الشاذلي وقّع استقالة لم يكتبها بيده وحمّل المسؤولية للجيش
يكشف خليفة بن جديد شقيق الرئيس الرّاحل الشاذلي بن جديد في هذه المقابلة الحصرية مع “الشروق”، تفاصيل مثيرة عن ظروف إلغاء الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 ديسمبر 1991، وأفرزت فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلّة بالأغلبية، ويفصّل في الدوافع الحقيقية وراء تخلي الشاذلي عن كرسي الرئاسة في 11 جانفي 1992، وعلاقة الجيش باستقالته، مؤكّدا في هذا السياق، أنّه يريد إيصال “الحقيقة” للجزائريين كما عايشها مع شقيقه، في مرحلة هي الأصعب في تاريخ رئيس حكم البلاد 13 سنة، وقف معه البعض وتركه الكل يواجه “الأزمة” وحده مطلع التسعينيات، على حدّ تعبير المتحدّث.
وبلغة الواثق من نفسه، والمؤمن بإنجازات شقيقه الشاذلي، روى خليفة بن جديد لـ”الشروق”، القصة الكاملة لرمي الرئيس المنشفة في 11 جانفي 1992، مفضلا ذكر بعض المحطات التاريخية التي رآها مهمة أيّام حكم الرئيس الرّاحل، حيث قال إنّ: “الشاذلي حكم الجزائر 13 سنة..فكان رئيس دولة بمعنى الكلمة وليس مدير عام لشركة وطنية…”. وأكّد المتحدّث، بأنّ الرئيس لما اعتلى سدّة الحكم خلفا للراحل هواري بومدين، تفاجأ بالوضعية المالية الصعبة للبلاد، التي كانت غارقة في الديون، لدرجة أنه قال لي (أي الشاذلي) عبارة لن أنساها ما حييت: “شوف واش كان متحمّل بومدين مسكين”، وأمام ضغط الأزمة الاقتصادية وبروز “عداوات” شخصية من مسؤولين سامين زحزحهم الشاذلي من مناصبهم في ظل التغييرات التي كان مؤمنا بها، يقول خليفة بن جديد، باشر الرئيس جملة من الإصلاحات من بينها إعادة هيكلة المؤسسات، لكن في 1984 راودت الشاذلي فكرة الاستقالة، وكان في كل مرّة يتكلّم عن تسليم المشعل، في إشارة إلى التداول على السلطة، لدرجة أنّه قال لشقيقه خليفة: “حملت المشعل من بومدين في ظروف خاصة..وسأمنحه للشّعب في ظروف عادية”، وكان يقصد الانتخابات بحسب شهادة خليفة بن جديد .
“والله يا خليفة لولا خوفي على الجيش لرميت المنشفة”
توالت الأزمات واشتد وطؤها على الشاذلي ليستيقظ الشارع الجزائري على وقع أحداث 5 أكتوبر 1988، التي تخلّلتها مظاهرات وأعمال شغب، قادها الآلاف من الشبان للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، ومزيد من الحريات، انتهت بسقوط المئات من الأرواح، هذه الأحداث المؤلمة “صُدم بها الرئيس الشاذلي، لأنه لم يكن يتوقعها تماما، كون أنّ السلطة كانت تعتقد حينها أن يوم الخامس أكتوبر سيكون يوم إضراب فقط، أعلنه عمال المنطقة الصناعية في الرويبة بالجزائر العاصمة، إلا أنّ الحقيقة كانت عكس ذلك “.
وفي السياق يقول خليفة بن جديد: “لمّا وقعت أحداث 5 أكتوبر، كنت أكلّم الشاذلي يوميا، كوني كنت حينها والٍيا على قسنطينة.. لقد كان منهارا نفسيا..لم يكن يظن أن الأمور ستنزلق إلى حدّ القيام بأعمال شغب ومواجهات مع أجهزة الأمن انتهت بسقوط أرواح”. من هنا بدأت الاستقالة تترسّخ كقناعة في فكر الشاذلي، الذي كان يريد إحداث تغييرات في النظام بطريقة تدريجية، إلاّ أنّه بات في كل مرّة يتلقى صدمة قوية .
ويروي المتحدّث أنّه بعد أحداث 5 أكتوبر 1988 زار شقيقه الرئيس في 12 من ذات الشهر، بإقامته الرئاسية الكائنة في زرالدة بالعاصمة: “خرجت مع الشاذلي من قاعة الضيوف، ورحنا نمشي في حديقة منزله..ربع ساعة من المشي لم نكلّم بعضنا..بعدها توقف ونظر إليّ وقال: والله يا خليفة لولا خوفي على تماسك الجيش لرميت المنشفة”… وكان يقصد أنّه باقٍ في الكرسي على مضضٍ، ولسبب واحد هو الحفاظ على استقرار المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل الفتنة التي كانت تعرفها البلاد، علما أنّ الجيش هو من أخمدها بحسب المتحدث .
الشاذلي يصرخ: “انزعوا صوري.. أعطوني حريتي.. وأطلقوا يدي ؟!”
في ديسمبر 1988، عقد حزب جبهة التحرير الوطني مؤتمرا حمل كثيرا من الأشياء المثيرة وغير المتوقعة، حيث فاجأ الرئيس الشاذلي المؤتمرين عندما طلب من المنظمين وبلغة الآمر: “انزعوا صوري” من القاعة، وكأنّ به يقول: “من اليوم لست رئيسا للجزائر “ .
واتضحت معالم الرغبة في الاستقالة بحسب خليفة بن جديد في الخطاب الافتتاحي للمؤتمر، لمّا بدأ الشاذلي كلمته التي ألقاها أمام جمع غفير من المناضلين، ببيت شعري لنزار قباني، تغنت به كوكب الشرق أم كلثوم كان مطلعه :
“أعطوني حريّتي وأطلقوا يدي…. إنّي أعطيت وما استبقيت شيئا”. رغبة الشاذلي في الاستقالة قابلتها معارضة شديدة من قادة ومناضلي حزب جبهة التحرير، لينتهي المؤتمر بتزكية الرئيس لمواصلة المسيرة، مانحين إيّاه ورقة بيضاء لمباشرة تعديلات في الدستور، وهو ما تمّ فعلا في دستور 1989، الذي أقرّ التعدّدية السياسية والإعلامية، وظهرت بموجبها أحزاب، وجرائد تابعة للقطاع الخاص، فيما بقيت الإذاعة والتلفزيون حكرا على الدولة وقتها .
تغيّرت الخارطة السياسية في الجزائر من أحادية حزبية إلى تعدّدية احتضنت جميع التيارات الفكرية، وكان تصوّر الشاذلي حينها أن تتشكّل بموجب هذه التعدّدية ثلاث قوى، مشكلة من الأحزاب الإسلامية، وجبهة التحرير الوطني، والمعارضة بقيادة جبهة القوى الاشتراكية، “تتصارع” كلّها داخل قبّة البرلمان عوض الخروج في مظاهرات شعبية تؤجّج التوتّر في البلاد، إلا أنّ هذا التصوّر سرعان ما عصفت به الانتخابات التشريعية التي نظّمت في 26 ديسمبر 1991، وفازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالأغلبية .
الشاذلي يخاطب قادة الجيش بعد فوز الفيس: تحمّلوا المسؤولية
كانت أول انتخابات تشريعية في إطار التعدّدية مقرّرة في جوان أو جويلية 1991..إلا أنّه وبطلب من رئيس الحكومة آنذاك مولود حمروش أجّلت إلى ديسمبر من ذات السنة..هذا التأجيل لم يعجب قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة (الفيس)، حيث باشروا احتجاجات عارمة في العاصمة مصحوبة بإضراب مفتوح، لتتدخل أجهزة الأمن لتفريق المتظاهرين. موازاة مع ذلك يقول خليفة بن جديد قدّم حمروش استقالة حكومته بعد فشل الحوار مع قادة “الفيس”، من بينهم عبّاسي مدني وعلي بن حاج، حول توقيف احتجاجهم، ما أدى بالجيش إلى التدخل واعتقال هؤلاء القادة .
بعد استقالة حكومة حمروش كلّف الشاذلي سيد أحمد غزالي بتشكيل حكومة جديدة ومباشرة حوار مع جميع الأحزاب لتهيئة الأجواء بغرض تنظيم الانتخابات التشريعية في 26 ديسمبر 1991، وبالفعل مشت الأمور بطريقة عادية إلى أن تم الإعلان عن نتائجها، وكم كانت “صدمة الشاذلي كبيرة” يقول شقيقه خليفة، بعدما حصد “الفيس” غالبية المقاعد في البرلمان، بـ 188 مقعد في الدور الأول، وما زاد من مخاوف الرئيس بحسب المتحدّث، هو أنّ قادة “الفيس” كانوا قد توعدوا السّلطة بأنّه في حال فوزهم بالأغلبية في التشريعيات، لن تكون انتخابات أخرى في البلاد؟!.
وأمام هذا الوضع الذي اعتبره الشاذلي خطيرا جدا، اجتمع مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات مع قادة الجيش بمقر قيادة القوات البرية في عين النعجة، بحضور وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، حيث نبّه ممثلي المؤسسة العسكرية إلى ما يراه خطرا محدّقا باستقرار البلاد، مخاطبا إيّاهم: “تحمّلوا المسؤولية..لن أتحمّلها وحدي”، ليقوم الجيش لاحقا وبالتشاور مع الحكومة بإلغاء نتائج التشريعيات التي حصد فيها “الفيس” أغلبية المقاعد في البرلمان.
الشاذلي “مُنهار”.. ويوقع ورقة الاستقالة؟!
فهم الجيش بأنّ الشاذلي يعتزم فعلا الاستقالة، حيث يروي في هذا الصدد شقيقه خليفة: “كلّمني الشاذلي في منتصف نهار 7 جانفي 1992، عبر الهاتف الثابت، كنت حينها بمنزلي في وهران رفقة صهري الطبيب فتحي بخشي، طلب منّي الرئيس المجيء إلى بيته في زرالدة بالعاصمة، وما كان عليّ إلا أن توجهت مباشرة إلى مطار السانيا رفقة صهري الذي أوصلني، حيث امتطيت طائرة الجوية الجزائرية لأصل مطار العاصمة، إذ كان شقيقي العقيد مالك بن جديد، نائب قائد الناحية العسكرية الأولى بالبليدة آنذاك، في استقبالي…سألته: لماذا استدعاني الشاذلي؟، فردّ: الرئيس سيستقيل”..وتابع خليفة: “أمضيت تلك الليلة في منزل شقيقي مالك كوني وصلت العاصمة في حدود منتصف الليل، وفي اليوم الموالي (8 جانفي)، حللت بمنزل الرئيس في حدود الساعة العاشرة صباحا”..ومضى خليفة قائلا: “سألت الرئيس لماذا استدعيتني..فأجاب: أردت إخبارك بأنّي سأستقيل..أردت إبلاغك كي لا تسمع بنبأ استقالتي من التلفزيون وتصدم..”.
الراحل الشاذلي كما يروي شقيقه خليفة قضى أياما عصيبة ما بين 26 ديسمبر 1991 إلى غاية إعلانه استقالته في 11 جانفي 1992، كان منهارا نفسيا ويواجه هذا الوضع الصعب بتلاوة القرآن، ملتزما بصلواته الخمس، ويحث عائلته على تأديتها في وقتها، لكن لمسنا يقول المتحدّث، أثناء جهره بصلاته تأثّرا بالغا، عندما كان يتلو آية بعينها وهي: “يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (الآية 26 من سورة ص). هذه الآية كان وقعها عظيما على الشاذلي، إلى درجة أنّه قال لشقيقه خليفة: “أقسمت على المصحف باحترام الدستور وقوانين الجمهورية..والله على ما أقول شهيد..لست مستعدّا لأخون ما وعدت به ربّ العالمين والشّعب الجزائري“.
وبينما الشاذلي منهمك في الحديث مع شقيقه خليفة بمنزل الأوّل بزرالدة، دخل عليهما في حدود الـ11 صباحا، الجنرال بن قرطبي رئيس التشريفات برئاسة الجمهورية آنذاك، حاملا ورقة بيضاء مكتوبة بقلم. لم أكن أعلم يقول خليفة بن جديد، أنها ورقة الاستقالة..حيث قرأها الشاذلي وأمضاها ومنحها للجنرال بن قرطبي.

وكشف خليفة بن جديد بأنّ الرئيس كان يريد الاستقالة يوم 9 جانفي 1992، لكن الجنرال بن قرطبي أبلغه بأن “جماعة” الجيش بقيادة وزير الدفاع آنذاك خالد نزار، طلبت من الشاذلي تأخير إعلان استقالته إلى غاية 11 جانفي، وكان مبرّرهم في ذلك هو عدم استعداد المؤسّسة العسكرية لمواجهة هذه المرحلة الطارئة، ومخافة حدوث اضطرابات في البلاد بسبب هذه الاستقالة المفاجئة.
إلا أن الشاذلي أجابهم بهذه العبارة: “سأصبر يومين فقط ولن أزيد ساعة عن ذلك” بحسب شقيقه خليفة.
ولم تكن الوضعية النفسية المتدهورة التي كان عليها الشاذلي، تعبيرا عن ضعف شخصيته، فقد كان الرّاحل الشاذلي، ذا شخصية كاريزماتية، وقراراته لا رجعة فيها، كما أنّه لم يكن يخضع لأحد بما فيهم قادة الجيش، الذين كانوا يحترمونه كثيرا، ولم يمارسوا عليه أي ضغوط، بعكس ما أشيع عنه يقول خليفة بن جديد، والذي أكّد أنّ ما كان يؤلمه فعلا أن تغرق البلاد في الفوضى، وتذهب دماء أبناء وطنه هدرا.
وجاء يوم 11 جانفي 1992 ليقدّم الرئيس الراحل استقالته رسميا للمجلس الدستوري برئاسة بن حبيلس آنذاك، وبثّ التلفزيون الرّسمي رسالة الاستقالة، التي من بين ما جاء فيها على لسان الشاذلي: “إنّي أعتبر أنّ الحل الوحيد للأزمة الحالية يكمن في ضرورة انسحابي من الساحة السياسية“.
وبذلك رمى الشاذلي المنشفة عن قناعة ولم يندم على قراره بحسب شقيقه خليفة، لأنّه رأى بأنه أحد الحلول لخروج البلاد من الأزمة، لكن في المقابل لم يخضع لأي ضغوط من طرف الجيش، ولم يرغمه أحد على الاستقالة، وإنّما تخلّى عن الكرسي بمحض إرادته كما يؤكّده محدثنا، الذي وجّه رسالة قوية عبر “الشروق” لكلّ الذين يرّوجون حسبه الشائعات المغرضة، ويُجرّحون في ماضي المجاهد والوطني و”مهندس” التعدّدية في الجزائر، داعيا إيّاهم إلى عن الكف عن إطلاق الأكاذيب عن الشاذلي وتشويه صورة عائلته، كون الرّاحل خدم البلاد بإخلاص وحاول الخروج بالبلاد إلى برّ الأمان.
