نهاية أسطورة "حكم الشعب بالشعب"

date 2017/05/17 views 6698 comments 0

نهاية التاريخ لم تأت كما حلم بها فوكوياما بانتصار النموذج الغربي الديمقراطي الليبرالي كما شُبِّه له بعد سقوط جدار برلين بل يُسوَّق اليوم لـ"نهاية تاريخ" هي أقرب لما حذر منه جاك لندن في رواية (العقب الحديدي) وجورج أورويل في رواية (1984) بقيام فاشيةٍ عالمية للأوليغارشية المالية، تعيد الهيمنة للحزب الواحد في السياسة والاقتصاد والثقافة في عملية توحيدٍ عابرة للحدود وللثقافات والحضارات والمعتقدات البشرية.

ليس من الممكن القفز على أحداث الانقلاب الحاصل على الديمقراطية في فرنسا: البلد الذي شهد مع الثورة البورجوازية ميلاد النظام الحزبي مع "الجاكوبان" و"الجيروندان": أصل اليمن واليسار في التعددية والتداول الديمقراطي على السلطة في الغرب، لأن ما حصل في فرنسا هذا الأسبوع هو بداية توحيد بين آل "الجبل و"آل السهل" كما كان يُصنف اليسار واليمين في أول برلمان تنشئه الثورة البورجوازية الفرنسية.

الرجل الذي رشحته الأوليغارشية لقيادة ثورة أرباب المال على مخلفات ثورة أرباب العمل لم يخدع الناخبين، فقد رفع قبل بداية الحملة شعار "من اليمين ومن اليسار" وهو الذي قدِم من اليمين الأوليغارشي وتربص داخل حكومة محسوبة على اليسار لم يتردد كثيرا في تعيين رئيس حكومة من اليمين كان قد تربص من قبل في اليسار، لتشكيل حكومة سوف تكون مهمتها توليد حزب واحد من بقايا اليسار واليمين في التشريعيات القادمة.

التوحيد بدأ مبكرا مع الانفتاح في أوروبا على يمين اليسار من الاشتراكيين زمن ميتران لإدارة البلد باقتصادٍ ليبرالي صرف، ويتوج اليوم بانتخاب رئيس أعسر يميني يرضى عنه "يهود اليسار" وبقايا "نصارى" اليمين، ما دام الخلاف العقائدي قد حُسم بانتصار كاسح لليبرالية المتوحِّشة على المستوى العالمي، وتم سحق وتطويق الطبقة العمالية باكتتاب وتوظيف نقاباتها، وبدأت مرحلة تجريد الشعوب من الحقوق السياسية قبل معالجة ما بقي من حقوق الإنسان، وكان قد انتهى من تجريده من العقيدة الدينية، ليحوَّل إلى محض آلة لاستهلاك السلع والخدمات وأساطير العهد الجديد.

الروائي الأمريكي جاك لندن كان قد تنبأ بهذا المشهد في رواية "العقب الحديدي" في 1911 وحذر الشعوب من قيام دولة فاشية عالمية بقيادة أرباب الأوليغارشية المالية تدوم ثلاثة قرون، فيما انبرى جورج أورويل سنة 1949 في رواية (1984) لرصد أدواتها الناعمة بتسخير التكنولوجيا لغسل أدمغة العوام وقدّم للمشهد بشخصيته المركزية "الأخ الكبير" أو (Big Brother ) كشخصية مجازية لنظام بوليسي قمعي يدير مجتمعا تخضع فيه الحريات إلى رقابة الوسائط التكنولوجية.

"الأخ الكبير" لم يظهر بعد للعيان لكنه عند عتبة "سرداب"؛ فالقوى المكلفة بتهيئة مسرحية الخروج تعمل اليوم بوتيرةٍ محمومة ربما لأنها لا تواجه بمقاومة تُذكر من شعوب تائهة ساقطة تحت تأثير "عفيون الإعلام" وثقافة الاستهلاك بشراهة، مرعوبة من حملات التخويف بالجائحات الطبيعية والاصطناعية، ولم يعُد لهذه القوى من خصم افتراضي سوى هذه الكتلة البشرية من المسلمين التي قد يحرمها دينُها ـ الممانع للاختراق والتحريف ـ من استكمال بناء بيت الدجال بصياغة وتعميم دين جديد واحد موحّد، قد بني له معبد خرافي في "آستانا" بكزاخستان، يلتئم فيه سنويا منذ أكثر من عقد مشايخ الديانات والمعتقدات: أحبار وقساوسة المستقبل في الدين الجديد.

  • print