-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الدكتورة عائشة غطاس كما عرفتها

الشروق أونلاين
  • 7786
  • 5
الدكتورة عائشة غطاس كما عرفتها

عرفت الدكتورة عائشة غطاس المعلمة والأستاذة والمؤرخة، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عن قرب كطالب في مرحلة التدرج. من حياتها القصيرة التي تجاوزت الخمسين بست سنوات فهي من مواليد عاصمة التيطري يوم 20 ديسمبر 1955 .. موفورة الصحة إلا من الأمراض العابرة كالزكام، أو الحمى الفصلية، عرفتها وقورة أنيقة، متخلقة وعفيفة.

  • ثم عرفتها عن قرب أكثر في مرحلة ما بعد التدرج. وقد جمعتنا المدرسة التاريخية الجزائرية العثمانية، التي أسسها الأستاذ الدكتور مولاي بالحميسي، وهو من مواليد مازونة يوم 17 جانفي 1930 وتوفي رحمة الله عليه يوم 01 أكتوبر 2009 . ثم كطالب في مرحلة الماجستير، وكنت ألتقي بها بانتظام في قسم التاريخ بالخروبة جامعة الجزائر، ثم بالقسم ذاته ببوزريعة، أسألها عن المصادر والمراجع المتعلقة بموضوع العلاقات بين الجزائر والدويلات الإيطالية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكان هذا موضوع بحثي لنيل شهادة الماجستير. وتأكد لي أن الدكتورة عائشة تنصت أغلب الوقت لمن يحدثها. وتفضل الإجابة عن أسئلة مباشرة عن المواضيع ذات الصلة بالتاريخ العثماني عموما، وتاريخ الدولة والمجتمع للجزائر العثمانية خصوصا. وهي لا تستطرد مثلا من قصة أو اسم يذكره آخر، كما هي عادة أغلبنا إذا ذكر أحد الجالسين اسم شخص ما، فيستطردُ:”.. آه والله أذكر، حين .. كذا ..”. ولا تنعطف إلى تعليق عند ذكر أحدهم لواقعةٍ أو حكاية، ولا تقحم في الحديث أي شيء من ذكرياتها الشخصية.الدكتورة عائشة، كما عرفتها ليست بالمجادلة أو حتى الميالة للدردشة كثيرا، لكنك إذا سألتها أجابتك وبكل ما تعلم وبصدق، لا تتوقف إلا عندما تريد أن تقول لا أعرف.
  •  ثم عرفتها عن قرب أكثر فأكثر عندما تفضلت مشكورة قبول الإشراف على موضوع أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه حول موضوع: “الأسرى المغاربة في إيطاليا خلال العهد العثماني”. ولما أطلعتها على بعض الأرصدة الوثائقية الخاصة بهؤلاء الأسرى، وقرأتها أحست كما ذكرت لي بدافع نفسي يلحّ بوجوب دراستها ونشرها في رسالة علمية تاريخية، وأشعرتني بأنّ النكول عن هذه الرغبة عقوق لديني وحسبي وقومي وتاريخي، وأنها لا تريد لقلمي أن ينكمش في دواته.    
  • الدكتورة عائشة غطاس لا تنافق ولا تتملق، بل تعرف الصحيح وتنحاز له .. لكنها تنطق فقط إذا سئلت عن رأيها وطلبت مشورتها. وفي كل الأحوال تترك تيار الأحداث والآراء يجري أمام ناظريها، دون محاولة أو رغبة في التدخل .. على عكس الإنسان السياسي مثلا.
  • يبدو لي أنها عاشت مراقبة للحياة والأحداث، دون موقف تلقائي متحمس، ربما من باب التسليم بأن تقلبات الدهـر هي القاعدة وأن ما يتمنى المرء لا يدركه عادة .. وهنا يمسي الحديث استباقا متعجلا لما سيأتي وما لا يمكن توقعه!
  • كلنا قد نصمت حذرا أو تعبا، أو من باب الخوف، فمن صمَت سـلِـم! لكن الصمت وما يترتب عليه من كتمان عندما يتعلق الأمر بحياة الآخرين، هو موهبة في ما يبدو لي .. إضافة إلى الذكاء وحِدّة البصيرة ورجاحة العقل .. أن تراقب ولا تبادر، وتتمعن وتحتفظ برأيك الشخصي.. وأن توظف قدراتك للبحث الموضوعي .. بنزاهة وأمانة. وأن المؤرخ بهذه المواصفات، فصيلة نادرة. وهكذا كانت عائشة رحمة الله عليها.
  • عملت مع الدكتورة عائشة لما طلبت منها إدارة المركز الجامعي غرداية التعاون كأستاذة زائرة في مرحلة التدرج فغطت مقياس الدولة والمجتمع لطلبة السنة الثالثة تاريخ، ومقياس المسألة الشرقية لطلبة السنة الرابعة في نفس التخصص، وذلك خلال السنة الجامعية 2006 / 2007، ثم السنة الموالية، ولها يعود الفضل في تأطير طلبة ما بعد التدرج في غرداية في تخصص العلاقات بين ضفتي البحر المتوسط في جزئه الغربي من سنة 1492 إلى سنة 1830 خلال السنة الجامعية 2008 / 2009، ثم السنة التي تلتها، والتي نحن فيها الآن أي 2010 / 2011، كانت مذهلة بموسوعيتها، فاتنة ببلاغتها، صارمة في تقييمها، وإنسانية في رؤيتها، ومنذ المحاضرة الأولى لها أدركت أنني سأعكف على قراءة كل حرف تكتبه، مصغيا بجوارحي لكل كلمة تكتبها.
  • شاركت مع الدكتورة غطاس عائشة في اليوم الدراسي الوطني الذي أقامه قسم التاريخ برئاسة الدكتور صالح بوسليم، حول المدرسة التاريخية العثمانية الجزائرية تكريما لروح شيخنا وأستاذنا الدكتور مولاي بالحميسي، وكانت مداخلتها بعنوان: “محطات في حياة الأستاذ مولاي بالحميسي”، فحدثتنا عن علاقتها بشيخها وأستاذها طيلة إشرافه عليها في الماجستير والدكتوراه، فبكت وبكى بعضنا على بعضنا معا.
  • ووجدت أن جميع الطلبة مأخوذون بهذه المؤرخة المتألقة وبسعيها الدائم والدائب إلى أداء متميز. لقد فتحت لنا الدكتورة غطاس عائشة بابا للأمل في مستقبل أفضل مهما طال الطريق، ومهما بعدت الآمال، لقد مهدت لنا طريقا سلكته بخطاها الثابتة وعملها المثابر، طريق الاهتمام بتاريخنا الوطني.
  • آخر عهد لي بها كان يوم 08 ماي 2011 “وهي مناسبة تاريخية كتبت فصولها بأحرف من دم 45 ألف شهيد سقطوا في ميادين الشرف في كل من سطيف وڤالمة وخراطة، وفي كل شبر من أرض الجزائر الطاهرة، حيث أرسلت لي رسالة نصية قصيرة SMS أوصتني بأن أحجز لها في الرحلة المقررة من الجزائر إلى غرداية يوم 13 / 05 / 2011 لتلتقي بطلبة الماجستير على مدار ثلاثة أيام 14و15و16، على أن تعود إلى العاصمة يوم 17 ماي في الرحلة المبرمجة على الساعة 14.30، لكن الرحلة لم ولن تتم لأن الموت سبقها.
  • ولا يفوتني في هذه المناسبة الحزينة والمؤلمة أن أتقدم بعظيم الامتنان والتقدير والشكر لأستاذتي الفاضلة الأستاذة الدكتورة عائشة غطاس. لما أولتني به من توجيه وتشجيع طوال مدة إشرافها، وبذلت معي جهدا كبيرا وقدمت لي ملاحظات سديدة خلال العمل في هذا البحث فجزاها الله عني وعن العلم نعم الجزاء، رحمها الله برحمته الواسعة وأسكنها فسيح جناته، وسقاها شرابا طهورا.
  • اللهم اغفر لها وارحمها وعافها واعف عنها وأكرم نزلها ووسع مدخلها واغسلها من خطاياها بالماء والثلج والبرد، اللهم نقها من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين.
  • الجزائر العاصمة يوم 13 / 05 / 2011
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • danfoss

    أشكرك أستاذي الكريم على ماتفضلت به من ذكر مناقب أستاذنا المؤرخة التي فُجعنا بفقدها، و أذكرك و أذكر كل من يريد أن يستغل دم أستاذتنا أننا تعلمنا منها حب الجزائر من خلال تخصصها في تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني، حيث تعلمنا منها أن الجزائر كانت دولة قوية و عظيمه تهابها مختلف دول العالم ، وأنها كانت دولة مِؤسسات ومجتمع ، ولم تكن عُشاً للصوصية.

  • مواطنه

    اللهم ارحمها وأحسن مدخلها و تجاوز عن سيئاتها واغسلها بالماء و الثلج و البرد واغفر خطاياها وادخلها فسيح جناتك

  • SAMIA

    رحمها الله و اشكرك علئ هدا المقال لان فقدان السيدة عائشة لا يجب ان يمر دون دللك فعند موت احد المطربين لا تتوقف الاقلام من المدح ووووو انا لم اعرفها سوى كزبونة ولكنها تركت بصمتها في نفسي و انا ابكى فقدانها بهده الطريقة لقد كانت كملاك يمشي على هده الارض ربي يرحمها و يتجاوز عنها و يدخلها فسيح جنانه

  • بدون اسم

    رحمها الله

  • وحيدة الجزائر

    رحمها الله