دحو ولد قابلية في شهادة مثيرة للشروق في ذكرى يوم الطالب:

ضحايا حادثة "لا بلويت المرعبة" يستحقون صفة شهداء

date 2017/05/18 views 5352 comments 4
  • هكذا قلب 2000 طالب الطاولة على الفرنسيين
author-picture

icon-writer بقلم: دحو ولد قابلية

تحيي الجزائر ذكرى يوم الطالب في 19 ماي من كل سنة، وتؤكد هذه الذكرى أيضا أن هذه الفئة من السكان تركت بصمتها العميقة في تاريخ كفاح التحرير الوطني.

وبالفعل ففي تاريخ 19 ماي 1956، قرر بكل سيادة، الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي تم إنشاؤه قبل سنة بإشراف جبهة التحرير الوطني، حيث كان يشكل امتدادها السياسي والإيديولوجي، قرر أن يوجه نداء للتوقف عن الدراسة والتحاق الشبيبة الطلابية بالنضال من أجل التحرر من نير الاستعمار.

تم تلبية هذا النداء بالإجماع على مستوى الجامعات والمدارس والمعاهد والثانويات والإعداديات داخل وخارج الوطن.

ولن أسهب في الكلام عن ظروف إنشاء الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين ولا عن دوره التجنيدي عشية هذا الحدث التاريخي، لأن هذه الأمور معروفة، ولكن سألح على القول إن هذا القرار الهام كان بالدرجة الأولى عملا سياسيا بارزا حدد بوضوح على نحو لا يمكن تجاوزه مكانة الشباب الجزائري ضمن صف المعارضين للوجود الفرنسي ببلادنا، مما أفسد على الإدارة الفرنسية حجتها التي تصف مجاهدي جيش التحرير الوطني بمجموعات هامشية من المتمردين الجهلة، المستعملين من طرف الخارج والمعزولين عن السكان الذين كانوا يخضعونهم ويسيطرون عليهم بالرعب.

لم يكن هذا القرار السياسي رغم أهميته، هدفا في حد ذاته، بل كان استجابة للدعوة التي تضمنها النداء إلى الإضراب.

كما كانت له امتدادات طبيعية فيما يخص الالتزام بالعمل داخل وخارج البلاد.

هذا الالتزام كان له صدى واسع، حيث إن أكثر من ثلثي الجامعيين الذين لم يتجاوز عددهم الـ 2000 إلى جانب عدد أكبر بكثير من الثانويين سيلتحقون كلهم بجبهة وجيش التحرير الوطنيين.

على المستوى النوعي، سمح المستوى الفكري لهؤلاء الطلبة وتنوع تكوينهم باضطلاعهم بأدوار هامة نظرا لكفاءتهم والتزامهم الوطني وإصرارهم.

وهكذا التحق بالداخل منذ صائفة 1956 آلاف الشباب بالرواد المفجرين لثورة أول نوفمبر، من ضمنهم مثقفون كبار ملتزمون على غرار بشير شيحاني، عباس لغرور، محمد لعموري، علي كافي، الهاشمي هجرس، الإخوة زعموم، عمارة رشيد، طالب عبد الرحمن، سي الحواس، محمد شعباني، ابراهيم زدور، هواري بومدين، لطفي، عقبي، بوتفليقة، مدغري.. كلهم متخرجون من معاهد إسلامية أو جامعات أو ثانويات، مما يسمح بالتأكيد على أن العنصر المثقف أو أولئك الذين يطلق عليهم مجازا "القاريين" أي المتعلمين لم يكونوا غائبين عن مسرح الأحداث.

دائما بداخل البلاد، سيتم إدماج هؤلاء "المضربين" في جبهة التحرير وجيش الوطني FLN/ALN ضمن الهياكل السياسية الحضرية السرية، في مهام خاصة بالصحة (أطباء وممرضون) وفي الصحافة والدعاية ولاسيما بالنسبة للأغلبية منهم في الوحدات القتالية. وتستحق هذه النقطة الأخيرة توضيحا للإجابة عن تساؤل يتكرر باستمرار وهو في الغالب محل تغييب.

هل كان لشباب الداخل نفس الحظوظ التي كانت لإخوانهم العمال والفلاحين بما يؤدي إلى تثمين قدراتهم وصولا إلى تولي المسؤوليات التي كانوا يطمحون إليها بالنظر إلى إمكانياتهم؟

أجيب لم يكن الأمر كذلك دائما، وبالفعل فقد كانوا موضوع تهميش وتمييز ظاهرين في العديد من الجهات.

والسبب في ذلك أن كثيرا من المسؤولين العسكريين للنواحي والمناطق كانوا يولون الأهمية في المقام الأول عند تقييم المجاهدين إلى "البنية الجسدية" وقوة الشخصية وكذا روح القيادة والقدرة على الاندماج في الوسط الريفي بهدف تطوري غريزة البقاء، إلا أن هؤلاء الطلبة والتلاميذ لم يخيبوا الظن في كل الأحوال، حيث تمكنوا من رفع التحدي مواجهين الصعاب إلى درجة التضحية الكبرى، وقد ضحى فعلا الكثير منهم بحياتهم لالتزامهم التام بقضيتهم.

كما كان مصير الكثير منهم مجحفا ودفعوا حياتهم ثمنا لعدم قدرة قادتهم على تفادي المؤامرة الشيطانية التي حاكتها مراكز المصالح النفسية المختصة لجيش العدو التي أعدتهم للتصفية الجسدية من طرف إخوانهم أنفسهم.

حقيقة كان تأمين الجبال ضرورة حيوية للحفاظ على الثورة وهو أمر يقتضي الحيطة والحذر الكبيرين كما يضفي الشرعية على مواجهة أدنى الشكوك بسرعة وصرامة وهذا مشروط بألا تستمر الأمور لمدة أطول ولا تمتد إلى جهات أخرى، وهذا ما حدث بكل أسف فيما يخص قضية "la bleuite" المرعبة في سنة 1958.

هؤلاء الضحايا الأبرياء كانوا إذن ومن دون أدنى شك، الضحايا المباشرين للجيش الاستعماري ويستحقون بالتالي صفة الشهيد.

يجب معرفة أن تصفية النخبة شكلت هدفا أوليا ودائما لجيش العدو، نظرا لما كانت تمثله من خطر مزدوج أثناء الحرب من جهة، وبالنسبة للمستقبل لكونها خزانا لإطارات الجزائر المستقلة من جهة أخرى.

وأقول للتخفيف من حدة هذه اللوحة القائمة أن أقلية من هؤلاء الشباب الذين يعتبرون النتاج المباشر لإضراب الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين تمكنوا من الصمود وأصبحوا بفضل قوة التزامهم وثبات قناعاتهم، إطارات كبيرة في جيش التحرير الوطني، مسؤولي الوحدات القتالية، محافظين سياسيين من المستوى العالي، قادة نواح أو مناطق، أعضاء مجالس ولائية على غرار عمارة رشيد، عبد العالي بن بعطوش، عبد الرحمن بن حميدة، بوعلام أوصديق، وقادة ولايات على غرار العقيد يوسف الخطيب، أعضاء الحكومة المؤقتة مثل الأمين خان، دون نسيان أحد مؤسسي الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين محمد الصديق بن يحيى، الذي أصبح في وقت قصير عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية "CNRA" وأحد منشطيه الرئيسيين.

من جهة أخرى، ماذا عن أولئك الذين التحقوا بجبهة التحرير الوطني خارج الوطن، وبعواصم البلدان الشقيقة أو مباشرة بالقواعد الخلفية لجيش التحرير الوطني؟

سيكون مصيرهم مختلفا ومرتبطا مباشرة بالاحتياجات المتولدة عن ضرورة سياسية وتقنية لإستراتيجية دعم وإسناد الكفاح المسلح الذي كان يجري في الداخل.

انطلاقا من كون أن جيش التحرير الوطني لم تكن تنقصه السواعد، فإن كل العناصر التي كان يمكن استخدامها بطريقة أخرى، سيتم تكليفها من طرف مسؤولين بعيدي النظر، بمهام استعجالية ذات علاقة مباشرة بمستواهم، أو سيلزمون بمتابعة تكوين مناسب من أجل الحصول على تأهيل عملي خاص.

فيما يتعلق بالمهام الاستعجالية، سيتم بداية من سنة 1957 تعيين المجموعات المؤهلة بصفة رؤساء مهمة لجبهة التحرير الوطني بعواصم البلدان الشقيقة والصديقة على غرار توفيق بوعتورة، لخضر ابراهيمي، علي لخضري، محمد كلو، صالح بن قبي، عبد المالك بن حبيلس، حفيظ كريمان، جمال حوحو، محمد سحنون، علي عبد اللاوي، مولود قايد (الإتحاد العام للعمال الجزائريين)، صغير مصطفاي،... إلخ.

من جهة أخرى ستلتحق مجموعة أخرى بالجهاز الإداري للجنة التنسيق والتنفيذ CCE، وكذا مصالح الإعلام (الصحافة الوطنية والإذاعة) بلعيد عبد السلام، رضا مالك، محمد بجاوي، محمد حربي... كما سيتم توزيع الأطباء الشباب وطلبة الطب مع كثرة عددهم، على وحدات جيش التحرير الوطني بالحدود، وبالقواعد الخلفية في خدمة اللاجئين وكذا بالمستشفيات المدنية المغربية والتونسية التي كانت تتوفر على أجنحة مخصصة حصريا للمجاهدين الجزائريين المرضى أو المجروحين. أخيرا، تم التكفل بالمجموعات الأقل تأهيلا والأكثر عددا، من طرف القيادات العسكرية للمناطق الحدودية.

وبغرب البلاد بصفة خاصة أين كان عددهم كبيرا، لكونهم ينحدرون من الجالية الجزائرية الهامة القاطنة بالمغرب، فإن تواجدهم بهذه المنطقة لم يسبب أي حرج للعقيد عبد الحفيظ بوصوف قائد الولاية الخامسة، هذا الأخير أخذ العبرة من النقائص التنظيمية والمادية التي ميزت سنتين من الحرب، وفكر بسرعة في الفائدة التي يمكن أن يجنيها عن طريق تكوين سريع في ميادين كانت تعاني من نقائص بادية للعيان: الاتصالات، الاستعلامات، الرقابة، الاتصال والمواصلات والإمداد.

في هذا السياق، تم إنشاء مدرسة للإطارات السياسية - العسكرية سنة 1957 وكذا مراكز للتكوين في مجال الاتصالات.

وقد كانت النتائج سريعة، إذ تمكن جيش التحرير الوطني في بضعة أشهر من تجهيز نفسه بتقنيين في مجال الراديو لتسهيل الربط والاتصالات، كما تم تغيير الجانب العملياتي وهذا بوضع مراكز للتنصت على العدو، من جهتها قامت مصالح الاستعلامات والاستعلامات المضادة بتطوير شبكة تغطى عدة مناطق جغرافية داخل وخارج الوطن بما فيها التراب الفرنسي.

وتمثل النجاح الأكبر في وضع مركر للإرسال الإذاعي الذي مكن من إسماع صوت جبهة التحرير الوطني منذ تاريخ 16 ديسمبر 1956.

هذا التكوين لم يتوقف، بل سيتم تمديده ليشمل الجهة الشرقية للوطن تحت إشراف العقداء كريم بلقاسم، عبد الحفيظ بوصوف، عمار أوعمران، عميروش وقد استمر في الصعود إلى غاية الاستقلال.

من جهتها شرعت الشبيبة الجزائرية في اقتحام المجال التقني العلمي والتمكن منه، وهو أمر كان من المستحيل تصوره عند بداية الثورة.

كما تم تحقيق قفزة نوعية ثانية من خلال فتح أكاديميات ومعاهد عسكرية للبلدان الشقيقة بكل من مصر، سوريان، الأردن، العراق، حيث التحق مئات الجزائريين بهذه المراكز للتحكم في مهن الطيران بكل تخصصاته: الطيارون، الملاحون، تقنيو أجهزة الرادار، المهندسون، الميكانيكيون، مختصو الأرصاد الجوي، المظليون. وكذا المنتمون لسلاح البحرية بتفرعاتها المتمثلة في قوات الكومندوس ورجال الضفادع.

وعاد النصيب الأكبر في هذا التكوين إلى القوات البرية بكل مكوناتها، المشاة، سلاح المدرعات، المدفعية والهندسة العسكرية.

سيتم لاحقا استدعاء بعض الضباط المتخرجين من فترة التكوين الأخيرة لسلاح المشاة من طرف قائد الأركان العامة، العقيد هواري بومدين لأجل تدعيم قيادة أركانه، أما المتبقين فسيتم توجيههم على فترات لتأطير فيالق جيش التحرير الوطني ولتكوين المجندين الجد بمراكز التكوين التابعة لجيش التحرير الوطني على الحدود إلى جانب العشرات من إخوانهم الضباط وضباط الصف الفارين من مراكز تكوين الجيش الفرنسي sain maixent على الخصوص. 

ولم يقتصر مكان تقديم هذا التكوين العسكري الخاص والمتعدد الأشكال على البلدان الشقيقة، فقد فتح الإتحاد السوفياتي وجمهورية الصين مراكزهما للطيارين الجزائريين المتربصين لاستكمال تكوينهم على الطائرات الأكثر تطورا لتلك الفترة: المطاردات من نوع ميغ 17 وميغ 15، طائرات النقل من نوع إليوتشين، طائرات هيلوكبتر من نوع MI4 لدرجة أصبح معها هؤلاء الطيارون جاهزين منذ سنة 1961.

تحدثت لحد الآن عن التكوين ذي الطابع أو الاستخدام العسكري الذي تم تخصيصه بصفة مباشرة لدعم الكفاح الذي خاضه جيش التحرير الوطني والذي تجسد بتدعيم قدراته العملياتية بفضل التحكم في الجانب التقني العلمي. وقد تجاوزت نظرة وأهداف جبهة التحرير الوطني مع ذلك حدود هذا الإطار، وهكذا فمنذ سنة 1959، وبعد خطاب الجنرال ديغول الذي كان محل ضغوط عسكرية سياسية ودبلوماسية مارستها عليه جبهة التحرير الوطني، وجعلته يذعن لمطالب الشعب الجزائري المتمثلة في الحق في التعبير عن مستقبله عن طريق استفتاء تقرير المصير، وعليه شرعت جبهة التحرير الوطني في تنفيذ سياسة تكوين ضخمة لفائدة إطارات ما بعد الاستقلال.

اختار فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بالتنسيق مع مسؤولي الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، بلعيد عبد السلام، ومسعود آيت شعلال توجيه التكوين نحو التخصصات الأكثر حساسية: البتروكيمياء، الاقتصاد، الميكانيكا، الري، الهندسة الريفية، الهندسة النووية، الفلاحة، الجيولوجيا، الحديد والصلب، وكل العلوم التي كانت ممنوعة عن الجزائريين بالجامعات الفرنسية لتلك الفترة.

وعلى مستوى الجمعية التي أترأسها، جمعية قدماء هيئة التسليح والاستعلامات العامة MALG نتوفر على معطيات شاملة عن مجموع هذه الأعمال الخاصة بالتكوين سواء منها ما يتعلق بالمضمون، أم بمستوى ومدة الدراسات وكذا القائمة الكاملة تقريبا لكل الذين استفادوا من هذا التكوين. وسنع هذا الملف في الوقت المناسب، تحت تصرف المؤرخين والباحثين.

يتعين علي حاليا تقديم حصيلة بالأرقام لتمكينهم في نهاية المطاف من تقييم مساهمة الطلبة الجزائريين في حرب التحرير الوطني المجيدة.

على المستوى العسكري، سبق لي التطرق على مساهمتهم. وعلى المستوى السياسي، سجلت الدبلوماسية الجزائرية تحت قيادة هذه الإطارات، نقاطا مهمة بكل العواصم المستهدفة وكذا بهيئة الأمم المتحدة، بدفع من شخصيات محنكة مثل محمد يزيد وعبد القادر شاندرلي.

فيما يخص المستوى السياسي دائما، استحوذت إطارات مصلحة الاستعلام للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وهيئة التسليح والاستعلامات العامة على حصة هامة، أكثر من مئة إطار، فيما يخص إعداد ملفات المفاوضات مع العدو الفرنسي وهذا منذ 1960 بفضل مجموع المعلومات ذات القيمة الكبيرة التي تم جمعها من المصادر الأكثر قربا من السلطة الفرنسية.

وفيما يخص مجال الصحة، والطب التابع لجيش التحرير الوطني، أريد فقط التذكير أنه من بين 200 إلى 300 طبيب وطالب في الطب، كان يتوفر عليهما البلد مابين سنة 1954 و1956، التحق أكثر من نصفهم بجيش التحرير الوطني منهم العشرات التحقوا بالجبال، علما أن أكثر من النصف لقي حتفه وبالموازاة مع ذلك تم بصفة استعجالية تكوين مئات الممرضين والممرضات.

إن الاستقلال الذي دفعنا ثمنه غاليا، تم الحصول عليه بفضل تضحيات الشعب (حيث تم قتل عشر 10/1 السكان) وبفضل المجهودات الجبارة لمجاهدي الداخل الأشاوس الذين صمدوا أمام القوة العسكرية الرابعة عالميا، لم يباغت جبهة التحرير الوطني التي، زيادة على مهمتها الرئيسية في قيادة الثورة، قامت باستقبال وتشجيع وتكوين نخبة من الرجال والنساء اعتمادا على شباب مثقف ومستعد للعمل لدرجة جعلت منهم أعمدة لا يمكن تجاوزها على مستوى الدولة الجزائرية المستعادة، كما جعلت منهم الدرع الحصين للجيش والإدارة المركزية والإقليمية، الدبلوماسية، مصالح الأمن والمصالح التقنية الأكثر تعقيدا وهذا بكل روح مسؤولة وبكامل السيادة.

المجد لطلابنا الشهداء..

  • print