-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مختصون ومهنيون وقانونيون يُثمِّنون مسعى رئيس الجمهورية

الإعلام الرقمي .. بين “الحرية المسؤولة” ورهان المصداقية والاحتراف

منير ركاب
  • 8237
  • 0
الإعلام الرقمي .. بين “الحرية المسؤولة” ورهان المصداقية والاحتراف

لا يختلف إثنان أن ثورة المعلومات وتكنولوجيات الإعلام والاتصال في العالم، أوجدت فضاءً جديداً لميلاد عدد معتبر من المواقع. والمنصات الإلكترونية الخبرية والمتخصصة، بالجزائر، منها من هي واجهة رقمية لمؤسسات إعلامية كالصحف والمجلات والقنوات التلفزية، وأخرى خاصة، أثمرت بتسليم أزيد من 140 وصل استلام تصريح لمواقع إكترونية خلال السداسي الأول من سنة 2021، مع تحديد النطاق والموطن المستضيف للموقع والمتمثل في “دي زاد” (dz.)، ومنحهم شهادة تسجيل، ما يؤكد أن وزارة الاتصال تريد بلوغ الهدف المسطّر..

حيث جنّدت كل الوسائل المادية والمعنوية لبلوغه، على اعتبار أن الأكثرية من مالكي هذه المواقع، يرون أن هذا العمل الإعلامي الرقمي الجديد، يتميز بحرية الرأي والتعبير، والسرعة في إيصال المعلومات، وممارسة المهنة الصحفية بكل أريحية، بحكم التحكّم في نشر وحذف المنشور، مع حرية التعديل في الصورة والخبر.

 لكن، بالمقابل فإن المعالجة القانونية لهذا الشكل الجديد للإعلام، تضع مجموعة من القيود والحدود التي قد تعرّض الصحفي للمساءلة القانونية في حال تجاوزها. وكان رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، قد دعا الحكومة شهر فيفري 2020، إلى تسريع تسوية أوضاع المواقع الإعلامية الإلكترونية الناشطة‎، تبعه صدور قانون الصحافة الإلكترونية وممارسة نشاط الإعلام عبر الأنترنت، وهو ما حمله المرسوم التنفيدي رقم 20-332 الصادر بالجريدة الرسمية رقم سبعون للسنة السابعة والخمسين، والمؤرخ بتاريخ 25 نوفمبر 2020، بعد طول انتظار، خاصة بعد أن شهدت الساحة الإعلامية انتشارا هائلا لمواقع ومنصات إلكترونية أطلقت على نفسها تسمية مواقع وصفحات إخبارية وإعلامية وصحافية، متجاوزة في ذات الوقت كل أخلاقيات ممارسة مهنة الصحافة، وبعيدة كل البعد عن الاحترافية والمصداقية والمهنية الواجب الالتزام بها، ما طرح تساؤلات أجاب عنها مختصون ومهنيون في مجال النشر الإلكتروني، وقانونيون الذين حاورتهم بوابة “الشروق أون لاين”، حول كيفية الموازنة بين حرية الرأي كمهنة، ومسؤولية الناشر الإلكتروني تجاه القانون كإجراء، فكانت نظرة أغلبهم أن الحرية في أبعادها الكاملة لا تنفصل عن المسؤولية تجاه حماية المجتمع والدولة ومصالحها، أو حرمة الحياة الخاصة للأفراد والمسؤولين، فكلما ازدادت الحرية الإعلامية لمالكي وصحفيي المواقع الإلكترونية والصحف التقليدية، تزداد معها المسؤولية.

“الفوضى” هي بديل “الحرية المسؤولة” في قطاع الصحافة الإلكترونية

 لكن المشكلة في اعتقادهم تظهر عند ممارسة الحرية بشكل مطلق، ما يؤدي حتما إلى الخروج عن قواعد المسؤولية المخوّلة قانونا، وهو ما أظهرته تصريحات هؤلاء الاستباقية، قصد الخروج بصيغة تصبو نحو حرية الإعلام الإلكتروني والمسؤولية المهنية لمسؤولي النشر والصحفيين في آن واحد.

الدكتورة نصيرة تامي أستاذة بالمدرسة العليا للصحافة وعلوم الإعلام:
لا حرية مفرطة في الصحافة الإلكترونية والورقية من دون مسؤولية
* الدولة هي الفيصل بشأن التمادي في الحرية والإخلال بالمسؤولية الإعلامية
* الحرية المطلقة في الإعلام الإلكتروني تصنع “الفوضى”

الاعلام الالكتروني

أكدت الدكتورة تامي نصيرة، أستاذة محاضرة بالمدرسة العليا للصحافة، ورئيسة مخبر الاستخدامات والتلقي عبر الصحافة المكتوبة والوسائط الجديدة، في تصريح لها لـ”الشروق أون لاين”، أن الإعلام الإلكتروني لم يساهم فقط في توسيع هامش الحرية الإعلامية والسياسية، بل أصبح منبرا للمواطنين ليعبروا عن آرائهم بحرية لم تكن متاحة في الإعلام التقليدي، فقد تميز، حسبها، هذا النوع الجديد بقدرته على نقل الخبر بسرعة فائقة، والسرعة في التعاطي مع الحدث، لا شك وأنه أحرج الإعلام التقليدي، من خلال رفع سقف الحرية لديه، وإن كان بشكل غير مقصود.

وقالت الدكتورة، إن كل هذه الإيجابيات التي لا يستطيع أحد نكرانها، يجب أن تكون رصيداً للإعلام الإلكتروني، وإنجازاً للمجتمع الجزائري بأكمله، ولكن مع هذه الإنجازات، لا ينكر أحد، حتى أصحاب المواقع الإلكترونية، أن بعض صحفيي ومسؤولي النشر بالمواقع الإلكترونية، لا يلتزمون بالأخلاق المهنية، ولا بالموضوعية التي يقتضيها القانون العضوي للإعلام لسنة 2012، وتمليها طبيعة وتركيبة وقيم المجتمع الجزائري، لتصبح الحرية طاغية على المسؤولية في بعض المواقع الرقمية التي أصبحت منبراً للهجوم على أشخاص، ومؤسسات من دون وجه حق.

 وأضافت المتحدثة، بأن حرية الرأي والتعبير حق مقدس يكفله الدستور وكل المواثيق الدولية، ولكن لا حرية إعلامية سواء بالنسبة للصحف الورقية أو المواقع الإلكترونية الإخبارية أو الجوارية من دون مسؤولية، مؤكدة أن بديل الحرية المسؤولة هو “الفوضى” والدخول في نفق “العشوائية”، ولا يوجد أحد يرضى بذلك، والسؤال المهم -تقول الدكتورة- هو من الطرف الذي يقوم بتحقيق التوازن في قطاع الإعلام الإلكتروني، بوجود فجوة قانونية أربكت المستثمرين في مثل هذا النوع الإعلامي الجديد والقديم في نفس الوقت؟

وعرّجت المتحدثة، نحو مسؤولية مالكي المواقع الإلكترونية تجاه المادة الخبرية المنشورة للمطالعة، سواء عن طريق هواتف سمارت فون، التي تعتبر الأكثر توجها بالنسبة للجيل الرقمي الحالي، أو الحواسيب الأقل استخداما في جغرافيا المنزل ومقرات العمل على أقل تقدير، مؤكدة في الوقت نفسه، أن الرقابة في الدول المتقدمة، وتدخلها في مضمون النشر الإلكتروني يكون أقل، ويقوم الموقع الرقمي الإعلامي، ممثلاً بمؤسساته المختلفة، بإرساء قواعد وأخلاقيات المهنة تحافظ على حرية التعبير عن الرأي بطريقة مسؤولة لتجنب الإساءة للآخرين، وتحافظ على حقوقهم. وعندما يتم الإخلال بهذه القواعد، يكون القضاء هو الفيصل والحكم بشأن ذلك.

وأنا على يقين -تضيف الدكتورة نصيرة تامي- بأن غالبية أصحاب المواقع الإلكترونية يدركون ذلك، ولكن في الواقع لم يتم بذل جهد حقيقي في تطوير الإعلام الإلكتروني، ووضع المعايير والضوابط لعمله، وفي اعتقادي أن المطلوب حاليا هو وضع تصوّر متكامل حول الإشكاليات التي تعاني منها المواقع الإلكترونية، يشمل حلولاً للتساؤلات التي تدور في ذهن غالبية الناشرين، والعمل وديًا مع قطاعات حكومية، كوزارات الاتصال والبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، والعدل، للخروج بصيغة قانونية وتكنولوجية تحافظ على الحرية الإعلامية المسؤولة والمهنية في آن واحد، سواء أكان ذلك من خلال إجراء التعديلات الضرورية على المواد التي تتضمن الحديث عن الإعلام الإلكتروني، وإن تبقى “محتشمة” نوعا ما، وهذا أحد أهم معالم المجتمع الديمقراطي الحرّ والمسؤول الذي يصبو إليه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون من خلال الدعوة إلى التسريع في تسوية أوضاع المواقع الإلكترونية الناشطة، وما أكده بالمناسبة وزير الاتصال عمار بلحيمر، بأن “الدولة ستعطي أولوية للصحافة الالكترونية التي هي مستقبل الصحافة”، وأن “الأولوية لمنح الإشهار ستعطى للصحافة الالكترونية بكل شفافية وتنافسية”.

وأردفت رئيسة مخبر الاستخدامات والتلقي عبر الصحافة المكتوبة والوسائط الجديدة بالمدرسة العليا للصحافة وعلوم الإعلام، نصيرة تامي بخصوص حرية الصحفي الإلكتروني، ومسؤوليته تجاه ما يكتب أو ينشر، بالقول “لا يجب أن نخلط بين الإعلام الرقمي المنفتح والمسؤول، مع الحرية المطلقة باستخدام المواطن كحلقة ليكون مصدرا للمعلومة”، محذرة في ذات السياق، أن يلعب المواطن دور الصحفي في الإعلام الرقمي، ليطرح من خلال هذا إشكالية هوية الصحفي، وما تم مشاهدته عبر مختلف القنوات التلفزيونية والمواقع الالكترونية الخبرية، مقدمة مثالا حول قضية قتل الشاب جمال بن إسماعيل، حرقا، بولاية تيزي وزو وحرائق الغابات، على غرار مختلف الفيديوهات المسجلة من طرف مواطنين عاديين لأحداث اجتماعية وسياسية، مع الحراك الشعبي والوضع الصحي جراء انتشار كوفيد 19، مضيفة بالقول إن هذا لدليل قاطع على إقحام المواطن الإلكتروني في مهنة الصحافة عبر النت، سواء بالنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو إرسال فيديوهات قابلة للنشر عبر مختلف المواقع الالكترونية والقنوات التلفزية، وهذا ما يجعل هذا النوع الإعلامي الافتراضي يعيش في “فوضى”، لولا وجود الدولة كحكم فاصل لسن قوانين رادعة لبعض التجاوزات والأخبار المغلوطة سواء من داخل الجزائر أو من خارجها، وفق قاعدة “أنت حرّ ولكن مسؤول؟”.

الدكتور والأكاديمي العيد زغلامي
قواعد المسؤولية في مواجهة ممارسة الحرية يجب أن لا تهتز
* الحريات في الصحافة الرقمية غير مطلقة والصحفي يحتاج دوما للحماية
* الاتجاه نحو الإعلام الرقمي تتبعه ضرورة التحكّم في تسييره

أكد الأكاديمي وأستاذ علوم الإعلام والاتصال، العيد زغلامي، في حديث لـ”الشروق أون لاين”، أن الاتجاه نحو الإعلام الرقمي، يتبعه ضرورة التحكم في تسييره، باعتباره وسيطا إعلاميا، شأنه شأن مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تختلف شروطه عن الشروط التي وضعت للصحافة الورقية التقليدية، مثمّنا في الوقت نفسه، اتجاه الدولة نحو إثراء وتطوير قطاع الصحافة الرقمية، بحكم الخطوط العريضة التي وضعتها الدولة لهذا النشاط، ما سيسمح بتنظيم القطاع، مشدّدا في الوقت نفسه، على ضرورة إخضاع هذا النوع الإعلامي الافتراضي إلى أسس الإعلام الإلكتروني، الذي يكون أكثر تفاعلا، علاوة على الحصرية والحينية، على غرار احترام القواعد والقيم المهنية والاحترافية والمصداقية في النشر، مسلطا الضوء على مختلف التحديات البينية والهيكلية والتشريعية والمهنية لقطاع الصحافة الرقمية، من خلال ذكره لأسماء بعض المواقع الإلكترونية الخبرية التي منحتها الوزارة الوصية تأشيرة العمل والنشاط.

 وعاد الدكتور، ليذكر بتقنيات العمل في الإعلام الإلكتروني التي خلّفت صحفا رقمية، من خلالها تم ميلاد جيل جديد من الصحفيين الذين ينقلون الأخبار ويصوّرونها وينشرونها لحظة بلحظة، علاوة على فرضها نوعا من الكتابة المختصرة والسريعة، حيث تحوّلت المعلومة -حسبه- من خلال شبكة الأنترنت، إلى منتج إعلامي، يلعب دور الوسيط في البيئة الاتصالية الجديدة مع سلوك اتصالي جديد باستخدام “النت”، أدى إلى انتزاع جمهور الصحافة الورقية لدوره المهم في وعي الجمهور بفضل اعتماده على طريقة مغايرة لتلقي الجمهور الأخبار والمعلومات، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن دور الإعلام الإلكتروني في إثارة الرأي العام، بوجود حرية فرضت على المسؤولين إخضاعها لمنبر المسؤولية والحاجة إلى عامل “الفلترة”، وتقنين هذا النوع من الإعلام الذي تزامن مع انتشار الأخبار الزائفة والمغلوطة التي شكلت محضنا افتراضيا لازدهار الإشاعات وترويجها، قد تكون في أغلب الأحيان ليست وليدة الصدفة وإنما صنعها أصحابها بشكل ممنهج ومتعمّد من طرف جهات مجهولة داخل وخارج البلاد، تهدف في الغالب إلى تحقيق أغراض خاصة لبعث الإرباك والقلق لدى الجهات المستهدفة سواء كانت رسمية مسؤولة، أو رجال مال، أو سياسيين، أو أشخاص لهم نفوذ، ولهذا يجب لزاما على السلطة-يقول الدكتور- إعطاء صبغة قانونية للإعلام الإلكتروني من خلال دراسة تقنية وأمنية وسياسية لهذا النوع من الصحافة، مع وضعه للنقاش داخل قبة البرلمان بغرفتيه، قبل أن تلحقه الفوضى والعشوائية، حيث أن المتضرّر الأول، هو الشخص المزاول لهذه المهنة والمتلقي على السواء.

من جهته أبان الدكتور زغلامي، موقفه تجاه غياب قانون ينظم النشر الإلكتروني، ويحمي ممارسيه من مختلف الأخطار التي يمكن أن تلحق بهم من غياب للتأمين القانوني، على غرار محاولة تخفيف الأضرار التي تطال المتلقي المستهلك لمادة صحفية، لا يعلم مدى مصداقيتها بسبب الزخم الكبير في المادة الإعلامية التي أصبحت تنشر دون أي حسيب ولا رقيب مع غياب الضوابط التي تحكم المهنة، ناهيك عن الدور المهم الذي أصبح يلعبه هذا النوع من الإعلام في إثارة الرأي العام، حيث يتوجَّب على الجهات المسؤولة سنَّ قانون يحمي كل من المهنة وممتهن قطاع الصحافة الرقمية، في ظل احترام مبدأ حرية النشر الرقمي ومسؤولية الناشر تجاه الأشخاص ومصلحة البلاد التي تعتبر “مقدسة”.

وخلص الدكتور بالقول، إن قواعد المسؤولية والحرية في قطاع الصحافة الرقمية، يجب أن لا تهتز، للإحاطة والتنبيه من طرف المشرّع الجزائري، حتى لا يقع الصحفيون في المواقع الإلكترونية في الخلط بين الإفراط والتفريط، وبين هذا وذاك، يقول الدكتور، هناك حقيقة ثابتة تؤكد أنه يجب أن تكون الحريات في قطاع الصحافة الرقمية غير مطلقة والصحفي يحتاج دوما إلى حماية من طرف الدولة، وإلا كانت الحرية المسؤولة بغير معنى، ومن ثم تنقلب إلى “فوضى” قد تصيب المجتمع في مقوماته وقيمه ومبادئه، ومن هنا يختم الدكتور قوله، بأن الحرية في قطاع الإعلام الالكتروني أو التقليدي دوما تقابلها المسؤولية التي اعتبرها هذا الأخير حماية للحرية ذاتها.

إبراهيم بهلولي محامي لدى المحكمة العليا
كُلّما ارتفع سقف الحرية في الصحافة الرقمية زادت المسؤولية

أكد المحامي لدى المحكمة العليا، وأستاذ القانون بكلية الحقوق بن عكنون، إبراهيم بهلولي، في رده على أسئلة بوابة الشروق “أون لاين” حول الآليات القانونية التي جاءت لتنظيم نشاط الإعلام الالكتروني في ظل التشريعات الإعلامية الحالية، وهل يعد التشريع الجزائري بمثابة ضبط لعمل الإعلام الإلكتروني أم تقييد لنشاطه؟.. بالقول إن الأمر متعلق بالحرية المسؤولة في قطاع الإعلام الرقمي، الذي فرضت إلزامية تحقيق التوازن فى النظام القانوني، معتبرا أن الحقوق والحريات في الصحافة الإلكترونية ليست مطلقة، وأن ممارستها لا يجوز أن تخلو من الضوابط، أو أن يستقل صاحب الحق أو الحرية بتحديدها، فالحق في حرية التعبير مثلا لا تجوز ممارسته بصورة مطلقة حتى لا يضّر بمقومات المجتمع، والإخلال بمبادئه العليا، أو المساس بالحياة الخاصة للمواطنين، أو الإخلال بحماية الحق في الشرف ورد الاعتبار، مؤكدا أنه لا ينبغي أن يكون هناك تصادم بين الحرية والمسؤولية في قانون الصحافة الإلكترونية، الذي يستوجب المصلحة العامة من خلاله، مواجهة الحقوق والحريات، ومنها حق التعبير في الصحافة التقليدية والإعلام الرقمي، وغيرهما من وسائل الإعلام، كما أن حقوق الإنسان وحمايتها لا يجوز التضحية بها، لهذا كانت الحرية في أبعادها الكاملة – يضيف المحامي – لا تنفصل عن حماية المجتمع ومصالحه أو حرمة الحياة الخاصة للأفراد والمؤسسات.

ويرى بهلولي أنه كلما ازدادت الحماية والحرية في الصحافة الرقمية، تزداد معها المسؤولية، وبدت هذه المسؤولية حماية للحرية ذاتها وسبيلا لنفاذها، مضيفا أن النسبية في مساحة الحرية لدى مالكي وصحفيي المواقع الإلكترونية، لا ينبغي لها أن تبلغ مبلغ التقييد المفرط، فلا يجوز تقييدها بالأغلال، لهذا فإذا كانت حرية التعبير والنشر لا يجوز المساس بها، فإن ممارستها تتقيد بمراعاة الحقوق الأخرى حماية للنظام العام، واحتراما لحرية الآخرين، لأن المصلحة العامة تستوجب حماية الحرية.

ورد الأستاذ في حديثه على مختلف التساؤلات المطروحة في هذا المقال، حول هامش الحرية المتاحة في قانون الإعلام 2012، والإجراءات المنصوص عليها في قوانين الصحافة والنشر، وهل تنص قوانين الصحافة على تجريم المحتوى الإلكتروني، إن كان يتضمن ما يعتبر جريمة جنائية، وماهي الوسائل التي تكفلها قوانين الصحافة لضمان حقوق الإعلاميين في البيئة الإلكترونية، وضمان التزامهم بواجباتهم الأخلاقية؟.

وأردف المحامي بالقول، إن معطيات التطوّر التقني للمواقع الإلكترونية والمتسمة بالسرعة والفورية في التواصل، تشير إلى أن مكاسب حرية التعبير تزداد وتتعمّق في الواقع، مشيرا إلى أن الإفراط في حرية النشر لدى الصحفيين ومالكي المواقع الإلكترونية أورد عدة تجاوزات معظمها جاءت عن طريق المدوّنين الرقميين والصحافيين العاملين في ذات المواقع، والصفحات الافتراضية.

 ووجد أستاذ القانون، صعوبة في تحديد الجهة التي يتوجب عليها وضع محددات واضحة لأخلاقيات الإعلام الجديد، نظرا لاختلاط الممارسين، ما بين صحفيين ومهنيين محترفين ينتمون لمؤسسات إعلامية، وبين صحفيين هواة، وهو ما خلق عشوائية في العمل قد تؤدي في أغلبها إلى المساءلة القانونية، بسبب غياب الدقة في نشر المعلومات، والأمانة، وعدم تشويه المعلومات، والموضوعية في نقل الأخبار، مع تحسين نوعية المضمون، وعدم الخداع في استخدام العناوين والصور، على غرار عدم انتحال الأفكار.

 ويرى المحامي، أن غياب القانون والحرية والمسؤولية أو واحد من الثلاثي، يهدّد رسالة الإعلام الالكتروني، وحسن سير عمله، فالإفراط في الحرية – يضيف بهلولي- يصبح مضمون الإعلام الرقمي “فوضوي”، ومن دون قيود تصبح المهنة مفتوحة الأبواب وغير محمية وعرضة للتجاذبات، ومن دون أخلاق يصبح الإعلام الإلكتروني فاسدا، لأن مسؤولية الناشر -حسبه- تحدّد على حساب مكان وقوع الفعل الضار، وفي هذا الصدد، تفرض أخلاقيات النشر في الصحافة الرقمية، حيث يعد عدم احترام أخلاقيات المهنة من طرف بعض المدونين السياسيين غير المهنيين، من بين نقاط الضعف الأساسية التي تنقص من مصداقية هذا النوع من الإعلام، فعدم التأكد من مصادر الخبر من جهة، وعدم احترام الحياة الخصوصية للأفراد، واللجوء إلى السب والقذف والتشهير، كلها أمور تنقص من قوة الإعلام الرقمي، متابعا بالقول، إذا كان التنظيم القانوني للنشر عبر الأنترنيت تعترضه صعوبات كثيرة، فهل يمكن لمالكي الصحف والمواقع الإلكترونية القيام بسد هذا الفراغ القانوني؟

ويتضح من خلال ما سبق، يقول المحامي بهلولي، أن القواعد القانونية المتعلقة بالإعلام الرقمي تبقى متأخرة بالموازاة مع تطوّر تكنولوجيا الإعلام والاتصال، ومع المستجدات والتحوّلات السياسية التي يعرفها العالم، وانطلاقا من كل ذلك فإن ما عرفته وسائل الإعلام الإلكترونية والأنترنيت، بما لها من تأثير على حقوق الإنسان وحرياته وعلى حرية الإعلام والاتصال، صارت تطرح التفكير في تنظيم هذا النوع الإلكتروني قانونيا، وأضاف أن الوقت قد حان للتفكير في وضع جهاز للقطاع الرقمي يكون متضمنا لقوانين يقف عندها الناشر، وعلى الصعيد آخر، يدعو الأستاذ إلى ضرورة إنضاج المحاولات القائمة الآن في بعض الدول وتعميمها على الجزائر، في اتجاه الحفاظ على حرية الإعلام وحق الحصول على المعلومة، دون حجبها عن الناس، لأن أي حجب لها سيقود إلى الحصول عليها بطرق ملتوية كثيرة توفرها وسائل الإعلام الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينبغي على الناشرين التحلي باحترام أخلاقيات

مهنة الإعلام، خاصة وأن العالم اليوم أصبح قرية إلكترونية، لذا ينبغي التكيّف مع عولمة وسائل الإعلام الإلكترونية، داعيا في الوقت نفسه إلى إعطاء تسهيلات بشروط لاعتماد مواقع إلكترونية مضادة لهجمات المواقع الأجنبية وبمثابة سلاح بديل للرّد على الجيوش الإلكترونية والذباب الإلكتروني.

نسيم لكحل (مدير منصة زاد دي زاد):
خصائص النشر الإلكتروني تجعل المهمة أخطر والمسؤولية أكبر، والموازنة بينهما تستدعي خبرة أوفر.
الضمير المهني يستدعي عدم خرق قواعد الحرية بالنظر إلى المسؤولية المتاحة

كان رد مسؤول نشر الموقع الإلكتروني المتخصص “زاد دي زاد”، والمدير السابق لبوابة “الشروق أون لاين “، نسيم لكحل، واضحا من خلال الإجابة عن تساؤلنا حول كيفية الموازنة بين حرية الرأي في الإعلام الإلكتروني كمهنة، ومسؤولية الناشر الإلكتروني والصحفي تجاه القانون كإجراء؟، حيث أكد أنه ليس هناك موازنة بقدر ما هناك معايير مهنية يجب الالتزام بها حرفيا خلال ممارسة مهنة النشر الإلكتروني، فالحرية هنا تكون مقيّدة دوما بالقوانين المعمول بها سواء على مستوى المؤسسة الإعلامية أو تلك التي تضعها وتشرعها الدولة من طرف المؤسسات المخولة بذلك، لهذا مقارنة بالنشر في الصحافة المكتوبة فإن النشر الإلكتروني يكون في مواجهة مخاطر أكبر نظرا لأفضلية سرعة النشر وهو ما يتطلب مسؤولية أكبر من جميع أطراف عملية النشر لمراقبة ذلك قبل الوقوع في المحظور القانوني وحتى ما أجمعت عليه الأعراف المعمول بها.

وأضاف الإعلامي أن المسؤولية في حماية النسيج المجتمعي أو الأمن القومي والمصلحة العامة، تبقى ثابتا من الثوابت ولا تسقط أبدا أمام مفاهيم مثل مفهوم حرية التعبير خصوصا في الدول الهشة تنمويا وأمنيا، معرجا بالقول إن الخروج عن القواعد المسؤولة المخولة قانونا للمواقع الالكترونية يعني عدم التقيد بالمسؤولية، وهذا حسب الحالة.

 وبخصوص الطرف الذي يقوم بموازنة الحرية والمسؤولية في الإعلام الإلكتروني هل هو التشريع أم مالك الموقع؟، يرد نسيم لكحل، بالطبع يعود الأمر هنا إلى القائمين على المواقع الإلكترونية الذين تقع عليهم مسؤولية إنتاج المحتوى في ظل دفتر شروط موضوع مسبقا من طرف السلطات الوصية، وفي ظل أيضا الضمير المهني الذي يستدعي دائما عدم خرق قواعد حرية التعبير أو الحق الدستوري للمواطن في الحصول على المعلومة، وبين هذا وذاك يأتي دور مسؤول التحرير بالمنصة الإلكترونية أو مالكها لإيجاد التوازن بين المطلوب والمامول وبين المسموح والممنوع وهذا برأيي يتطلب وجود شخص لديه خبرة مقبولة وقدرة كبيرة على تقدير الموقف التقدير الصحيح قبل نشر أي شيء للرأي العام.

مسؤول نشر الموقع الإخباري “سبق برس” محمد رابح:
نحن بحاجة إلى منصات إخبارية مقبولة ولديها مصداقية في الخارج
* إنشاء سلطة ضبط الصحافة الإلكترونية سيضبط العلاقة بين المسؤولية والحرية

ثمّن مسؤول نشر الموقع الإخباري الإلكتروني “سبق برس”، محمد رابح، ما جاء في المرسوم التنفيذي الذي يحدّد كيفية ممارسة نشاط الإعلام الإلكتروني، ونشر الرد أو التصحيح عبر الموقع الإلكتروني. في المقابل يطالب المتحدث بإعادة النظر في آليات تسيير هذا النشاط الافتراضي، مع تسليط الضوء على معادلة الحرية والمسؤولية تجاه الناشر والمادة الإعلامية التي تنشر، معتبرا صدور المرسوم في الجريدة الرسمية، خطوة إيجابية من أجل سد الفراغ القانوني

الذي أثر على المنظومة الإعلامية منذ سنة 2012، هذا من ناحية الشكل، أما المضمون، فيقول المتحدث، بأن المرسوم جاء في ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية، جد خاصة، في ظل التفريط في الحريات والتضييق على المسؤوليات، ما خلف فوضى في القطاع.

 وقال محمد رابح في تصريح لـ”الشروق أون لاين”، إن مسألة جزائرية النطاق في الصحافة الإلكترونية، يجب أن تميل إلى النوعية بدل الكمية لإيصال صوت الجزائر لمختلف بقاع العالم، لأن اليوم -يقول المتحدث- نحن بحاجة إلى منصات مقبولة ولديها سمعة في الخارج، لخلق مواقع إخبارية منافسة لمنصات عالمية، لهذا كان مسعى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، مهما بإعطائه أوامر لتسريع ملف المواقع الإخبارية الناشطة، التي يجب على أصحابها أن يتقيدوا بروح المسؤولية نظير الحرية الممنوحة إليهم في نشر المادة الإعلامية.

ودعا مسؤول نشر موقع “سبق برس”، مزوّدي الأنترنت إلى تطوير الخدمة، للحاجة الملحة لسرعة شبكة الأنترنت، رغم الجهود المبذولة من قبل مجمّع اتصالات الجزائر، من أجل تحديث وتطوير مختلف الطبقات التي تكون البنية التحتية لشبكتها على المستوى الوطني والدولي، على غرار مسألة الدفع الإلكتروني والاشتراكات، حيث يضع أصحاب المواقع الإلكترونية كل المسؤولية على بريد الجزائر، والبنوك عامة التي يجب عليها بالموازاة تقديم خدمات تقنية للمنصات الإلكترونية.

وحتى تكون هناك موازنة بين الحرية والمسؤولية في الإعلام الرقمي يجب أن تكون هناك سلطة ضبط قطاع الصحافة الإلكترونية، التي لها مهام تسييره وفق القوانين والمعايير المطلوبة، معرجا أن 3 سنوات خبرة لإنشاء موقع إخباريا لا تكفي مقارنة بالخبرة، مطالبا بإعادة النظر لوقف ما تمليه علينا مسؤوليتنا تجاه ما تمليه علينا ضمائرنا تجاه حماية خصوصيات بلادنا الداخلية من الهجمات الإلكترونية من الخارج.

“فارس إيزة” مُصمّم ومُطوّر برامج
التوطين خطوة إيجابية للحماية من الهجمات السيبرانية
* حرية ومسؤولية مطوّري البرامج متلازمتان

أكد فارس إيزة، مصمّم ومطور برامج لعديد المواقع الإخبارية بالجزائر، في حديث خصّ به “الشروق أون لاين”، أن مسؤوليتهم كمطوري برامج في قطاع الإعلام الرقمي، تكمن في الالتزام بنماذج معينة في الغالب يتفق عليها مسؤولو النشر أو ملاك المواقع الإخبارية، بداية من عملية التبويب التي تعتبر واجهة للمنصة الإلكترونية في شكل زوايا تضم مختلف الأخبار والقطاعات، كما هو موجود في الصحافة الورقية.

وقال المتحدث، إنه في حال إنشاء مواقع إلكترونية إخبارية، يجب على مطوّري البرامج والمصمّمين “الديزاين”، أخذ بعين الاعتبار جانب الحماية، بمعنى أنه يجب أن يكون الموقع الإلكتروني مؤمنا، إذ أنه من غير الممكن- يقول فارس إيزة- على مالك الموقع، أن ينشئ منصة إخبارية من الناحية الأمنية ضعيفة، حيث يجب أن تتوفر في الموقع آخر التقنيات في مجال التطوير، والبرمجة وغيرها، وهذا ما يخلق لدى المطوّرين والمصمّمين في قطاع الصحافة الرقمية مسؤولية، فهم ملزمون بتسليم المواقع الإعلامية الإخبارية، مع ضرورة المتابعة التقنية للموقع، والعمل على تأكيد الحماية، التي تؤمّن الموقع الإخباري من الهجمات والضربات التي تستهدفه من خارج البلاد، في ظل الوضع السياسي الراهن، الذي أصبح بيئة ملائمة لبعض القراصنة والذباب الإلكتروني، بعد أن تم قرصنة بعض المواقع الرسمية والإخبارية الهامة في البلاد، سيما مع الجارة المغرب، حيث أن هناك هجمات سيبرانية متواصلة على المواقع الإلكترونية الإخبارية الجزائرية، وهنا تكمن مسؤولية المطوّرين والمبرمجين في الصحافة الرقمية، الذين يمنحهم الناشر الحرية في تصميم الموقع وتبويبه.

 وبخصوص ما نصّ عليه المرسوم التنفيذي الأخير حول التوطين في الصحافة الإلكترونية، قال ذات المتحدث، بأنه خطوة إيجابية، لأن المواقع الإخبارية يجب أن تكون بياناتهم مؤمّنة إلكترونيا، نظرا لتميز هذا القطاع بالحركية والسرعة من جهة والفبركة من جهة أخرى، لهذا من المهم أن تكون هذه البيانات مؤمّنة في “دتاسنتر”، أو قاعدة بيانات محلية. متابعا بالقول إن التوطين هو فكرة إيجابية رغم وجود بعض النقائص التي يجب على السلطات تطويرها من خلال النظر في البنى التحتية لقواعد البيانات وهو ما يسهل عليها مراقبة البيانات وحتى تصنيفها.

نحن نعلم أن عديد المواقع تبث عبر منصات خارجية، فالمرسوم الجديد فرض التوطين في الجزائر حماية للمعلومة والسيادة الوطنية، ورفضا للاستغلال الخارجي لهذه المواقع، ومن قبل أطراف تريد التشويش على الجزائر.

وثمّن المتحدث، مسعى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تجاه قطاع الصحافة الرقمية، نظرا لما يحدث حاليا في العالم من حروب إلكترونية سيبرانية، تقودها بعض المواقع الإخبارية التي تعتبر واجهة لبلدانها قصد إيصال المعلومة داخل وخارج حدود الدولة، وهي واجهة تعبر بها أي دولة عن نفسها، وأضاف أن الصحافة في السابق كانت ذات نطاق محلي ضيق، أما الإعلام الجديد غيّر ذات المفهوم ليصبح النطاق عالميا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!