“الترفاس”.. فطر الأمراء “يندثر” بالجنوب بسبب الجفاف
يعرف عالميا بنبتة الرعد لأنه ينبت من اشتداد البرق والرعد وهطول الأمطار، على شكل فطريات برية مختلفة الألوان والأحجام… يسمى لدى الجزائريين بـ”الترفاس” والتسمية نفسها تتداول لدى سكان شمال إفريقيا، و”الكمأ” لدى الخليجيين الذين “يحجون” باتجاه الجنوب الجزائري خصيصا، لجني المنتج وقلعه من تحت الرمال، فيما ظل بمثابة رمز يساهم في إنعاش السياحة الصحراوية لما تعرفه المنطقة من توافد كبير عليها خلال موسم جنيه انطلاقا من ديسمبر إلى غاية شهر مارس، نظرا لفوائده الصحية مقابل تكلفته الباهظة التي تصل أحيانا إلى غاية 10 آلاف دينار للكيلوغرام.
“الترفاس” ذلك الفطر الربّاني الذي لا علاقة ليد الإنسان بزراعته أو سقيه ومرافقته طيلة فترة نموه، فهو ناتج، حسب ما يؤكده خبراء في مجال الفلاحة، عن تكوين أكسيد الآزوت في الجو وذوبانه مع مياه الأمطار وعند اشتداد الرعد والبرق يسقط على الأرض ما ينتج عنه نمو مثل هذه الفطريات تحت سطح الرمال بعمق 5 إلى 15 سنتيمترا، حيث يظهر في الكثير من المناطق الصحراوية والسّهوب على غرار خط النعامة والبيض والجلفة وبشّار إلى غاية تندوف، ونظرا لقيمته الغذائية والصحية العالية ظل طيلة فترة من الزمن يستقطب السياح من داخل وخارج الوطن للتنقيب عن فطر ينافس الذهب الأصفر في تكلفته قبل أن يتراجع المنتج بسبب الجفاف الذي تمر به الجزائر عامة وشمال الصحراء خاصة منذ ما لا يقل عن 8 سنوات مضت.
البدو الرّحل أكثر العارفين بمواقع الترفاس
ولأن البدو الرحل من أكثر المتنقلين عبر سهوب الصحراء والعارفين بكل خباياها، فيعتبرون من أكثر مقتفي مراكز تواجد الفطر، ويؤكد في هذا الصدد المكلف بالإعلام لدى الجمعية السياحية للترفيه والتبادل والتطور والبيئة ببشار، محمد دالي في تصريح لـ”الشروق”، أنّ مناطق الساورة وبشار إلى غاية صحراء تندوف، معروفة بالترفاس، الذي يتكون نتيجة الرعود والصواعق الرعدية التي عادة ما تتشكل خلال نهاية فصل الصيف والخريف وإلى غاية شهر ديسمبر، وهي الفترة التي يحدد فيها إن كانت موسم خير لتشكل الترفاس تحت الرمال أو لا، مذكرا أن البدو الرحل لهم دراية كافية في معرفة مواقع تواجد هذا الفطر بتتبع الفقاعات والنباتات الصغيرة التي تخرج فوق الأرض حيث تعرف من طرف أبناء الصحراء على أنها امتصت المياه بشكل معتبر كما تكون قد أخذت قسطا معتبرا من أشعة الشمس.
رعود أوت إلى غاية ديسمبر تحدد الغلة
وأضاف دالي وهو أحد أبناء الجنوب العارفين بكل ما يتعلق بهذا الفطر الذي يكثر عليه الطلب عالميا، أن المناخ يحدد غلة الترفاس، فإذا اشتدت الصواعق الرعدية المتبوعة بالأمطار خلال نهاية الصيف أي أواخر أوت والى غاية أشهر الخريف وصولا إلى شهر ديسمبر، يمكن بذلك القول أن الغلة ستكون أكثر وفرة أو العكس، ولفت ممثل الجمعية ببشار إلى الأنواع التي تميز الترفاس وهي ثلاثة، الأسود، الأبيض والأحمر، ويختلف الوزن باختلاف المواقع وتصل بعض الحبات منه إلى غاية 1 كلغ ومنها ما ينقص إلى غاية حبة جوز أو لوز وهذه نادرا ما يتم جنيها في حالة ما سجلت الوفرة.
الجفاف يتسبب في تراجع المحصول منذ 2015 ويرفع أسعاره
وقد أثّر الجفاف الذي تشهده مختلف المناطق الصحراوية منذ حوالي 7 سنوات أي منذ 2015، حسب دالي، سلبا على وفرة المنتج الذي لم يعد في المتناول، لاسيما بالجنوب الغربي الذي كان عرضة لهذه التحولات المناخية التي أضرت بالغلة ورفعت الأسعار عاليا فبعدما كان الترفاس، يباع في مختلف الأسواق الشعبية بالجنوب، أصبح عملة نادرة وتراوحت الأسعار بين 5000 دينار إلى 10 آلاف دينار للكيلوغرام الواحد.
أمراء خليجيون وأجانب “يتدفّقون” على الصحراء للحصول عليه
ولأن الكمأ من الفطر النادر الحصول عليه عبر العالم فقد ظل طوال سنوات “يسيل لعاب” الكثير من أمراء الخليج وحتى الأوروبيين الذين يحجون جماعات وفرادى إلى مواقع متفرقة من صحراء الجزائر، بحثا عنه.
ويؤكد في هذا الصدد المكلف بالإعلام لدى الجمعية السياحية للترفيه والتبادل والتطور والبيئة ببشار، أنه ظل مورد رزق العديد من المواطنين كما أنه لطالما جلب أمراء الخليج إلى منطقة الساورة وبشار وصولا إلى تندوف، حيث ينصبون خيما من أجل جنيه مع صيد الحبار والغزال، والأمر نفسه ينطبق على بعض الأجانب القادمين من أوروبا خصيصا لاقتناء هذا الفطر الذي يعتبر البحث عنه من طرف العاملين في هذا المجال من عائلات وشباب، كالبحث عن الكنوز تحت الرمال لكونه مطلوب عالميا.
وأضاف دالي أنّ الكثيرين يحملونه باتجاه أوروبا من أجل إعادة استخدامه في العديد من الأدوية نظرا للفيتامينات التي يحتويها، فضلا عن مكوناته من المعادن التي تساهم، حسب الطب الحديث، في علاج الكثير من الأمراض وعلى رأسها التهابات العيون وتقوية البصر، علاج هشاشة العظام، المساهمة في تقوية جهاز المناعة ومحاربة الشيخوخة والكثير من الأمراض الأخرى دون ذكر مذاقه الحلو والطيب الذي لا يمكن أن يقاوم.