الجبة السوداء.. زي مميّز يلبسه المحامون للدفاع عن المواطنين
لطالما ارتبطت مهنة المحاماة بالجبّة السوداء، وهو الزي المميز والموحد في العالم الذي يلبسه المحامون وحتى القضاة في جلسات المحاكم، وما لفت انتباهنا في الجزائر أن العديد من المحامين لا يعرفون أصل هذا الزي الذي ظهر أول مرة في فرنسا، للمطالبة بعدالة القضاء قبل أن يصبح تقليدا مهنيا في كل أرجاء المعمورة.
حاولنا من خلال هذا الاستطلاع أن نكتشف تاريخ “الجبة السوداء”، وأن نعرف سر هذا الزي المقدس الذي ارتبط بأنبل مهنة في العالم وهي مهنة “الدفاع”، ولما طرحنا السؤال على عدد من المحامين في قصر العدالة عبان رمضان، تضاربت إجاباتهم واختلفت، حيث اكتشفنا أن فئة منهم لا تعرف عن حكاية “الجبة السوداء” سوى تفاصيل شكلها والمعايير التي يجب أن تتوفر فيها والفرق بينها وبين جبة “القضاة”.
قصة جبة
ذكر لنا محامون بأن أول من سنَ هذا الزي كلباس رسمي يلبسه المحامون للتفرقة بينهم وبين المتقاضين هم الفرنسيون، وقصة “الجبة السوداء” ترجع – حسب ما هو متداول في تاريخ المحاماة – إلى سنة1791، وبالتحديد في فرنسا، حيث وقعت جريمة قتل بشعة في الشارع، كان الشاهد فيها قاض في أحد المحاكم الفرنسية، حيث كان بشرفة منزله المطلة على الشارع، وشاهد الجريمة التي وقعت وانتهت بموت أحد المتخاصمين وهروب القاتل، وتشاء الأقدار أن يتهم في هذه الجريمة الشخص الذي أنقذ الضحية رغم أنه بريء من دمه.
ومن الصدف التي وقعت في هذه القضية أن القاضي الذي شهد الحادثة بأم عينه هو من فصل فيها في المحكمة، ورغم أنه كان متأكدا من براءة المتهم إلا أن القانون الفرنسي الذي لا يعترف إلا بالدلائل والقرائن، لم يكن ليسمح له أن يكون شاهدا، فحكم بالاعدام على شخص بريء، ومع مرور الزمن شعر القاضي بتأنيب الضمير الذي لازمه في حياته، ليقرر الاعتراف بخطئه أمام الملأ، وبعد مدة من الزمن وعند الفصل في احدى القضايا التي كان القاضي نفسه رئيسا للمحكمة فيها، حضر أحد المحامين مرتديا “جبّة سوداء” فسأله القاضي عن سرّ ارتدائه “للروب الأسود” فردَ عليه المحامي “لكي أذكّرك بما فعلته من قبل، حيث حكمت ظلما على شخص بريء بالاعدام”، ومنذ ذلك الوقت أصبح “الروب الأسود” أو ما يسمى عندنا “الجبة السوداء” هو الزي الرسمي للمحاماة في فرنسا، ومنه انتقل إلى سائر الدول في العالم.
زي عالمي لأنبل مهنة
اعتبر النقيب الوطني لاتحاد منظمات المحامين الجزائريين، مصطفى الأنور، بأن “الجبة السوداء” زي عالمي يرمز لأنبل مهنة تمثل “الدفاع”، واعتبر أن هناك من يرجع تاريخها لقصة موسى وأخيه هارون، فيما يرجعها آخرون لقصة القاضي والمحامي في فرنسا، وفيما يخص الفرق بين جبة المحامين والقضاة أكد النقيب الأنور، بأنها متشابهة لكن الفرق يكمن فقط في “الياقة”(ربطة العنق) ولونها، بحيث يرتدي المحامون جبة سوداء فيها “ياقة” تشبه ربطة العنق بيضاء فيما تكون خضراء بالنسبة للقضاة، وأضاف أن هناك من المحامين من يلبس “ياقة” حمراء، وهذا حسب الخبرة والاعتماد لدى المحكمة العليا، وأكد أن اتحاد المحامين أصدر تعليمة لتوحيد “الياقة” لتكون بيضاء للجميع لتفادي الحساسيات والتمييز خاصة أن المواطن البسيط يظن خطأ أن من يلبس “ياقة حمراء” هو النقيب، أما بالنسبة للجبة السوداء التي يلبسها القضاة في المحكمة العليا، فهي مميزة عن غيرها ومطرّزة ومصنوعة مثل تلك التي كانت في أوروبا.
أمل البراءة والحياة
يقول المحامي وأستاذ القانون بكلية الحقوق بن عكنون، بهلولي إبراهيم، بأن “الروب الأسود” هو زي للتفرقة بين المحامي والمتقاضي وأصله فرنسي، والذي يعبّر عن مهنة الأرملة واليتيم في المجتمع الفرنسي القديم، والتي تقابل كل ما هو صعب وترمز للنبل، وهو ما يفسره البياض الموجود في ياقة الجبة، والذي يعبّر عن أمل البراءة والحياة الذي يدافع عنه المحامي، برغم كل الصعوبات وما يتعرض له في سبيل إظهار الحقيقة، كما يرمز القماش المسدل على الأكتاف والملحق بالجبة لقدسية الدفاع.