قرارٌ تاريخي لهدى فرعون

date 2017/07/08 views 5636 comments 30

في البداية لابدّ أن نشكر الوزيرة هدى فرعون ومجلس إدارة بريد الجزائر على قرار إلغاء اللغة الفرنسية من جميع الوثائق والمحررات الرسمية الصادرة من هذه المؤسسة وتعويضها باللغة العربية، فلا شكّ أنه قرارٌ تاريخي وشجاع يقتضي الإشادة شرط أن تثبت عليه الوزيرة.

لا شكّ أن تنفيذ القرار ليس سهلا على الإطلاق، وسيقابَل بالكثير من الرفض والصدود ومحاولات العرقلة، وسيصحب ذلك حملةٌ إعلامية وسياسية فرنكفيلية مركّزة تطعن في القرار وتحرّض على عدم تنفيذه، فالتيار الفرنكفيلي في الجزائر لا يزال قويا، في دواليب الحكم وخارجها، ولن يقبل بنهاية هيمنة "غنيمة الحرب" على الجزائر.

وبهذا الصدد يجدر التساؤل عن هذه الخطوة: لماذا اتخذتها وزارة البريد وحدها؟ هل يعود الأمر إلى خطوةٍ انفرادية منها؟ أم تمّت بتوجيهات من الحكومة تمهيدا لتعميمها لاحقا إلى باقي الوزارات والقطاعات فضلا عن تعريب المحيط؟ 

إذا كان الاحتمالُ الثاني هو الأصحّ، فهذا يعني أن هناك قراراً أتُّخِذ على مستوياتٍ عالية، على الأقل على مستوى حكومة تبون، باستئناف عملية تعميم استعمال اللغة العربية التي جُمّدت عمليا وبلا أي مرسوم منذ عام 1999، أي منذ 18 سنة كاملة لم يتقدّم التعريبُ خلالها خطوة واحدة وحققت فيها الفرنسية مكاسبَ كثيرة جعلت المتتبعين يؤكدون أن ما حققه النظام لهذه اللغة في الجزائر خلال نصف قرن فقط من استقلالها لم تحققه لها فرنسا ذاتها طيلة 132 من الاحتلال، وتلك كانت إحدى أكبر مفارقات الجزائر المستقلة التي استعادت سيادتها السياسية ولكنها لم تستعد سيادتَها اللغوية وبقيت العربية مهمّشة في عقر دارها أمام الزحف الكاسح للفرنسية.

 واليوم تأتي هذه الخطوة من الوزيرة فرعون ومؤسسة بريد الجزائر لتشكِّل مفاجأة كبيرة لم يكن أحدٌ ينتظرها على الإطلاق، فبلا مقدِّمات يصدر قرارٌ بإلغاء الفرنسية من وثائق البريد وتعويضها بالعربية، ومع أن القرار جريءٌ وأفرح الكثير من الجزائريين، إلا أن التجارب السابقة للتعريب تجعلنا نتوجّس خيفة من تكرار ما حدث في العقود السابقة؛ ففي مرّاتٍ عديدة كان التعريب يقطع خطوة فيقوم الفرنكفيليون بإعادته خطوتين إلى الوراء، حدث ذلك في مناسباتٍ عديدة أهمّها تجميد قانون التعريب في جويلية 1992 ثم في أواخر جوان 1996، بعد أيَّام من اغتيال معطوب الوناس وخروج "الأفافاس" في مظاهرات ببلكور تطالب بتجميد التعريب، وهو ما استجاب له زروال آنذاك تحت ضغوط جهاتٍ مختلفة.

التعريب يحتاج أوَّلا إلى إرادة سياسية حقيقية وثباتٍ على تطبيقه وتعميمه، ويحتاج كذلك إلى من يدافع عنه وينفذه ولو بشكل فردي، فأغلب المواطنين يملأون صكوكهم البريدية والبنكية باللغة الفرنسية بدل العربية بعد 55 سنة كاملة من الاستقلال، أليست هذه مفارقة وخذلانا غير مبرَّر للعربية على المستوى الشعبي كما هو على المستوى الرسمي؟ الكثير من المواطنين أيضاً يتحدّثون بلغةٍ هجينة مليئة بالمفردات الفرنسية، ولا يبذلون جهودا لتنقية ألسنتهم من هذا التلوّث اللغوي الغريب الذي تفشّى كالوباء في السنوات الأخيرة. فهل يحتاج هؤلاء إلى قانون يُلزمهم باستعمال عربيةٍ مهذّبة؟

  • print