-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الرياضيات مادة أساسية لكل الناس

بقلم د. عثمان عبد اللوش
  • 1692
  • 15
الرياضيات مادة أساسية لكل الناس

نحن نعيش في وضع متناقض اليوم، فالرياضيات هي أداة لا يمكن الاستغناء عنها للتدريب على الصرامة والتفكير والتحليل السليم؛ فهي تطور الحدس والخيال والتفكير النقدي؛ كما أنها لغة العلوم وعالمية وعنصر ثقافي قوي. وهي تؤدّي أيضًا، من خلال تفاعلها مع العلوم الأخرى، دورًا متزايدًا في تصور وتطوير كل الأشياء في حياتنا اليومية. لكن هذه الحالة بشكل عام يتم تجاهلها تمامًا من قبل المشرفين على التربية والتعليم وأيضا غالبية المواطنين في الجزائر وأيضا في العالم، ما يُفقد الرياضيات أهمّيتها.
اليوم تجد، حتى في مواقع المسؤولية، من يتباهي بكونه “لا يفقه شيئا في الرياضيات”، أو يعترض على فائدتها.
ويمكن للمرء أن يجد لهذه المفارقة وتفسيرات عدم الفهم التي تتعلق بخصوصية الرياضيات. إنه تخصُّصٌ يتغذى على روابطه مع العلوم الأخرى والعالم الحقيقي، ولكنه يثري نفسه أيضًا: فالنظريات الرياضية لا تهدم، بل تبني على بعضها البعض.
على العكس من ذلك، وعلى الرغم من أن العديد من باحثي الرياضيات مهتمون بشكل أساسي بالجوانب الفكرية وحتى الجمالية لتخصصهم، إلا أن التطبيقات تنشأ أحيانًا بشكل غير متوقع. وبالتالي، فإن التطبيقات تثري البحث، لكنها لا تستطيع التحكم فيه بمفردها.
ويجب اليوم الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين عوامل التنمية الداخلية والخارجية. إن الرغبة في تحديد النشاط أو البحث في الرياضيات من خلال تطبيقاته المحتملة يعني جعلها تختفي. من ناحية أخرى، لقد أدى الإصلاح الذي وقع في المدرسة الجزائرية في ثمانينيات القرن الماضي بما يُعرف بـ”المدرسة الأساسية”، إلى تأخير تطوير ما يسمى الرياضيات العصرية والرياضيات التطبيقية في الجزائر، على عكس ما حدث في الماضي بالإتحاد السوفياتي وبعدها في الولايات المتحدة الأمريكية.

الرياضيات اليوم في كل مكان. من دونها، لا حواسيب، ولا نُظم معلومات، ولا هواتف ذكية، ولا وجود لوُرَش تصميم لمصنِّعي السيارات ولا ملاحة جوية، ولا وجود لأنظمة مواقع الأقمار الاصطناعية، ولا معالجة إشارات، ولا تشفير وفك تشفير، ولا تنبؤات جوية، وبطاقات ذكية، وروبوتات…

وفي الخامس من أكتوبر 1957، عندما عبَر أول قمر اصطناعي سوفياتي أجواء الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ بإرسال موجات، تم التقاطها من طرف محطات راديو مدنية وعسكرية أمريكية، وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية ثورة عارمة على المنظومة التربوية وخاصة منظومة تدريس الرياضيات من الحضانة إلى الجامعة، وتم البحث عن الخلل والتأخر الذي تعاني منه المنظومة التربوية الأمريكية.
وفعلا، قام الرئيس الأمريكي وقتها، بقرار ثوري في إعادة النظر في المنظومة التربوية وخاصة تدريس الرياضيات التي هي أساس العلوم والتكنولوجيا. وغالبا ما تكون عوامل التقدُّم على حدود مادة الرياضيات.
واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية بعد فترة قصيرة لا تتعدى الثلاث سنوات صناعةَ قمرها الاصطناعي وإرساله بنجاح إلى الفضاء.
واليوم، نحن نرحب بهذا، ورئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون أعطى أهمية كبيرة للرياضيات، بإنشاء ثانويات ومدارس عليا للرياضيات، ولكن علينا أن نصلح الخلل من الجذور وإعادة النظر في تدريس هذه المادة منذ السنوات الأولى، أي من الحضانة إلى الابتدائي فالمتوسط فالثانوي، وبهذا نستطيع تكوين جيل قادر على الإبداع في جميع مجالات الحياة العملية والتكنولوجية والإبداعية في الجزائر الجديدة. لقد أعادت الرياضيات، وأحيانًا أنشأت، روابط قوية مع العلوم الأخرى ومع العديد من القطاعات الاقتصادية.
لقد أصبحت اليوم الحدود بين الرياضيات البحتة والرياضيات التطبيقية غير واضحة: تُستخدم الرياضيات الأساسية لحل المشكلات الصعبة بشكل متزايد. وهكذا، وجدت مجالات مثل الهندسة الجبرية ونظرية الأعداد تطبيقات غير متوقعة في نظرية الترميز والتشفير. وبالمثل، تكثفت الروابط بين الرياضيات والتمويل لتقييم، أو حتى خلق، منتجات مالية متزايدة التعقيد، وفقًا لاحتياجات ومتطلبات الفاعلين الاقتصاديين.
ومع ذلك، لا يزال هناك عملٌ مهمّ للغاية في مجال الاتصال والتوعية والتبسيط، لتعديل صورة لم تتطور بشكل كافٍ، واكتشاف جميع عوامل الجذب ونقاط القوة في عالم الرياضيات وتطبيقاتها في الجزائر اليوم.
والغرض من هذه المقالات التي ستُنشر في “الشروق اليومي”، هو جعل الرياضيات معروفة بأكثر جوانبها تنوعا: العلمية والتقنية والثقافية والاجتماعية ؛ للتأكيد على تنوع وعالمية التخصص الذي يرتبط بالمعلوماتية والفيزياء والكيمياء والاقتصاد وعلم الأحياء وكذلك بالتاريخ والأدب والموسيقى والرسم.
الرياضيات اليوم في كل مكان. من دونها، لا حواسيب، ولا نُظم معلومات، ولا هواتف ذكية، ولا وجود لوُرَش تصميم لمصنِّعي السيارات ولا ملاحة جوية، ولا وجود لأنظمة مواقع الأقمار الاصطناعية، ولا معالجة إشارات، ولا تشفير وفك تشفير، ولا تنبؤات جوية، وبطاقات ذكية، وروبوتات…
بالإضافة إلى دورها كعلوم أكاديمية وتدريب أساسي في المدرسة، تنتشر الرياضيات في كل مكان في مجتمع اليوم. وهي تتبع التطورات العلمية والتكنولوجية الحالية وترافقها وتسبقها في بعض الأحيان، والتي تعتمد على نتائج أحدث الأبحاث الأساسية المعاصرة وكذلك تستفيد من الاكتشافات المتراكمة في الماضي.
أخيرا، تتزايد احتياجات الرياضيات مع تسارع التغيرات والإبداعات التكنولوجية. لا يمكننا الاستغناء عنها، عندما نواجه الحاجة إلى تطوير أو إتقان أو تحليل أنظمة ذات تعقيد متزايد.
لقد فهمت عدة دول مثل الولايات المتحدة، وروسيا والصين واليابان وبعض الدول الأخرى مثل الهند وماليزيا وسنغفورة وحتى الفيتنام هذا جيدًا، بزيادة دعمها المالي لتدريس والبحث في الرياضيات بشكل كبير.
فرصتُنا في الجزائر هي البدء عاجلا، في تغيير تدريس الرياضيات من الحضانة فالمدرسة الابتدائية وهكذا إلى غاية الجامعة، حتى تلتحق المدرسة الجزائرية بأفضل المدارس في العالم، وأن تصبح الثقافة الرياضية لتلاميذنا وطلابنا وأساتذتنا وعلمائنا ومهندسينا على مستوى جيد جدًّا على نطاق دولي. وأن تدخل الجزائر للمنافسة على ميداليات فيلدز، وهو ما يعادل جائزة نوبل في الرياضيات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
15
  • احمد بجاوي

    أولا رمضانكم كريم ثانيا: الشكر الى يومية الشروق التي اتحفتنا بمناسبة اليوم العالمي للرياضيات بهذه المقالة الممتازة ثالثا: بكل صراحة، كنت اطالع مداخلات الدكتور عثمان عبد اللوش فيما يخص مجاله الرقمنة والاعلام الالي، أم اليوم مع هذه المقالة حول الرياضيات ودورها الهام والاساسي في حياة كل شخص، وبهذا الاسلوب العلمي الشيق والممتاز، جعلتني ارجوا منه ان يتحفنا بمواضيع اخرى في هذا التخصص المعقد. شكرا لكم جميعا، جريدتنا الشروق والدكتور عثمان عبد اللوش

  • تاكيدة ل

    دكتور عثمان عبد اللوش، تحياتنا الخالصة لك وكذلك ليومية الشروق، نحن طلابك يا دكتور عندما درستنا رياضيات في ثانوية 1َ9 ماي 1956 بالقالة وبولاية الطارف في الثمانيات من القرن الماضي، اليوم نحن اساتذة لنفس المادة رياضيات، لقد كانت دروسك وقتها نموذجية بالرغم انك وقتها كنت مهندس في المعلوماتية، وقد استفدنا كثيرا منها وها نحن اليوم نعيدها تقريبا الى الجيل الجديد. رمضانكم كريم لك دكتور وللفريق العامل في يومية الشروف لشعب الجزائري.

  • ابو بكر الصديق جيجل

    طلب الى يومية الشروق، جريدتنا المفضلة، ورجاء الى الدكتور عثمان عبد اللوش، لقد فهمت يا دكتور من مقالتك الأولى: الرياضيات مادة أساسية لكل الناس، بأنك ستتحفنا بمقالات اخرى على صفحات يومية الشروق، خاصة بعدما ابهرتنا بالمقالة الأولى، وتركتنا ننتظر البقية، فماذا وقع يا دكتور؟ هل رمضان ام ماذا؟ رمضانكم كريم جميعا

  • علي

    الشكر الى يومية الشروق اليومي، وكذلك الى د.عثمان عبد اللوش، ونتمنى من جريدتنا الموقرة أن تطلب من الدكتور أن يمتعنا على الاقل بمقالتين أو ثلاثة ان أمكن طبعا اسبوعيا، خاصة في شهر رمضان الكريم... رمضانكم كريم جميعا

  • محموعة من مفتشي الرياضيات

    نحن مجموعة من مفتشي مادة الرياضيات من الجزائر العميقة، تمنينا أن نلتقى مع الدكتور عثمان عبد اللوش، حتى نستفيد من خبرته ونظرته العصرية لكيفية تدريس الرياضيات في المدارس الابتدائية خصوصا..

  • الاستاذة مريم فلسفة

    الشكر لكل من الدكتور عثمان عبد اللوش ويومية الشروق، بهذه المقالة الرائعة من جميع الجوانب. أنا الاستاذة مريم من وهران، قدمت هذه المقالة الى تلاميذ السنة النهائية آداب وفلسفة، وقمنا بدراستها كمقالة فلسفية. تحية لكم جميعا ورمضانكم كريم

  • صالح

    نشكر جريدتنا الشروق اليومي وكذلك الدكتور عثمان عبد اللوش الذي امتعنا بهذه المقالة حول الدور الاساسي للرياضيات عند عامة الناس، وهذا بمناسبة اليوم العالمي للرياضيات.. كما نتمنى من جريدتنا الشروق اليومي، ان تخصص على الاقل مرة في الاسبوع لمثل هذه المواضيع القيم، وفتح الباب لمثل هذه الاقلام النيرة... رمضانكم كريم جميعا

  • مناضل حر

    مقالة في المستوى، وتدل على قدرة الجزائريين عندما يجدون الفضاء اللائق، يستطيعون نشر اعلام علمي وبالحرف العربي، والمثال من مقالة الدكتور عثمان عبد اللوش، التي تبين لنا ذلك...

  • استاذ شاوي

    اتمنى من وزير التربية الوطنية أن يأخذ بعين الاعتبار هذه المقالة بمناسبة اليوم العالمي للرياضيات... هل سيصل كلامي الى وزير التربية الوطنية ؟ لست ادري... ولماذا لست ادري... لست ادري...

  • عبدالرحمان

    وهل سيفعلها الرئيس عبدالمجيد تبون، ويقوم بثورة في المنظومة التربوية من الابتدائي الى الجامعة وخاصة في مادة الرياضيات؟ بكل صراحة موضوع ممتاز وقيم، والشكر للدكتور وللفريق العامل في جريدتنا اليومية الشروق اليومي.

  • استاذ رياضيات من داخل الجزائر

    كلام أكثر من معقول، والشكر لكاتب المقال وليوميتنا الشروق اليومي على نشر مثل هذه المواضيع القيمة، وبلغة عربية سهلة، تدخل على أن لدينا رجال من طينة الكبار، استطاعت الشروق اليومي فتح لهم فضاء، لطرح حلول للمشاكل التي تعيشها الجزائر اليوم.. الشكر ليومية الشروق ولدكتور عثمان عبد اللوش، ورمضانكم كريم

  • ابن تمنراست

    يا دكتور والله أنت مشكور على هذا الموضوع القيم مثلما كتب المعلق "عبدالله"، ونتمنى أن نراك وزير للتربية إن شاء الله.

  • استاذ شاوي

    هل يصل هذا الكلام الى اصحاب القرار في الجزائر، خاصة وزير التربية الوطنية ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، فالكلام الذي نشره الدكتور عثمان عبد اللوش، وبلغة عربية بسيطة يستحق التنويه له وتشجيعه، كما لا انسى أن أشكر يومية الشروق على فتح باب مثل هذا لطرح الانشغال الكبير الذي يعيشه العالم اليوم والجزائر بالطبع

  • قل الحق

    مقالك هذا لا ترتقي إليه عشرات المقالات المنشورة بدون ادنى معنى، من هنا تبدأ الصحافة الراقية. واصل وفقك الله.

  • عبد الله

    مقال جيد وكلام في الصميم نتمنى أن يصغي اليك أهل الامر