أنهار من ماء زمزم تطير مع الحجاج الجزائريين في الأجواء
تتواصل عملية إقلاع الجزائريين من مطاري المدينة المنورة وجدة، بالمملكة العربية السعودية، إلى مختلف المطارات الجزائرية من غربها إلى شرقها، ناقلة قرابة ثلاثين ألف حاج، من الذين أدّوا الفريضة الخامسة، غانمين الكثير من الهدايا الربانية، وناقلين للكثير من الهدايا الدنيوية إلى أهاليهم، وإذا كانت الرحلات جميعها جوية، فإن الماء هو ميزتها الاولى، من خلال نقل آبار وربما محيطات شاسعة من ماء زمزم، الذي جعل حمولة مختلف الطائرات تتجاوز المعقول، لأن بعض الحجاج حطموا كل الأرقام القياسية في نقل ماء زمزم فتجاوزوا المائة لتر، وهي كمية لا تسمح بها مختلف الشركات الجوية العالمية بما فيها الأردنية التي رفضت نقل أكثر من خمس لترات.
أما الخطوط الجوية الجزائرية فإنها تذعن لمسافرين، غالبيتهم من الشيوخ والعجائز، نقلوا الماء بطريقة محسوبة ومعروف أصحابها، وسيكون من المستحيل منعهم من نقله، وكثير ما تشاهد أمتعة غارقة في المياه بسبب تدفق مياه زمزم هنا وهناك.
رحلة سقي ماء زمزم تبدأ من الحرم المكي، حيث تتوفر حنفيات سقاية الحجاج، أو تكون عبارة عن عبوات كبيرة من حوالي المسجد الحرام، تطفئ الضمأ وتشد الحجاج من كل بقاع العالم، لأجل التبرك بهذا الماء الخالد، الذي شرب منه الخليل إبراهيم عليه والسلام، وسيشرب منه المؤمنون إلى يوم الدين، وتتواصل الرحلة مع ماء زمزم، في بعض الفنادق التي وفرتها لزبائنها، ولا تنتهي إلا بمغادرة المدينة المنورة، حيث يستمر توفيره في الحرم النبوي، ولكن في أوقات الصلوات المفروضة فقط في ساحة المسجد، ويتواجد باستمرار داخل الحرم النبوي..
وقليل من الحجاج الجزائريين من يشتري ماء زمزم من الأسواق، وسعره يتراوح ما بين خمسة إلى عشرة ريالات، بل يقومون بملء دلاء يشترونها من أسواق مكة أو المدينة، وينقلونه إلى أهاليهم، ولكلّ نيته ومبتغاه.
تقول الحاجة رقية من ولاية تيسمسليت: “سيعتبروني فاقدة للوعي لو عدت إلى أهلي من دون ماء زمزم، كلهم في انتظار شربة من هذا الماء، وتعد في حياتها مرتين فقط تذوقت هذا الماء في ولائم حجاج في قريتها، لقد أحسست بشعور خاص عندما شربته، ومنذ أن وطئت قدماي مكة المكرمة وأنا لا أشرب أي ماء غير زمزم، لا يهمني إن صدقني الناس أو كذبوني، ولكني أؤكد لكم بأن الآلام التي كانت تقتلني على مستوى القولون انتهت نهائيا منذ أن شربت من ماء زمزم ودعوت الله لكي يشفيني حتى أتمكن من أداء الفريضة، وبالتأكيد لن أبخل على والدتي وشقيقاتي بماء زمزم”.
ويرفض الحاج بشير من الونزة بولاية تبسة، مجرد مناقشة الحديث عن نقله لماء زمزم معه، ويقول ضاحكا: “حقيبة من دون ماء زمزم هي ليست لشخص أدى فريضة الحج”، معتبرا الماء عربون محبة وفتح لصفحة جديدة مع الشخص الذي تقدمه له ويشرح ذلك: “لدي صديق عزيز تخالفنا في الفترة الأخيرة، نويت أن أقدم له قارورة صغيرة من ماء زمزم وأطلب منه الصفح عبر جسر ماء زمزم”، أما عن الذين يشربونه ويأخذونه لأهاليهم من المرضى، فقناعتهم بأن ماء زمزم يشفي الأبدان فعلا، وقد روى الإعلام السعودي منذ خمس سنوات ومازال يذكر قصة السيدة الجزائرية المغتربة في باريس التي قدمت إلى البقاع المقدسة، من أجل تأدية الفريضة وطلب الصفح من الله تعالى، لأن أطباءها في باريس أكدوا قرب موتها بسبب معاناتها من مرض سرطان الدم في آخر مراحله، ولكنها عادت سليمة وأذهلت الأطباء في فرنسا، ونقلت لأحد المختصين زجاجة من ماء زمزم قالت له عبرها بأنها لم تتناول أي دواء إلا ماء زمزم.
حاجة أخرى من وهران قالت للشروق اليومي، بأن ابنها مقبل على أداء شهادة البكالوريا وستدعمه بالتشجيع وأيضا بقطرات من ماء زمزم إلى غاية اجتيازه الامتحان: “حملت له خمس لترات كاملة من ماء زمزم، لن يذهب إلى الامتحان، إلا وقد ارتشف قطرات مع الدعاء وطبعا مع الاجتهاد”.
في مكة المكرمة مصنعان لماء زمزم زارتهما الشروق اليومي، الأول يقوم بتصنيعه ونقله في عبوات خاصة إلى الحجاج وهو للتسويق، ومصنع آخر ينقله في عبوات ضخمة إلى العديد من الفنادق والمؤسسات وتجده في كل المشاعر، وحتى في المسجد النبوي بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبعد عن منبع ما زمزم بقرابة 500 كلم.
ويمكن تتبع شغف الجزائريين من حجاج وأهاليهم بماء زمزم في المطارات المنتشرة في مختلف الولايات الجزائرية، حيث تجد الحاج غير مهتم بمتاعه كما هو اهتمامه بما استقدمه من ماء زمزم، وحتى الأهل لا يهمهم أكثر من ماء زمزم، الذي كان دائما رابطة وألفة بين الحاج وبقية الناس، وكما قال أحدهم فإن أحسن هدية يقدمها لأهله هي ماء زمزم، لأن أحسن هدية تلقاها في حياته هي ماء زمزم.