-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائر والأرجنتين… حين تمنح الكرةُ الحلمَ فرصةً أخيرة!

لعلى بشطولة
  • 966
  • 0
الجزائر والأرجنتين… حين تمنح الكرةُ الحلمَ فرصةً أخيرة!

قبل أن تُلعَب المباراة، يكون العالم قد لعبها مسبقًا.

التصنيفات رتّبت. شركات الرهان حسمت. الخبراء شرحوا. الحواسيب تنبّأت. والأرقام منحت الأرجنتين كل شيء تقريبًا، وتركت للجزائر هامشًا صغيرًا اسمه المفاجأة.

ثم تأتي كرة القدم، تلك الفوضى العادلة، لتذكّر الجميع بأن العشب لا يقرأ النبوءات.

هذه الليلة، في مدينة كنساس، لا تواجه الجزائر أبطال العالم وحدهم. تواجه فكرةً أوسع من المباراة: أن المستقبل يُمنح عادةً للأقوى، وأن على الآخرين أن يدخلوا الحلم بحذر، كأنهم ضيوف عابرون في حكاية كُتبت لغيرهم.

عند الثانية صباحًا بتوقيت الجزائر، ستتدحرج الكرة على ملعب «أروهيد». وفي تلك اللحظة لن تكون المباراة في كنساس وحدها. ستكون في الجزائر العاصمة، ووهران، وقسنطينة، وعنابة، ولقواط؛ في المقاهي المفتوحة، وفي البيوت الساهرة، وفي أكواب القهوة التي ستقاوم النعاس، وفي الأعلام التي خرجت من الخزائن، وفي عيون أطفال يريدون أن يصنعوا ذاكرتهم الأولى.

هذه الليلة، ستسهر الجزائر بكل فخر، بكل عزّ، بكل مدنها وقراها وأريافها، وحتى مدينة لورنس في كنساس، لمتابعة المقابلة بصوت حفيظ دراجي؛ ذلك الصوت الذي يعرف كيف يجعل الكرة نبضًا، والهدف زلزالًا، والمباراة حكاية وطن.

بعد سبع سنوات من الغياب، ومونديالين ضائعين، لا يسهر الجزائريون من أجل تسلية عابرة. يسهرون لأن العودة إلى كأس العالم ليست مباراة فقط، بل استعادة لحق الظهور.

وفي المهجر، من باريس إلى مرسيليا، ومن مونتريال إلى لندن، ستتحول الغربة إلى مدرج واسع. فالجزائري لا يشاهد المنتخب وحده. يبحث عن جزائري آخر كي يصدق الهدف معه، أو يتحمل الخيبة معه. في المنفى، ليست الكرة رياضة فحسب؛ إنها وطن مؤقت، وعناق مؤجل، وذاكرة تبحث عن صوت يشبهها.

حتى العالم العربي سيسهر معنا، ولو بصمت. قد تختلف العواصم، وقد تغلق الحدود، وقد تتعب السياسة من نفسها، لكن قميصًا عربيًا أمام بطل العالم يكفي أحيانًا ليعيد للقلب ذاكرته. لكرة القدم نعمة نادرة: تصالح في تسعين دقيقة ما تفرقه السياسة في سنوات.

وفي قلب هذه الحكاية يقف رمز صغير وجميل: لوكا زيدان، ابن زين الدين زيدان، اختار قميص الجزائر. قد يكون «زيزو» في المدرجات أبًا لا أكثر، لكن الرمز أكبر من العائلة. بعض الأسماء تظنها العواصم الكبرى ملكًا نهائيًا لها، ثم يأتي الدم بهدوء ليقول إن الذاكرة لا تُغلق بمرسوم.

الأرجنتين، طبعًا، ليست خصمًا عاديًا. إنها بطلة العالم. ثلاث نجمات فوق الصدر. تاريخ كثيف. فريق يعرف كيف يفوز. وفي قلب هذا كله ليونيل ميسي، في الثامنة والثلاثين، يمشي نحو رقصته الأخيرة كمن يودّع الأسطورة التي صنعها بقدميه.

لنكن واضحين: على الورق، لا يُفترض أن تفوز الجزائر.

لكن الورق لم يسجل يومًا هدفًا.

الأرقام تقول إن الأرجنتين أقوى. السوق تقول إن الجزائر احتمال ضئيل. الخبراء يتوقعون فوزًا هادئًا لبطل العالم. وقد يكونون على حق. غير أن كرة القدم تبدأ دائمًا حيث تنتهي التوقعات.

فالأرقام تُحسن عدّ الأهداف، لكنها لا تفهم الذاكرة. تعرف القيمة السوقية، لكنها لا تعرف طفلًا في لقواط ينام بقميص المنتخب تحت وسادته. تعرف نسبة الفوز، لكنها لا تعرف ماذا يحدث حين يشعر فريق كامل أن العالم لا ينتظر منه شيئًا.

والجزائر تعرف هذه المنطقة جيدًا.

في خيخون سنة 1982، قيل إن ألمانيا أكبر. ففازت الجزائر. وفي مونديال 2014، قيل إن ألمانيا ستعبر بسهولة. فسحبتها الجزائر إلى الوقت الإضافي، وجعلت الخسارة أقرب إلى ملحمة. هذا ليس تاريخًا للزينة، بل توقيع قديم: نحن لا نكون أكثر حضورًا إلا حين يقال إننا خارج الحسابات.

وهذه الليلة، لا نطلب معجزة خطابية. نطلب فقط أن لا يدخل اللاعب الجزائري صغيرًا أمام الاسم الكبير. أن يرى ميسي خصمًا لا صنمًا. أن يرى النجوم الثلاث على القميص لا في السماء. أن يدافع حين يجب، ويهاجم حين يستطيع، ويُشعر العالم منذ الدقائق الأولى أن الجزائر لم تأتِ لتزيين وداع الأسطورة.

أما السياسة، فلتجلس في المدرجات وتتعلم قليلًا. فالكرة لا تهتم بالبيانات ولا بالتصنيفات ولا بضجيج المنابر. تسأل فقط: من يركض؟ من يجرؤ؟ من يرفض أن يخاف؟

لذلك لا نبيع الوهم. قد تفوز الأرجنتين. قد يفعل ميسي ما فعله طوال عمره: أن يجعل المستحيل يبدو بسيطًا. قد تصدّق التوقعات وتنتهي الليلة كما أرادتها الآلات.

لكن الرهان الحقيقي ليس في النتيجة وحدها.

الرهان أن لا تلعب الجزائر كضحية مهذبة. أن لا تدخل لتقليل الخسائر. أن لا تعتذر عن وجودها في المونديال. أن تقول للعالم، فوق العشب لا في الخطب: نحن هنا، وسنلعب حتى آخر نفس.

فهناك شعوب لا تُقاس بحظوظها في الفوز، بل برفضها أن تعرف نفسها مهزومة قبل البداية. وهناك مباريات لا تنتهي بالصافرة، لأنها تترك في الذاكرة شيئًا أبقى من النتيجة.

هذه الليلة، بينما ينام العالم المحاسب على يقينه، سيسهر الجزائريون على احتمال صغير. وربما كان التاريخ كله قد بدأ، في لحظاته الكبرى، من احتمال صغير رفض أن يموت.

أما الكرة، فلا تعرف شيئًا عن النبوءات.

لا تقرأ نسب الرهان.

لا تخاف من التصنيف.

لا تحفظ أسماء الرؤساء.

ولا تعترف إلا بمن يملك الشجاعة ليلعب.

إنها تتدحرج فقط.

ومنذ أكثر من قرن، ما زالت تذكّر البشر بحقيقة بسيطة:

الأرقام تستطيع أن تفسّر العالم.

لكنها لا تستطيع أن تحلم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!