الشيخ عبد اللطيف سلطاني:رحلة السجون والإقامة الجبرية في جزائر الاستقلال
اتهم الشيخ عبد اللطيف سلطاني ـ رحمه الله ـ في مذكراته (غير المنشورة) عبد الحميد مهري شخصيا بالوقوف وراء حجز كتابه “سهام الإسلام” الذي طبع في 1980 عندما كان وزيرا للثقافة، كما حمّل كلا من شريف مساعدية وزير المجاهدين وبوعلام باقي وزير الشؤون الدينية والأوقاف مسؤولية مصادرة هذا الكتاب باعتباره يهاجم ”المجاهدين” ويتكلم فيهم، مؤكدا أن الوزراء الثلاثة كاتبوا إدارة الشرطة وأمروها بحجز الكتاب ومنعه.
-
وأوضح الشيخ سلطاني في مذكراته (المخطوطة) التي انتهى من تحريرها في 4 مارس 1983 (توفي في آفريل 1984) أن السبب الذي أثار غضب أرباب الدولة حينها من كتابه “سهام الإسلام” يتعلق بما كتبه في سهم الجهاد، حيث أكد أنه “من اللازم على المجاهد أن ينوي بجهاده أن تكون كلمة (لا إله إلا الله) هي العليا ومن لم تكن له هذه النية فلا يسمى مجاهدا”.
-
وجاء في مذكراته التي ستنشر بداية من الغد بحوله تعالى: “فعارضه (الكتاب) بعض من ادعى الجهاد زورا وكذبا وحاربوه وطلبوا من الحكومة حجزه ومنعه من الرواج”، بل ذهب الشيخ سلطاني بعيدا عندما اتهم البعض منهم “بالخروج عن تعاليم الإسلام” وقال “فتركَ الصلاة وشربَ الخمر وأفطر في شهر رمضان، مما دل على أنهم غير مجاهدين وأنهم هادمون للإسلام” على حد ما جاء في المذكرات.
-
وتؤكد مذكرات الشيخ عبد اللطيف أن كتاب “سهام الإسلام” حجز (في طبعته الثانية)، ومع ذلك نفدت طبعته الأولى (5 آلاف نسخة) في أقل من شهر، ثم طبع 10 آلاف نسخة منه لكنها “معطلة في مطبعة الشركة الوطنية للنشر والتوزيع”.
-
أما كتابه الأكثر جدلا والذي يحمل عنوان “المزدكية هي أصل الاشتراكية” والذي طبع في المغرب فجاء حسب الشيخ سلطاني ردا على تبني النظام الجزائري للاشتراكية بعد الاستقلال بدلا من الشريعة الإسلامية، وقال في هذا الصدد “وكل أمل الأمة أن تكون إسلامية في تشريعها، لأن الثورة كانت تنادي بالإسلام والجهاد في سبيل الله، غير أنها فضلت في آخر لحظة النظام الاشتراكي على النظام الإسلامي، وقالت الحكومة إذ ذاك أن هذا النظام قرره مؤتمر وادي الصومام، والأمة لا تعرف هذا”.
-
وأقر الشيخ عبد اللطيف سلطاني بأن القادة الذين حضروا مؤتمر الصومام “وضعوا خطة تسير عليها الثورة سواء في وقت الكفاح والقتال أو بعد الاستقلال، ومن جملة ما خططوه أن تكون الدولة الجزائرية بعد الاستقلال اشتراكية”، ولكن الشيخ عذرهم وقال عنهم “ولعل نياتهم كانت حسنة، غير أن استشارة الأمة في مستقبلها واجبة من غير البت في أمرها وهي غائبة”.
-
والمفارقة أن الشيخ سلطاني يؤكد في مذكراته أن عبان رمضان وابن يوسف ابن خدة وتمام عبد المالك وابراهيم شرقي حرروا مقررات مؤتمر الصومام في بيته الواقع بميدان المناورات (ساحة أول ماي حاليا) في جوان 1956 أي قبل انعقاد المؤتمر في 20 أوت 1956، أي أن خيار الدولة الاشتراكية قد يكون اتخذ في بيت الشيخ دون أن يدري.
-
ويتحدث الشيخ عن كتاب “المزدكية هي أصل الاشتراكية” ومعركته ضد الاشتراكية، حيث رفض الطابعون في الجزائر طبعه خوفا من الحكومة، فسافر لأجل طباعته إلى المغرب وتحمل من أجل هذا الكتاب مصاريف الإقامة والنقل طيلة أربعة أشهر، ووزع في المغرب والسعودية والجزائر، غير أن الحكومة حجزت هذا الكتاب الذي صدر في 1975 فنقله إلى باريس وأصبح الجزائريون يقتنون هذا الكتاب من فرنسا.
-
وتتناول مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني حياته منذ طفولته وتربيته يتيما مرورا بتعليمه ورحلته لتونس لتعلم القرآن وطلب العلم، ثم عمله في حقل التعليم ونشاطه في جمعية العلماء المسلمين ومشاركته في الثورة التحريرية واعتقال الفرنسيين له 6 مرات، وكذا قيامه بالإمامة في عدة مساجد بالعاصمة، مثل جامع كتشاوة وجامع ابن فارس (اليهود)، وتأديته لفريضة الحج وحضوره للمؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بالمدينة المنورة والذي ترأسه الشيخ ابن باز في 1977 .
-
وفي نهاية المذكرات يحكي بالتفصيل عن قضية اعتقاله بعد تجمع الجامعة المركزية في 1982 وتوقيعه لبيان رفقة الشيخ أحمد سحنون حول تلك الأحداث وتمت محاكمته وفرضت عليه الإقامة الجبرية، وكتب مذكراته هذه بمنزله بالقبة “والمنزل محروس من خارجه بالشرطة الجزائرية من يوم 9 ديسمبر 1982 إلى اليوم (كتبها عند منتصف نهار الجمعة 4 مارس 1983)”.