أوساخ وحشرات في وجبات المرضى!
قد تتغير أسماء المستشفيات وقد يتغير القائمون على عملية تحضير الطعام للمرضى في مطابخها المركزية، لكن الظروف في أغلبها متشابهة وكارثية لدرجة أن اللّسان يعجز عن وصف فداحة المشهد والقذارة التي تعم المكان، إلا من رحم ربي.
كل المؤشرات تؤكد استحالة إعداد وجبة صحية لمريض يصارع من أجل الشفاء، وجبات قد تحيل صاحبها إلى مصلحة الاستعجالات من جديد.
أرضية مهترئة وتجهيزات أكلها الصدأ وانتهت مدّة صلاحيتها، الخبز متناثر هنا وهناك تحوّل إلى مرعى للذباب والحشرات في صناديق بلاستيكية وحاويات خشبية.. طبقات الدهون تكدّست على الأفران والأرضيات وشكّلت جدارا عازلا يصعب اختراقه.. هي “فلاشات” لأهم ما يميز الجو العام في المطابخ المركزية للمستشفيات، وما خفي أعظم..
وجبات ترافقها الحشرات والجراثيم
محطتنا الأولى كانت المطبخ المركزي لمستشفى مصطفى باشا الجامعي، البداية لم تكن تبشر بالخير، فدخولنا إلى المطبخ أذهلنا لما وقع على أعيننا من تجاوزات في عملية التحضير.. أغطية بالوعات المجاري المائية منزوعة.. النوافذ مفتوحة على مصراعيها، وهنا يمكننا تصور ما يتسلل إلى المطبخ من صراصير وجرذان.. ببساطة وجبات للمرضى تشاركهم إيّاها الحشرات والجراثيم.
القائمون على المطبخ يعترفون بالتقصير
ويعترف هشام زيتوني مقتصد مستشفى مصطفى باشا الجامعي الذي استلم مهامه في سبتمبر الماضي بأن الوضع حاليا، غير جيد في المطعم الذي يشهد أشغال تهيئة في طابقه السفلي على أن تتواصل في الطابق الأرضي في مرحلة ثانية، وبهذا برّر المتحدث الحالة الكارثية التي تجعل من المستحيل، حسبه، اقتناء تجهيزات جديدة ما لم تتم تهيئة المطبخ بشكل كامل.
ولدى معاينتنا للأشغال التي انطلقت منذ عام ونصف تقريبا وجدنا أن الأمر يحتاج لمزيد من الوقت، وإلى حينها تبقى وجبات المرضى على حالها.
وعن هذا الواقع المرير أكد زيتوني أنّ “التوجه نحو النوعية أمر صعب في الظروف الحالية، نستطيع تقديم ما هو أفضل، لكن الأمر يتطلب المزيد من الوقت”، ويضيف “لدينا إرادة قوية لتغيير الظروف الحالية.. من غير المنطقي أن نجدّد التجهيزات والوسائل في ظل الوضع الحالي للمطبخ الذي يتطلب تهيئة عاجلة”.
وفي إطار الجهود المبذولة لتحسين الخدمة المقدمة أفاد مقتصد المستشفى “نبذل قصارى جهدنا لتوفير وجبة غذاء نوعية وجيدة للانتقال بعدها لوجبة العشاء، فنحن بصدد تحديد الحاجيات الحقيقية للمرضى.. ماهي النقائص وما هي الايجابيات وما يجب أن يكون”.
3000 وجبة يوميا بمستشفى مصطفى باشا
ويحضّر المطبخ المركزي لمستشفى مصطفى باشا الجامعي 3 آلاف وجبة يوميا، بميزانية سنوية تقارب 12 مليار سنتيم، حيث يعمل فيه فريق متكون من 15 شخصا وفق نظام الدوامين من 5.30 صباحا إلى 12.00 ومن 13.00 إلى 18.00 ورفع المتحدث بعض العراقيل على غرار موقع الطبخ وهندسته قائلا “هدفنا كان تحويل المطبخ إلى مكان آخر، فالمطبخ بالأساس لا يجب أن يكون فيه طابق أرضي أو سفلي، كما أنّ موقعه بالنظر إلى هندسة المستشفى لا تساعد على توزيع جيد للوجبات، لذا أطلقنا دراسة من أجل مراجعة مخطط المستشفى، غادرنا المستشفى ونحن مصدومون لهول ما رأينا، فكل الحجج غير مقنعة لأن الوضع ليس وليد اليوم أو الأمس، بل هو نتاج تراكمات لسياسة لم تولي لتغذية المريض حقها.
تجهيزات انتهت صلاحيتها وأواني شاركت في الحرب العالمية
انتقلنا إلى وجهة أخرى غير بعيدة، فكانت محطتنا الثانية مستشفى محمد لمين دباغين بباب الوادي “مايو” سابقا، أين استقبلنا مديرها دهار يحيى وقدّم لنا التوضيحات اللازمة، مستعرضا وجهة نظره للموضوع وكيف أنّ الإمكانيات المادية تحول دون توفير الخدمة المأمولة.
الحالة العامة للمطبخ كانت جيدة، على اعتبار أن التهيئة كانت واضحة في البناية التي تضم جميع المصالح ذات الصلة من تخزين وتبريد، لكن حالة المطبخ وتجهيزاته لم تكن أفضل من سابقتها، الصدأ غمرها وطوابق الدهون نالت منها وطناجر الطبخ وأوانيه من معطوبي الحرب العالمية وحتى البالوعات أيضا دون أغطية تمنع تسلل الحشرات للمطبخ.. الرطوبة عمّت الأرجاء والنتيجة تقشّر طلاء السقف والجدران وتناثره.
عندما وصلنا كان فريق العمل منهمكا في تحضير وجبة العشاء “عصيدة بطاطا بالدجاج” لكن الطفرة التي حققها هذا المطبخ هو تقديم الأكل لمرضاه في أطباق ذات الاستعمال الواحد إلى جانب الخبز والفاكهة وتغليف الصينية بكاملها بواسطة جهاز استقدم خصيصا لهذا الأمر.
وعقب هذه المرحلة توضع كل حصة في حاوية بلاستيكية وتوجه إلى المصلحة الخاصة بها.
1200 وجبة يوميا في مستشفى “مايو” باب الواد
ويحضر المطبخ المركزي لمستشفى “مايو” باب الواد 1200 وجبة يوميا ويقدر ثمن الوجبة، حسب المدير دهار يحي، بحوالي 250 دج، وهو ما يعتبره ضئيلا بالنظر إلى النوعية الجيدة المراد بلوغها في التغذية.
واستنادا إلى دراسة أعدت في وقت سابق تتعلق بالتغذية، يقول المتحدث، فإن المستشفى بحاجة إلى ميزانية تصل إلى 75 مليار سنتيم من أجل الغذاء فقط، عكس ما هو موجود حاليا، حيث تقدر ميزانية التغذية بـ 11 مليار سنتيم سنويا، فـ”الإطعام لم تعط له الموارد المالية الكافية من أجل المناولة في إطار تعاقد مع الخواص ولا توجد أي شركة متخصصة يمكنها تحضير مئات الوجبات يوميا”.
وهنا تساءل المتحدث هل هناك إمكانية لتقدم وزارة المالية ألف دينار عن الوجبة الواحدة، وهي أقل سعر يوفر وجبة غذائية يومية معقولة؟.
ما أكده، يستطرد دهار يحيى، أن الأدوية والعتاد الطبي والأجهزة الطبية توفر تكفلا صحّيا تاما بالمريض، وتمنح لها الميزانية اللازمة.
وبالنسبة لدهار فإن الأولوية لاتمنح للتغذية، بل للعلاج الذي يعد المهمة الرئيسية للمستشفى.
وعلى العموم يرى مدير المستشفى أنّ “الأمور تحسّنت، ففي وقت سابق كانت وجبة سجين أفضل بكثير من وجبة مريض، أما الآن فالأمور عرفت تحسنا ملحوظا ولا يزال هناك الكثير من الجهد الواجب بذله”.
أمّا كرمي مقتصد المؤسسة الاستشفائية فعلّق على وضعية المطبخ بأنها “تتطلب جلب عتاد طبخ جديد، وهو ضمن مشروع يجري دراسته فالتجهيزات الحالية تجاوزت صلاحيتها”، منوّها إلى حرص فريق العمل على النظافة في الإعداد بالقدر الممكن.
ويشرف 26 مستخدما ضمن فريقين على إعداد وجبات المرضى ضمن 24 مصلحة في مطبخ مجهز بـ 17 كاميرا مراقبة.
5 بالمائة فقط حصّة التغذية من الميزانية العامة
يعتبر القائمون على المؤسسات الاستشفائية في الجزائر أن ميزانية التغذية ضئيلة جدا، ولا تكفي لتحقيق الأهداف المرجوة، وفي هذا السياق أكّد دهار يحيى مدير مستشفى محمد لمين دباغين “مايو” سابقا أنّ 5 بالمائة فقط ممّا تصرفه الدولة في القطاع الاستشفائي والطبي يتعلق بوجبات المرضى.
ويجمع هؤلاء على أنّ اللجوء إلى شركات المناولة من أجل الإطعام بات ضرورة في الوقت الراهن، غير أن النقص الفادح في هذا النوع يؤخر العملية.
مستخدمو المطابخ لا علاقة لهم بالطبخ ورواتبهم متدنية!
يفتقد مستخدمو المطابخ في المستشفيات، عند توظيفهم لخبرة في مجال الطبخ أو تكوين في التخصص، وهو ما ينعكس على نوعية الأكل المقدّم.
الظاهرة يؤكد عليها دهار يحيى حيث يقول “المستخدمون في الإطعام إذا خضعوا لتكوين احترافي سيهجرون المستشفيات وينتقلون إلى المطاعم والفنادق التي تقترح رواتب مضاعفة بخمس مرات مما يتقاضونه حاليا”، من جهته هشام زيتوني يقول إنّ خبرة مستخدمي المطابخ بسيطة جدا، ويؤكد على أن الأجر الهزيل الذي يتقاضونه يحول دون تحفيزهم على تقديم الأفضل.
ولأن القانون لا يسمح بتعيين طباخين، إذ يعينون على أنهم عمال، اهتدى عبّاس زيري مدير مستشفى تيزي وزو إلى فكرة التعاقد مع مدارس خاصة في إطار سياسة تبادل الخدمات من أجل تطوير مهارات مستخدميه.
تيزي وزو.. مستشفى مرجعي حقّق ما عجز عنه الآخرون
يعتبر المركز الاستشفائي الجامعي محمد نذير بتيزي وزو نموذجا ناجحا في مجال التغذية بشهادة أغلب قاصديه وحتى الوصاية، حيث نجح في تحقيق ما عجز عنه مسيّرون كثر.
ويوفر المستشفى ألفي وجبة غذائية يوميا بميزانية تناهز 14 مليار سنتيم، واستطاع إرساء تقاليد في الإطعام تضمن نظافة جيدة إلى حد ما، بجدول أسبوعي يقدّم فيه السمك مرّة في الأسبوع والدّجاج مرتين وبقية الأيام باللحم، ويرتفع عدد المستخدمين في المطبخ إلى 40 فردا.
ويرجع البروفسور زيري عباس المدير العام للمركز الاستشفائي الجامعي محمد نذير بتيزي وزو سر النجاح إلى العمل المتواصل والتعاون بين مختلف المصالح والتفكير الدائم في ترقية الخدمات المقدمة للمريض وتطويرها.
ونظرا لذلك أصدرت المؤسسة تعليمة داخلية تمنع إحضار الأكل من البيت، مقابل مراعاة طبيعة الحمية لكل مريض وفق ما يصفه الطبيب المختص في التغذية.







