“الأنانيش”.. جيل من الشباب مجردون من الرجولة!
لم تعد الموضة وعالم الجمال يقتصر على النساء في زمننا، بل امتد إلى الشباب والمراهقين الذين أصبحوا أكثر هوسا بالصبغات وتسريحات الشعر.. منها ما هي غريبة وأخرى تشبه قصات النساء، حتى عاد البعض لا يفرق بين البنت والشاب في الشوارع، بل امتد الأمر إلى لبس أقراط الأذن وصبغ الشعر مع تحسين الحواجب وارتداء سراويل قصيرة وضيقة..
هم مراهقون وشباب يلقبون بـ “الأنانيش” وتطلق هذه الكلمة على كل شاب يتصف بعادات نسائية في المظهر والعادات، خاصة بعد انتشار صالونات الحلاقة والتجميل الرجالية..
كيراتين..منتجات التجميل، كريمات ترطيب وتثبيت الشعر وكل ما يخص بالبشرة، أصبحت من أكثر ما يجلب شغل وانتباه الشباب والمراهقين بصالونات الحلاقة المخصصة لهم في الوقت الراهن لمواكبة الموضة، فلم نعد نشهد صالونات “زمان” التي كانت تعتمد على الكرسي، المرآة، المقص، المشط وشفرات الحلاقة، بل تغير الديكور الشبيه بتلك المخصصة للنساء وأصبحت تنافسها في كثير من الأحيان ويأخذ الزبون المواعيد المسبقة بالهاتف أو عبر الأنترنت، والدليل على ذلك حسابات أصحابها المعروضة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تعرض معها مختلف مواد التجميل التي تزين المحل والصالونات في وقت لم يترك مرتادوها أي شيء متعلق بالبنات إلا وجربوه كالصبغات، السراويل الضيقة، الألوان الوردية الفاتحة ووصل بالبعض إلى غاية نتف اللحية وشعر الوجه بالخيط الصيني وبأشكال بعيدة عن الرجولة..وما خفي أعظم!
الأصفر والبرتقالي اللون المفضل للشعر..أقراط وحواجب محسنة!
خلال جولتنا ببعض أحياء العاصمة، استوقفتنا مشاهد غريبة لشباب ومراهقين حتى إنه لا يكاد يفرق بين الفتيات والشبان لطريقة القصة، خاصة لأولئك الذين يفضلون خصلات أمامية طويلة ومصبوغة منهم من يربطها بوصل لشد الشعر الذي عادة ما تقوم به الفتيات، وهناك من يلعب بخصلات شعره ويشدها إلى الأمام، مثلما تلجأ إليه الفتيات في حالة سدول الشعر على وجهها في مشهد مقزز..
تقربنا من بعضهم فكانت إجابة أحد المراهقين أنه يبتغي متابعة الموضة ولا يجد نفسه التي يفضلها إلا بتقليد نجمه في كرة القدم أو فنان موسيقي غربي..صادفنا مراهق أخر يخرج من الثانوية و”كبة” من الشعر فوق رأسه تغطي حتى ملامح وجهه، سألناه عن القصة، فابتسم وقال إنه جد سعيد بها رغم أن البعض يجبره على تغييرها، مشيرا أن كل مرحلة من حياته يجب أن يعيشها بكل مراحلها وموضتها حتى لا يعود به الزمن إذا كبر ويجد نفسه يقلد المراهقين..مصطفى صاحب 27 عاما والذي يقطن بحي راقي في العاصمة يفضل اللون البرتقالي لشعره ورغم سنه الذي يقترب أن يكون رب أسرة كشباب الماضي، إلا أنه يساير كل الموضات حتى إنه يلجأ إلى تعديل الحواجب وقطعها إلى قسمين مثل ما نشاهده في الأفلام ونجوم كرة القدم، وبين الشعر الأصفر والبرتقالي يضيف البعض قرط بالأذن والتي أصبحت أكثر من موضة هذه الأيام، أين يجد أصحابها لذة كبيرة في إشارة منهم إلى إظهار للذات ولم نستطع الحصول على إجابات 3 شبان التقيناهم بالشارع عندما سألناهم عن سبب حمل أقراط بالإذن فمنهم من ينفجر بالضحك وآخر يقول إن الأمر يخصه وبين هذا وذاك يبقى الأولياء الجهة الأساسية التي يفترض أن تُساءل أولادها عن “اللوك” الغريب وقصات الشعر الشبيهة بالنساء..غير أن مختلف الردود كانت تتمحور حول ترك أبناءهم يعيشون زمنهم وبين تغلب مواقف الأبناء، خاصة وأن ردود أفعالهم تكون قوية وعنيفة في حالة منحهم إرشادات ونصائح.
اهتمام مبالغ فيه بالجمال والمظهر
الاهتمام المبالغ بالجمال وحب تغيير “اللوك” هي الميزة الأكثر انتشارا لدى هذه الشريحة ويظهر لدى المراهقين ابتداء من 12 سنة إلى غاية الثلاثينات، في حين لاحظنا أن حتى بعض الأطفال الصغار أجبروا على مسايرة الموضة نزولا عند رغبة أولياءهم الذين عادة ما يكون سنهم صغيرا جدا لا يتجاوز 25 سنة أو أقل.
انعكاسات العولمة لم تعد تقتصر على الأفكار والتوجهات وبُعد النظر وفقط بل امتدت إلى غاية التأثير الشديد على عقول الشباب والمراهقين في الشق الخاص بالموضة، فلا تمر بأي طريق بكبريات مدن الجزائر وإن لم نقل قراها التي لم تسلم هي الأخرى من مختلف أشكال الموضة التي ضربت بأطنابها بشكل غير عادي هذه السنة و”اللوك” الغريب الذي اجتاح رؤوس شبابنا..تسريحات غريبة وأخرى تشبه تلك التي تفضلها البنات، تكون مأخوذة من قصات النجوم وأشهر لاعبي كرة القدم، إلا أن ما يلام عليه هو توجهه إلى غاية صبغ خصلات شعره وهي العادات الغربية والخطيرة.
صالونات رجالية تعرض خدماتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي
الظاهرة لم تتوقف عند “اللوك” الغريب والجديد الذي طرأ على مظهر شبابنا وفقط، بل امتد إلى غاية ظهور صالونات حلاقة جديدة، خاصة بالرجال بشكل جذاب وملفت تقدم خدمات أقل ما يقال عنها إنها تشبه تلك النسائية أو تزاحمها في كثير من الأحيان..فهي تعرض خدمات إضافية مثل التجميل بتقديم تنظيف البشرة، عمل مساج وتلميس للشعر أو حتى تثبيته عن طريق استعمال مواد كالكيراتين ومثبت الشعر وغيرها، كما تقوم بعض الصالونات بوضع مجلات تقوم بتقديم أنواع مختلفة من القصات يتم طرحها على الزبون حتى يختار منها وتكون في العادة غريبة وبها رسومات مختلفة….
رجال الدين:
الغزو الثقافي خنث أبناءنا شكلا واستعمر عقولهم
وأرجع إمام مسجد الارشاد بالمدنية الأستاذ كمال تواتي، ظاهرة الموضة الغريبة التي طغت على شبابنا إلى الغزو الثقافي الذي خنث أبناءنا شكلا، وهو الغزو الذي وصفه الأستاذ والإمام بمسجد عمر بن الخطاب ومفتش بمقاطعة حسين داي رشيد بن عطاء الله باستعمار العقول بعدما كان عسكريا باستعمال الأسلحة، فلم يعد الناس أحرارا –حسبه حتى في تسريحة شعرهم بعدما أتى الغزو على الأخضر واليابس لديارنا، بعدما تأثر أبناءنا بالحضارات الغربية، داعيا إياهم بالعودة إلى ديننا الحنيف كونه المنفذ والمنقذ الوحيد، مبرزا دور الأولياء في تربية النشىء..
سعيدي وهيبة أستاذة علم اجتماع بجامعة البويرة:
انتشار الظاهرة يعبر عن عجز الأسرة والمدرسة في التربية
تشير أستاذة علم الاجتماع بجامعة البويرة وهيبة سعيدي، أن الظاهرة هذه تفسر بعجز التنظيم الاجتماعي وما يتضمنه من مؤسسات تأتي في مقدمتها الأسرة، المدرسة والمسجد، في ضبط سلوك الأفراد، بسبب اختلال وظيفته الضابطة من خلال ما يستعمله من أدوات تتمثل في القيم، الأعراف والتقاليد في سياق التنشئة الاجتماعية، وهنا –تقول ينطلق الأفراد وراء تحقيق رغباتهم متجاوزين كل الأهداف المسطرة من طرف تلك المؤسسات، وحين تتعطل مثل هذه الوظيفة الضابطة في المجتمع، تظهر أشكال الانحراف بما في ذلك الجريمة، وكم صار هذا سهل في إطار عولمة الثقافة وغزو فكر وعواطف الأفراد وتغيير طريقة عيشهم.
سامية والي أخصائية نفسانية
شبابنا محروم عاطفيا وروحيا واهتمامه بالمظهر يعبر عن معاناة داخلية
تقول الأخصائية النفسانية سامية والي، إن الاهتمام بالمظهر يكون في مرحلة عمرية ما بين 15 إلى 25 سنة، وهي مرحلة التعبير عن معاناة داخلية أو شعور بالنقص يحاول الشاب أو المراهق تعويضها من خلال الاهتمام الزائد بالمظهر الخارجي المتميز، حتى يجلب اهتمام الطرف الأخر واكتساب المكانة بعدما أصبح المجتمع مادي، وأردفت المتحدثة بالقول إن الفراغ النفسي والروحي العاطفي والحرمان الاجتماعي كلها نقائص تولد لديهم معاناة داخلية تجعلهم يصارعون الواقع من خلال خلق أنماط يصنعها لنفسه من عالمه الافتراضي كوسيلة دفاعية عن مشاكله الداخلية، الشخصية النرجسية أدرجتها النفسانية في الموضوع باعتبارها شخصية تحب الذات وترى نفسها محور جدير بالاهتمام وتعمل على إبقاء مكانتها بكل الوسائل المتاحة.