الحمار..الحيوان الذي تحوّل إلى مهندس لأجمل قرى منطقة القبائل!
تعرف قرى منطقة القبائل بنط معيشي مميّز، رغم صعوبة الحياة في جبال لم توفر مع بداية استيطانها قبل قرون، سوى عامل الأمن، حيث تمركزت العائلات في قمم الجبال لتطل على كل المنافذ والمسالك التي يمكن للعدو سلكها نحوها.
أول ما يبادر إلى ذهن زائر قرى أعالي عين الحمام، الأربعاء ناث إيراثن، بني يني، افرحونان وجميع القرى الواقعة بقمم الجبال بتيزي وزو، هو كيف تمكن السكان من إيصال حاجياتهم على بعد عشرات الكيلومترات وسط منحدرات ومرتفعات شاهقة ووعرة ومسالك لا تتعدى المشي عليها ترجلا؟ وأهم شيء التمكن من إنجاز نسيج عمراني فريد من نوعه، واستعمال مواد بناء قاسية وصلبة تمكنت من الصمود أمام عوامل الزمن المختلفة، وحمت قاطنيها من حر الصيف وبرد الشتاء لتبقى قائمة لعقود من الزمن إلى غاية اليوم؟
الحديث عن النمط المعيشي في قرى منطقة القبائل، وكذا النسيج العمراني الذي كان محور دراسات عديدة، نظرا للهندسة المعمارية المعتمدة فيه وطرق البناء البسيطة والمعقدة في الوقت ذاته، وكذا التعايش المثالي مع الطبيعة القاسية والاهتمام بشجر الزيتون الذي مثل محور وأساس الحياة في قرى منطقة القبائل، يدفعنا للحديث عن أهم عنصر ساهم في بناء هذه القرى والإبقاء عليها لغاية اليوم .
كائن استوطن القرى وساهم في بنائها ورافق أهاليها عبر الأجيال، ولم تقض الحياة العصرية التي طرقت أبوابها على وجوده واستغلاله في مآربهم اليومية، إنه “الحمار” الحيوان الذي يستحق عن جدارة واستحقاق لقب مهندس وبنّاء قرى القبائل، الكائن الذي لا يزال لغاية اليوم مرافق أهالي القرى، خصوصا وأن الطابع الجبلي لأكثر قرى مرتفعات تيزي وزو، حرمها من إنجاز طرقات واسعة تسمح بدخول المركبات مهما كان حجمها نحو التجمعات السكنية، فالحاجيات المختلفة التي يقتنيها هؤلاء من مواد غذائية ومختلف المقتنيات، تحمل على ظهور الحمير، دون الحديث عن مواد البناء التي كانت ومنذ الأزل المهمة المسندة للحمار وحده.
هذا الحيوان الذي كان مرافقا أساسيا للمستوطنين الأوائل لقمم الجبال بمنطقة القبائل وعاملا محوريا في بناء قراها ذات النمط التقليدي، يستمر اليوم في مهمته مواكبا العصر ليرافق الشباب في بناء سكناتهم العصرية أيضا.
برنامج السكنات الريفية الذي أعطى لقرى منطقة القبائل وجها آخر بلمسة عصرية، زاد من مهام هذا الحيوان الذي يستمر في خدمته لها دون كلل ولا ملل، ليعطيها اليوم أيضا مظهرا جديدا لا ينكر دوره فيه أحد.
قد يكون تناول هذا الموضوع غريبا لدى البعض، لكن الاستغلال المتزايد مؤخرا لهذا الحيوان في التهريب عبر الحدود وغيرها من الممارسات اللاقانونية ووضع هذا الحيوان في قفص الاتهام، دفعنا للحديث عن المكانة النبيلة التي يحتلها هذا الكائن في قرى منطقة القبائل، حتى أصبح اليوم الكثير ينادون بوضع تمثال له لدى كل قرية لا تزال الحياة اليومية تتوقف على وجوده، كامتنان واعتراف بفضل هذا الحيوان في استمرار عجلة الحياة في الكثير منها.
“الشروق اليومي” ولتسليط الضوء على مكانة هذا الكائن في منطقة القبائل، انتقلت إلى بعض القرى التي تتوقف فيها الحياة على وجود هذا الحيوان الذي لا يضاهي امتلاكه، أي وسيلة نقل أخرى مهما كانت فاخرة أو قوية، إذ لا يمكنها ولوج المسالك الضيقة والوعرة، كتمكن الحمار منها.
وجهتنا كانت إلى قرية “ثقيضونت” في بلدية واسيف جنوب ولاية تيزي وزو، وهي إحدى المناطق المتاخمة لجبال جرجرة والمعروفة بصعوبة تضاريسها ومنحدراتها الوعرة، بهذه القرية يتواجد شخص كسر كل حواجز استصغار المهن والخجل بها، ووجد لنفسه مصدرا للاسترزاق، يمارسه بكل اعتزاز ويكفيه فخرا أنه وحيواناته أعطوا القرية وقرى المنطقة ككل وجها آخر، لتنتقل من الحياة التقليدية إلى العصرية، ببناء المساكن الجديدة والمنجزة أغلبها في إطار السكن الريفي.
السيد “حسان آيت أوقاسي” ناشط سياسي وتاجر صاحب عقارات في ولايات مختلفة عبر الوطن، لم يمنعه الاهتمام بأملاك عائلته، أن يسترزق بعرق جبينه ويمارس مهمة، يصعب على الكثير اليوم مواجهة المجتمع بها، إلا أنه وبشموخ رجل شهم يقدس العمل النزيه، اهتدى لخدمة قريته وكسب قوته، بامتلاك “حظيرة حمير” يشتغل بها عن طريق الكراء، لتوصيل مختلف سلع ومواد البناء للمقبلين على تشييد سكناتهم الجديدة، حيث أنشأ حظيرة لحيواناته عند مدخل القرية على قارعة الطريق الذي تتوقف عنده حركة المركبات وتودع فيه السلع، لتبدأ مهمة الدواب في نقل هذه السلع على مسافات مختلفة حسب موقع المكان المقصود.
النظام والجدية هو أقل ما يوصف به عمل هذا الرجل، حيث يدرب دوابه على التنقّل كفريق تحت إمرة قائد، إذ يقوم بتحميل السلع على ظهر الدواب ويرافقها لمكان تفريغها لمرة واحدة فقط، وبعدها تقوم الدواب بالذهاب والإياب بقيادة “القائد” دون مرافقته لها، إلى أن تنتهي العملية.
بداية ممارسة هذا العمل يقول السيد “آيت أوقاسي” كانت قبل 7سنوات، حين أراد أن يشغل شقيقه المختل عقليا، بنشاط يمكنه من تجاوز حالات النرفزة التي تنتابه وحتى ينفع نفسه ولا يكون خطرا على مجتمعه، إذ بدأ في هذا العمل وبلغ مراده به، حيث تغير سلوك شقيقه وأصبح أكثر اعتدالا واعتمادا على نفسه، وقد ساعده التفاف السكان حوله وتشجيعهم له ومع تزايد الطلب على خدماتهم، لم يعد الشقيق قادرا على ذلك، فاستلم المهمة عليه وأصبح “قطيعه” مطلوبا في القرى المجاورة، وقد شاهدنا عشرات المنازل والفيلات التي تم تشييدها بفضل خدمات هذه الحيوانات، التي نقلت كل مواد البناء منذ بداية المشاريع إلى غاية نهايتها.
