-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأوراس ومخاض الثورة التحريرية الكبرى

جمال مسرحي
  • 501
  • 0
الأوراس ومخاض الثورة التحريرية الكبرى

شهد الأوراس كباقي مناطق الوطن حركة إصلاحية دينية، وسياسية تماشت مع مسار الحركة الوطنية الجزائرية التي أعقبت فشل الثورات الشعبية مع بداية القرن العشرين، وتبلورت الأفكار الإصلاحية بمختلف توجهاتها بين الحربين العالميتين أي ما بين 1919-1939. وكان للأوراس نصيبٌ من هذا الوعي الوطني وذلك بشهادة الفرنسيين أنفسهم، فقد صرَّح أحدُ المتصرفين الإداريين لبلدية آرّيس بأن منطقة وادي عبدي تغلغلت إليها أفكار الناشط السياسي فرحات عباس والمتمحورة حول مطلب المساواة بين الجزائريين والفرنسيين أو الكولون بصفة عامة.

نعتقد أن هذا التصريح جانب الصواب إلى حد ما، لأن ما هو معروف عن منطقة وادي عبدي هو السمعة الطيبة التي تحتلها الزاوية الدردورية التابعة للطريقة الرحمانية والتي تصدت لتجنيد أتباعها للاحتلال الفرنسي، كما ساند الشيخ الهاشمي الدردوري ثوار مقاومة ابن جار الله  1879، فلا غرو أن تكون المنطقة متشبعة بالأفكار الدينية التحررية، بعيدا عما كان يدعو إليه فرحات عباس في تلك المرحلة من حياته السياسية.

وحسب ذات المصدر فإن منطقة وادي الأبيض كانت منطقة نفوذ حزب الشعب الجزائري، وأن نسبة كبيرة من السكان ومتتبعي السياسة في ذلك الوقت كانوا ضمن أتباع الزعيم مصالي الحاج الذي يعتبرأب التيار الاستقلالي دون منازع ضمن تيارات الحركة الوطنية.

وبطبيعة الحال، نجد أيضا أتباعاً للحزب الشيوعي الجزائري ولو كأفراد، نذكر منهم المناضل الكبير المكي شباح (1894-1991) الذي يعدّ من رواد الحركة المسرحية في الأوراس والزيبان، من دون أن ننسى النشاط الواسع الذي كانت تقوم به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال فتح ودعم الكتاتيب والمدارس القرآنية في كل ربوع الأوراس.

كان بين أولئك الوافدين على الأوراس كل من رابح بيطاط، ولخضر بن طوبال، وعمار بن عودة… هؤلاء وآخرون لجأوا إلى الشهيد مصطفى بن بولعيد الذي جاء بهم إلى المنطقة بعد المحاكمات التي تعرّضوا لها في مناطق سكناهم وصدور أحكام تدينهم بالسجن، فكانوا يترددون على أصدقاء بن بولعيد أمثال: مصطفى بوستة في الهارة، وشناورة، وعاجل عجول في كيمل وسيدي علي جنوب الأوراس.

ورغم احتضان الأوراس لكل تيارات الحركة الوطنية على اختلاف مناهجها ومشاربها الفكرية، إلا أنه لم يحِد عن طبيعته الثورية، فقد شهد مع اندلاع الحرب العالمية الأولى حركتين هامتين تزامنتا مع صدور قانون التجنيد الإجباري، وبداية تطبيقه بالقوة هما حركة الثائر مسعود بن زلماط في الأوراس الشرقي 1916-1924 وشملت جغرافيا: دوار زلاطو، ومنطقة حمر خدو، ثم شمالا منطقة فم الطوب وبوحمار، أما الحركة الثانية فهي تمرد سكان بلزمة سنة 1916 بزعامة الثائر عمر أوموسى لذات الأسباب.

الحركتان أحيتا في الأذهان الثورات التي انتشرت في الأوراس خلال القرن التاسع عشر خاصة كمقاومة الزعاطشة 1848 وثورة بن جار الله 1879 وغيرهما.

وتماشيا مع هذه النزعة التحرُّرية التي اتسم بها الأوراس وسكانُه خاصة في الأرياف والقرى المحصَّنة في الجبال وعلى ضفاف الوديان، فقد كان المجال الجغرافي للأوراس ملجأ للثوار الفارِّين في الأحكام الصادرة جورا في حقهم، وقد لعب الشهيد مصطفى بن بولعيد دورا كبيرا في التحاقهم بالمنطقة واحتمائهم بها وبأهلها الطيبين خاصة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وكان بين أولئك الوافدين على الأوراس كل من رابح بيطاط، ولخضر بن طوبال، وعمار بن عودة… هؤلاء وآخرون لجأوا إلى الشهيد مصطفى بن بولعيد الذي جاء بهم إلى المنطقة بعد المحاكمات التي تعرّضوا لها في مناطق سكناهم وصدور أحكام تدينهم بالسجن، فكانوا يترددون على أصدقاء بن بولعيد أمثال: مصطفى بوستة في الهارة، وشناورة، وعاجل عجول في كيمل وسيدي علي جنوب الأوراس.

وجود هؤلاء الثوار في منطقة الأوراس أتاح لهم فرصة الاحتكاك بالسكان ومن ثمة نشر الأفكار الاستقلالية لدى أوساط الفلاحين بالقرى والمداشر في الأوراس بشكل عام، ثم تزامن ذلك مع حركة تمرد في المنطقة قادها من يُسمّون بـ”عصاة الشرف” أو عصابات الشرف (Les bandits d’honneur) وهم مجموعة من الشباب الذين تمردوا على القانون الفرنسي واعتصموا بالجبال وقد بلغ عددهم غداة اندلاع الثورة التحريرية في أول نوفمبر1954 ستة عشر (16) متمردا منهم: الحسين برحايل، قرين بلقاسم، عايسي مسعود، حسوني رمضان، قادة أحمد، الصادق شبشوب (ڨـوزير) وزوجته فاطمة لوصيف..

وقد استطاع مصطفى بن بولعيد أن يُكّوِنَ من هؤلاء المتمردون النواة الأولى للمنظمة الخاصة بالأوراس سنة 1947 والتي أوكلت لها قيادةُ حركة الانتصار للحريات الديمقراطية مهمة تدريب المناضلين على حمل السلاح تحضيرا للثورة التحررية.

هناك قضية أخرى هامة عاشها الأوراس قبل الثورة التحريرية وساهمت في تأجيج الرأي العام بالمنطقة وهي تزوير الانتخابات من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي، فأثناء إجراء انتخابات 04 أفريل 1948 الخاصّة بانتخاب أعضاء المجلس النيابي، ترشح مصطفى بن بولعيد عن حركة الانتصار الحريات الديمقراطية وفاز بالأغلبية، إلا أن الإدارة الفرنسية قامت بتزوير النتائج لصالح المترشح عن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري عبد القادر قاضي، مما خلف استياء كبيرا لدى سكان آرّيس والمنطقة المحيطة لها أو التابعة لها إداريا، وهو ما جعل أنصار حركة الانتصار الحريات الديمقراطية في أريس يقومون بالانتقام لمرشحهم مصطفى بن بولعيد وذلك خلال انتخابات تجديد أعضاء المجلس النيابي في فيفري 1951 إذ هاجموا مراكز التصويت وأتلفوا الصناديق، رغم الحراسة المشددة المفروضة على مراكز الاقتراع.

ونظرا لفقدان الثقة في الإدارة الاستعمارية خاصة ما تعلق بالانتخاب، فقد كرر أنصار حركة الانتصار للحريات الديمقراطية عملية الهجوم على مراكز الانتخاب خلال انتخابات الجمعية الوطنية الفرنسية في صيف 1951، بل منعوا إجراءها ببلدية آرّيس وذلك بدعوة من قيادة الحزب.

وهو ما كلف الأوراس حملات تفتيش واسعة شملت جبال كيمل وزلاطو الشمالي والجنوبي ثم مناطق الشمرّة وفم الطوب وغيرها، فأصبح الأوراس على أهبة الاستعداد لاستقبال الثورة التحريرية المباركة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!