتّحذير من قناة إسلامية يختلف مع القائمين عليها في بعض مسائل الدعوة والمنهج... إلى آخر ما هنالك من النّماذج التي تُثبت بُعد هذه السلفية عن منهج السلف وهديهم في التعامل مع الخلاف والمخالفين.

لقد جنَت هذه السلفية البلطجية على السلفية الإصلاحيّة وتمادت عقودا من الزّمان في انتحال اسمها وتشويه صورتها، وقد آن الأوان للعلماء والدّعاة المصلحين أن تتكاتف جهودهم لبيان براءة السلفية الإصلاحيّة من هذا النّهج الذي تستّر بستار "الجرح والتّعديل" لبثّ الفرقة بين أهل السنّة وإشغالهم بمعارك خاطئة عمّا يُحاك للأمّة المسلمة.. ليس ضروريا أن يُعامل أتباع هذه السلفية بالمثل، ويُعمل فيهم مبضع الجرح ويُحذّر منهم؛ فالجمهور الغالب منهم قد غرّر بهم باسم نصرة السنّة، وإنّما الواجب أن يكثّف العلماء والدّعاة جهودهم لإنقاذ الشّباب المغرّر بهم من هذا المسلك الخطير، رحمة بهم وبأمّة الإسلام.

  • print