وعيٌ بالنقص.. أم نقصٌ في الوعي؟

date 2017/08/10 views 1538 comments 13

هناك فرقٌ شاسع بين أن نعيش وعيا بالنقص الذي يعترينا، وأن يكون لدينا وعيٌ ناقص لا يُمكِّننا من تغيير الواقع الذي نعيش. في الحالة الأولى نُدرِك مشكلتنا ونُحسِن تشخيصها وربما نُصبِح أقدر الناس على تفكيكها إلى جزئيات وتفاصيل، أما في الحالة الثانية فإننا نفتقد الحلول وابتكار بدائل للمستقبل ولا نرى إلا تلك المبتورة الناقصة، نُقْصَ وعينا بأفضل الأساليب التي تُمكِّننا من الخروج من الحالة التي نحن عليها.

بدت لي هذه الخلاصة جليَّة وأنا أتابع مجريات حديثنا عن الواقع، سواء كُنَّا في القمة أم القاعدة أم بينهما، حُكَّاما أم محكومين، أميين أم مثقفين، بطالين أم عمالا، رجالا أم نساء... في كل هذه الحالات نشترك في أمر واحد: كلٌّ مِنَّا يفهم أكثر من الآخرين ويعرف أحسن منهم جميعا طبيعة المشكلة، ليس فقط التي يعيشها كفرد إنما تلك التي تعيشها الأمة والحكومة والدولة بل كل العالم.. قليلا ما تستطيع مناقشة الناس أو المسؤولين في ذلك، لقد أصبحوا جميعا على علم بكل شيء، من كيفية أداء النظام السياسي لعمله إلى كيفية هدر القدرات المالية وتبديد الثروة إلى مختلف أساليب الاحتيال والاختلاس والتهريب.. الكل يعرف ما يعرف الآخرون حكومة وشعبا، لا مجال لمناقشة أي كان في حقيقة الوضع القائم، الجميع يعرف النقائص، ويعرف الاختلالات، أي لديه وعيٌ تام بالنقص الذي يعتريه كفرد والذي تعيشه أمته كأمة.

منهجية المسلمين في هذا الجانب، تقوم على مبدإ الآية الكريمة: "إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ومنهجية اليابانيين على سبيل المثال، تقوم على مبدإ "الكايزن"، أي التحسين المستمر، والانطلاق من قاعدة تقول: "ينبغي على المرء تطوير ما يملك".

نكاد نتفق بشأن هذا، أي في الوعي بالشعور بالنقص في كافة المجالات، في معرفة عيوبنا، وأخطائنا، ويصل البعض مِنَّا في ذلك إلى درجة جلد الذات، والانتقام منها وكأننا وَحْدَنا في هذه المعمورة الذين يخطئون أو يختارون سياسات عامة خاطئة أو لديهم حكام فاسدون أو رشوة أو تبديد للمال العام أو بلادنا غير نظيفة وشوارعنا مزدحمة بالمرْكبات... 

نعرف كل هذا وغالبا ما تأتينا الانتقادات من هذه الزاوية: كفاكم شرحا لنا لطبيعة المشكلات والأمراض التي تنهكنا، نريد حلولا وبدائل، لا انتقادات، ومزيدا من التأكيد على ما نحن عليه من حال سيئة... وهل يحتاج المريض إلى مَن يقول له إنك مريض أم إلى من يُقدّم له الدواء. نحن في حاجة إلى من يُقدِّم لنا الدواء، لا إلى من يُذكِّرنا بأننا مرضى، بمعنى آخر إننا في حاجة إلى من يرفع وعينا الناقص إلى مرتبة الوعي الفعَّال بدل الاستمرار في الحديث عن حالات النقص الكثيرة التي نعرفها.

ولعل هذه من بين المشكلات الفكرية الكثيرة التي تحتاج مِنَّا إلى نقاش أكثر عمقا، ذلك أننا ومنذ عقود من الزمن لم نتمكن من التَّخلي عن منهجية الإطناب في الحديث عن النقص، بدل تدريب الذات على منهجية وعي الحلول البديلة القادرة على تحسين أوضاعنا والدفع بنا إلى الخروج من حالة التخلف.

وهذا أنتج ما أصبحنا نشعر به من حالة إحباط تكاد تكون عامة من أن تستقيم الأمور، إذ حتى في حدثينا اليومي في أفراحنا وأقراحنا، بمجرد أن نسير وفق منهجية الوعي بالنقص حتى ينطلق الحديث من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى العام، وبمجرد محاولة الانتقال إلى حالة الشعور بالوعي لأجل تقديم البديل والتحسين المستمر حتى ينقطع الكلام.

وهي حالة طبيعية يبدو أنها تسبق كل حراك حقيقي لأي مجتمع، ولكنها ينبغي ألا تصبح غاية في حد ذاتها ونهاية نصبو إليها، العكس هو الذي ينبغي أن يحدث، وعلينا الانتقال بسرعة إلى الفعل والحركة القادرين وحدهما على تكملة وعينا الناقص، أي إننا لا يمكن أن ننتقل من حال إلى أخرى من غير حركة حقيقية في الواقع، أي من غير أن نقوم بتغيير ذواتنا وتطوير ما نملك من قدرات إيجابية للتأثير في المحيط الذي نعيش.

منهجية المسلمين في هذا الجانب تقوم على مبدإ الآية الكريمة: "إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ومنهجية اليابانيين على سبيل المثال تقوم على مبدإ "الكايزن"، أي التحسين المستمر، والانطلاق من قاعدة تقول: "ينبغي على المرء تطوير ما يملك"، أي الانطلاق من قدراته الذاتية وتطويرها دون الحاجة إلى البحث عن طاقات أو موارد من خارج محيطه ولدى الآخرين.. ومنهجية "البوذيين" تقوم على الغوص في الذات الداخلية للبحث عن الحقيقة والحد من الرغبات لإزالة كل أشكال المعاناة في هذه الحياة...

وتختلف عن هذه المنهجيات الشرقية اختلافا جذريا تلك المرتبطة بالفكر المادي الرأسمالي الذي لا يرى حلا لمشكلاته إلا من خلال الاستغلال؛ استغلال بعض الطبقات لبعضها الآخر في بداية الأمر، ثم في مراحل متقدمة استغلال شعوب العرق الأبيض للآخرين بل إبادتهم من أجل ذلك، من هنود أمريكا إلى الأفارقة، إلى بقية شعوب العالم غير الغربي الذي أصبح ولا يزال مصدر ثرواته ومآل منتجاته والخزَّان الذي لا ينضب لتحقيق مزيدٍ من الثراء بالنسبة إليه وحل كافة المشكلات التي يعيش بل وتصدير أمراضه.

هي ذي المنهجيات الرئيسية للتعامل مع المشكلات: الرفع من درجة الوعي بالتحسين، إما بالانطلاق من القدرات الذاتية ومما نملك لتحسين الأوضاع، أو استغلال الآخرين والسيطرة عليهم ونهب ثرواتهم لتحقيق ذات النتيجة، كما يفعل الأمريكيون والغربيون الرأسماليون بشكل عام، فماذا عن حالنا نحن: ما الذي ينبغي علينا فعله للانتقال من حالة الوعي بالنقص إلى حالة علاج نقص الوعي؟ لا أظن أن لدينا بديلا آخر غير أن نُغيِّر ما بأنفسنا؟ ذلك أنه ليس من منهجيتنا أن نستغل مواطنينا أو نستغل الآخرين، بل ومَن بقي من الآخرين غير مستغَل أو غير مهيمَنٍ عليه من قبل الغرب لكي نستطيع نحن، على افتراض أن ذلك هو الحل؟

بيد أن هذا لم يمنع البعض من اختيار أسوإ جزء من منهجية الرأسماليين الاستغلالية وصوغه على مقاسه ليجد الحل في استغلال الفئات الهشة من الشعب الذي ينتمي إليه، وفي الاستفادة مما بقي من فُتات الثروات المنهوبة من الغرب، وهكذا بدل أن يُنتِجوا ويُطوِّروا ويصنعوا ويبتكروا، فضلوا دعم كبار الناهبين والتضييق على مواطنيهم ومنعهم من حقوقهم الأساسية ليستمروا إلى أطول وقت ممكن في ما اعتبروه بحبوحة من العيش واعتقدوا خطأ أنهم صانعوها.

وهكذا بدل أن يتمكن هؤلاء من تحسين أوضاعهم وأوضاع الآخرين، سَلكوا دربَ الرأسماليين مع الشعوب غير الأوربية، فتحولوا إلى أوليغارشيين مستغلين لشعوبهم في تحالفٍ يكاد يكون تاما وضد الطبيعة مع الرجل الأوربي الذي نقل حالة الاستغلال إلى بقية الشعوب غير الأوربية بطريقة مباشرة أثناء الحقبة الاستعمارية، وبطريقة غير مباشرة من خلال هؤلاء مثلما يحدث اليوم.. لذا، فإنه علينا إذا أردنا الانتقال من حالة وعينا بالنقص الذي أصبح مُهيمِنا علينا، إلى مستوى أعلى من الوعي لعلاج هذا النقص، أن نشرع في وقف هذا الأسلوب القائم على الاستغلال من قبل الأوليغارشية النافذة، أي وقف استغلال الثروات الباطنية ومداخيل المحروقات، ووقف استغلال المواطن الباحث عن تلبية حاجاته الأولية من شغل ومسكن ومتطلبات حياة... وهذا لن يتم دون عمل مستمر ودائم، بداية على مستوى القمة، حيث السند السياسي للأوليغارشية، أي التصحيح السياسي، وفي مرحلة لاحقة على مستوى الذين يرفضون استخدام ثرواتهم للصالح العام وللبناء ويتطلعون فقط وباستمرار إلى مزيد من الثروة ومزيد من التحكم في الرقاب، أي التصحيح الاقتصادي... وبهذا نستطيع أن نتكلم عن البداية الحقيقة لنتحوَّل من حالة الوعي بالنقص إلى حالة استكمال الوعي، الطريق السليم للتحسين والتطوير والخروج من الحالة التي نحن عليها اليوم.

  • print