الجزائر ضمن مجموعة العشرين في 2030.. سيناريو ممكن!

date 2017/07/13 views 14147 comments 24

في حديثي عن التحديات الرئيسة التي ستواجه الجزائر في حدود سنة 2031 بمناسبة الجامعة الصيفية التي نظَّمتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ أيام قليلة، تناولتُ مسألة توقع صندوق النقد الدولي إمكانية ارتقاء الجزائر في سنة 2030 إلى المرتبة 20 ضمن دول العالم من حيث الناتج الوطني الخام محسوبا على أساس تعادل القدرة الشرائية، أي أن تُصبح ضمن مجموعة G20، رغم كل التحديات والصعوبات الذي تعرف، مما أثار حيرة وتساؤلات عدة أحاول في هذا المقال العودة إليها.

بالفعل توقع صندوق النقد الدولي في سنة 2015، وعلى أساس مؤشرات سنة 2014، أن ترتقي الجزائر من الرتبة 43 عالميا التي كانت فيها إلى الرتبة عشرين، وذلك من خلال حساب الناتج الوطني الخام منسوبا لتعادل القدرة الشرائية PIB/PPA، حيث سيصل  في سنة 2030، إلى 1422 مليار دولار، بدل 357 مليار دولار التي كانت في سنة 2013، ومنه ستحتل الجزائر الرتبة 20 ضمن الترتيب العالمي بعد كل من إيران (19) ونيجيريا (18) واسبانيا (17)، وتكون بذلك إحدى الدول التي تُشكل هذه المجموعة، التي توقع الصندوق أن يكون ترتيبها في سنة 2030 كالتالي (من 01 إلى 20): (الصين، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الهند، اليابان، فرنسا، ألمانيا، روسيا، البرازيل، اندونيسيا، بريطانيا، المكسيك، إيطاليا، كوريا الجنوبية، السعودية، تركيا، كندا، اسبانيا، نيجيريا، إيران، الجزائر). بما يعني أن هناك سيناريو محتملاً أن ترتقي الجزائر إلى هذه المرتبة وفق معطيات وتوقعات الصندوق.

توقع صندوق النقد الدولي في 2015، وعلى أساس مؤشرات سنة 2014، أن ترتقي الجزائر من الرتبة 43 عالميا التي كانت فيها إلى الرتبة عشرين، وذلك من خلال حساب الناتج الوطني الخام منسوبا لتعادل القدرة الشرائية PIB/PPA، حيث سيصل  في 2030، إلى 1422 مليار دولار، بدل 357 مليار دولار التي كانت في 2013.

وبغض النظر عن مدى صحَّة هذه التوقعات، ومدى امكانية تحقق هذا السيناريو، ما أثار انتباهي هو تلك الحيرة التي أصابت الكثير من الحضور من إمكانية أن تكون الجزائر بالفعل ضمن مجموعة العشرين، دون أن تصيبهم حيرة من أن تكون بلدانٌ مثل المكسيك والسعودية، واندونيسيا، والأرجنتين... ضمن هذه المجموعة اليوم؟ وهل وصل بنا اليأس إلى درجة أننا نرفض حتى التوقعات المتفائلة تجاه بلدنا؟ ولماذا لم ننظر للمسألة حتى ضمن السيناريوهات الممكنة، والمستقبل الذي يُصنع وقلنا إن بلادنا يمكن أن تصل إلى هذه الدرجة وأكثر إذا ما توفرت لديها رشادة في الحكم ورؤية واضحة وإرادة في العمل؟ لماذا سيطر علينا التفكير الخطي بأن كل شيء باق على حاله وسنستمر في الرتبة 43 أو نتدهور أكثر؟ لماذا لم نسأل: كيف علينا أن نصل إلى تلك الدرجة المتوقعة مادام غيرنا ممن لديهم امكانيات أقل تمكنوا من الوصول إليها؟ وأين الخلل الذي تركنا لا نُصبح من بين الدول الصاعدة مثل البرازيل وجنوب افريقيا وكوريا الجنوبية وتركيا وإيران؟

يبدو بالفعل أن ضعف السياسات الحالية، واضطرابها وغياب الرؤية لديها، أنتجت قناعة تكاد تكون شبه تامة بأن حالنا سيتدهور أكثر في المستقبل، وأن ما ينتظرنا هو الأسوأ انطلاقا من تفكير خطي يفترض استمرار الحال عما هو عليه، واستمرار الرداءة والفساد متفشيين إلى ما لا نهاية، بل وكادت تمنع حتى امكانية التفكير في سيناريو بديل لِما هو آت، وهذا الذي ينبغي الشروع في تغييره على مستوى الوعي والرؤية قبل النزول إلى الميدان.

ينبغي أن نعلم أن المستقبل يُصنَع، ولا يُكشَف عنه، لا من قبل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو غيرهما من المؤسسات، وأنه ليس محددا سلفا، وسواء أكان صندوق النقد الدولي صادقا أو غير صادق في توقعاته، فإنه بإمكاننا أن نجعل من هذه الغاية هدفا مستقبليا يمكن تحقيقه وأن نُبادر الآن بطرح الأسئلة الصحيحة التي ينبغي أن تُطرَح: ما الذي ينبغي أن يُصحَّح لنحقق هذه الغاية وأكثر؟

لعلنا نتفق جميعا أننا غير راضين على سنة 2014، وأننا نعرف أنها عرفت نقصا كبيرا في المداخيل جراء بدء انخفاض أسعار المحروقات، وعرفت تبذيرا غير محدود في الموارد، فضلا عن السنوات التي تلتها (تبديد 7.5 مليار دولار في الكماليات سنة 2015)، فكيف لا يمكننا أن نتوقع إمكانية تحقيق سيناريو أفضل من التشاؤمي الذي نكاد نضع أنفسنا ضمنه، لو تمكنا من تغيير مؤشرات السنوات القادمة بوعي أكبر وبرشادة في الحكم أفضل وبسياسات عامة أكثر نجاعة ومحاربة فعَّالة للفساد؟

يبدو لي أنه علينا أن نختار هذه المنهجية في التفكير إذا ما أردنا تطوير واقعنا نحو الأفضل، إذ ليس حُلما أبدا أن نكون ضمن مجموعة العشرين خلال الـ 15 سنة أو الـ20 سنة، بل ليس حلما أن نكون أفضل من ذلك، هي فقط مسألة إرادة ورؤية ونوعية رجال ونساء في التسيير والقيادة...

مشكلتنا هي باستمرار هذه، وكل خبراء الاقتصاد يعرفون أننا كنا في مستوى كوريا الجنوبية في منتصف الستينيات وأفضل في بعض الجوانب، وكلهم توقعوا لنا الانطلاقة نحو الخروج من التخلف مع نهاية الثمانينيات، إلا أننا أوقعنا أنفسنا فيما هو أسوأ من التخلف، الاقتتال الداخلي إلى درجة الكارثة، لسبب رئيس واحد لا يتعلق بضعف الموارد أو القدرات البشرية إنما بضعف القيادة وانعدام القدرة لديها على التكيف مع التطورات وصناعة المستقبل، مما أدخلنا في دوامة من الصراعات الداخلية والتحطيم الذاتي غير المسبوق، وتركيز السياسات على الأشخاص بدل الرؤية الوطنية الشاملة، إلى درجة أن وصلنا إلى حالة من الارتياب والشك ليس في ما سنكون عليه سنة 2030 أو 2050 إنما بعد سنتين من الآن.

لقد كانت تلك الغاية من تعليقي على توقعات صندوق النقد الدولي لسنة 2030، باعتبارها ليست مسلَّمات وإنما أهدافا يمكنها أن تُحفزَّنا على التفكير في المستقبل وعلى طرح السؤال الرئيس الذي ينبغي أن يشغلنا: لِمَ لا يكون ذلك حقيقة؟ لِم لا يتحقق ذلك؟ ما الذي يمنع من تحقيقه؟

بكل تأكيد هناك تحدياتٌ أكثر من كبيرة تنتظرنا، لخّصتها أمام الحضور في ثلاث مجموعات: (حرب العقول، وحرب البذور وحرب الفجار)، باعتبار أن أخطر ما ينبغي أن نواجهه هو ما سمّاه  Pado Cioni  في كتابه "عبيد النورانات" Neuroésclaves أي تلك الحرب التي ستوجه نحو أدمغتنا، أي أولئك الذي سيعلمون على أن نكون عبيدا لهم من خلال التكنولوجيا المتقدمة، وانترنت وفايسبوك وغيرهما... تليها تلك الحرب التي تنتظرنا في مجال التحكُّم في غذائنا من خلال التعديل الجيني لجميع أنواع البذور ومحاولة منعنا من أن نستقل ببنوك خاصة ببذورنا أي أن يكون لنا انتاج غذائي مستقل، وفي مرتبة ثالثة تلك المتعلقة بالمتحكمين في تجارة السلاح والمخدرات وتبييض الأموال وصانعي الجماعات الإرهابية ممن سميتهم بالفجار، الذين لن يتوقفوا لحظة على منعنا من أن تكون لنا مكانة بين الأمم في العقود القادمة سواء مجموعة العشرين أو غير العشرين.

ومعنى ذلك أننا إن كان من حقنا أن نحلم ونعمل من أجل أن نحتل المكانة اللائقة بنا في المستقبل، فمن واجبنا أيضا أن نحتاط للمخاطر والتهديدات والتحديات التي تواجهنا في كل مكان وعلى المستويات الثلاث: التكنولوجي والغذائي والأمني، وهي مهمة الشباب التي ينبغي أن يستعدوا للقيام بها على أحسن وجه.. ولعلَّها هي الرسالة التي أرادت جمعية العلماء إيصالها إلى جيل الغد من أبنائها في جامعتها الصيفية، ربما كان لنا بعض الإسهام فيها مع مَن شاركونا هذا الهمّ.

  • print