مستشفياتُنا.. آخر العلاج الكيّ

date 2017/08/05 views 1428 comments 9

بدايةً، نأمل أن يكون الهدف من قرار إيداع المتهمين الخمسة في قضية وفاة حامل ومولودتها بالجلفة، الحبس الاحتياطي تمهيدا لمحاكمتهم لاحقا، هو الشروع في إعادة الاعتبار لقطاع الصِّحة المريض، وليس تقديمهم ككباش فداء لتهدئة الأوضاع وامتصاص الغضب الشعبي ثمّ طيّ الملف بعد ذلك.

ما قام به المتَّهمون الخمسة من عدم تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر، لا يمكن تبريرُه وينبغي أن يحاكَموا عليه لينالوا ما يستحقون من عقابٍ عادل، ولكن ماذا عن باقي المنكرات التي تحدث يوميا بمستشفياتنا وعياداتنا العمومية ومستوصفاتنا بمختلف أنحاء الوطن؟ ماذا عن معاملة المرضى بكثير من الجفاء والغِلظة والنفور؟ ألا ينبغي تجريم هذه السلوكات أيضاً وجرُّ أصحابها إلى العدالة؟ ألا تستحق إهانة المرضى والاستخفاف بهم ورفض تقديم العلاج لهم متابعة ذوي الضمائر الميتة وسجنهم؟

هذا هو محورُ "إصلاح المستشفيات" الذي اتخذته وزارة الصحة شعارا لها منذ سنوات دون أيِّ أثرٍ له في الميدان، ودونه ستبقى المؤسَّسات الاستشفائية والصحية المختلفة هياكلَ خاوية لا روح فيها حتى وإن زُوِّدت بأحدث الأجهزة الطبية، وما نفعُ هذه الأجهزة إذا كان ذوو الضمائر الميتة –وبدون تعميم- يعملون على تعطيلها بهدف "تهريب" المرضى إلى العيادات الخاصة فتزيدهم إرهاقا ونصَبا؟

اليوم ينبغي أن يتركّز الإصلاح الصحي على ردع كل من يخطئ بحق المرضى ويعاملهم بازدراءٍ أو فظاظة أو يتقاعس عن أداء واجبه ويرفض تقديم خدمةٍ طبِّية لهم وهي في متناوله، فلا إصلاح للقطاع من دون عقوباتٍ للمستهترين الذين حوّلوا المستشفيات والمِصحّات العامة إلى أملاكٍ خاصة يحرصون فيها فقط على تقديم العلاج الكامل والمعاملة الحسنة لمعارفهم، في حين يلقى باقي المرضى البسطاء الكثير من الصّدود والنَّصب والعذاب، ما يزيد أمراضَهم تفاقما. 

ولإزالة كل العراقيل والذرائع الوهمية، ينبغي للوزارة أيضاً أن تلغي التنظيم الذي يحرم المواطنين من حقهم في العلاج بحرِّية حيثما كانوا، وهذا بحجّة ضرورة الاستشفاء في مكان الإقامة، فطالما كان مطيّة لممارسة المزيد من "الحُقرة" والاستعلاء على المرضى وطردهم من المستشفيات والعيادات العمومية.

إن حبس خمسة متهمين بترك حامل ومولودتها تموتان في الجلفة، يجب أن لا يكون خطوة معزولة وظرفية بهدف امتصاص الغضب الشعبي فقط، بل ينبغي أن يكون بمثابة البداية الحقيقية لمعالجةٍ عميقة وجذرية لقطاع الصحة الذي نخرته البيروقراطية وعشّشت فيه أكثر من أيّ قطاع آخر بالبلد. 

ينبغي أن تستلّ السلطات منذ الآن سيف الحجاج ضد كل من يتصرّف بعجرفة وأنانية واستعلاء في مستشفياتنا وعياداتنا حتى يكونوا عبرة لغيرهم وتنقلب الآية ويصبح حُسن المعاملة قاعدة في هذه الهياكل وليس استثناء كما هو الحال الآن. لقد طفح كيلُ المواطن وأصبح الاستمرار في السكوت عن المناكر التي تحدث يوميا في مستشفياتنا بمختلف أنحاء الوطن، تشجيعا لها، وهو ما يعرِّض السلم الاجتماعي للخطر، وعلى السلطات أن تعي هذه المسألة جيِّدا وتعالجها بكيفية سليمة، ونأمل أن تكون محاكمة المتهمين الخمسة على مستوى محكمة عين وسارة هي الانطلاقة الحقيقية للمعالجة الجذرية لهذا القطاع الموبوء.

  • print